إسطنبول ـ «القدس العربي»: مع استمرارها بشكل منظم منذ أسبوع، يبدو أن جهات فاعلة تقف خلف الحملات المتصاعدة التي تطالب بطرد السوريين من تركيا والتي استغلت الحديث عن تجنيس اللاجئين كمنطلق لتوسيع المطالبات التي بقيت طوال السنوات الماضية محدودة، لكنها اليوم تتسع بشكل يثير المخاوف حول الآثار السياسية والاجتماعية لها، وسط تكهنات بتحولها لصدام فعلي على الأرض خلال الفترة المقبلة.
الحملات التي كانت منصتها الأساسية مواقع التواصل الاجتماعي أظهرت تحولاً واضحاً في نظرة شريحة واسعة من الشعب التركي للاجئين السوريين، في ظل تصدر الوسوم «هاشتاغ» التي تطالب بطرد السوريين موقع «تويتر» على مدى الأسبوع المنصرم.
والأحد، تصدر وسم «لا أريد سوريين» بـ30 ألف تغريدة حتى الساعة (2:00)غرينتش، وذلك بعد يوم واحد من تصدر وسم «لا للسوريين» بأكثر من 50 ألف تغريدة، وقبلها وسم «لا أريد سورياً في بلدي» الذي وصل التفاعل عليه لأكثر من 100 ألف تغريدة، طالبت جميعها بطرد السوريين من تركيا، أو إعادتهم للمخيمات بالحد الأدنى.
وبينما تنوعت الأسباب التي برر فيها المعارضون الأتراك مطالباتهم بطرد السوريين، تركزت غالبيتها حول ما سموه «منحهم امتيازات أكبر من التي يتمتع فيها المواطن التركي»، بينما برر آخرون توجههم هذا بالتصرفات السياسية والاجتماعية لشريحة واسعة من اللاجئين.
وحذر العديد من الكتاب العرب والأتراك خلال الأيام الماضية من أن هذا الكم غير المسبوق من الاحتقان والمطالبات بطرد السوريين قد يتحول خلال الفترة المقبلة إلى مواجهة وحوادث عنف على الأرض لم تشهدها تركيا التي يعيش فيها قرابة 3 ملايين لاجئ سوري في السابق.
وبالفعل، قتل السبت شابان أحدها تركي والآخر لاجئ سوري وأصيب 3 آخرون في شجار عنيف اندلع بين مجموعة من اللاجئين والشبان الأتراك في مدينة قونية وسط تركيا، وذلك بعد خلاف تصاعد بين الجانبين وتطور لاستخدام الآلات الحادة.
وفي التفاصيل التي نشرتها وسائل الإعلام التركية، فإن عدداً من الشبان الأتراك أوقفوا مجموعة من الشبان السوريين كانوا يعذبون «كلباً» في إحدى حارات المدينة، وتعيش المدينة حالة غير مسبوقة من الاحتقان، حيث منعت الشرطة أعداداً كبيرة من المواطنين من مهاجمة الجرحى السوريين الذين شاركوا في قتل الشاب التركي وتمكنت بصعوبة من إخراج الجرحى من الباب الخلفي للمستشفى، مستخدمةً الغاز المسيل للدموع، فيما هاجم أتراك غاضبون بعض السيارات السورية وحطموا زجاج عدد من سيارات الشرطة.
وتأتي هذه الحادثة بعد يومين من انتشار مقاطع فيديو لقرابة 300 شاب سوري يحتشدون على ساحل منطقة «فلوريا» في اسطنبول ثاني أيام عيد الفطر، حيث قاموا بإطلاق أغان عربية وترديد أهازيج سورية ومن ثم رددوا عبارات وصفها الأتراك بـ «القومية» وتنغيص العيد على المواطنين الذين اصطحبوا عائلاتهم إلى هذه المنطقة، بحسب وصفهم.
هذه المقاطع التي تم تداولها بشكل كبير جداً على مواقع التواصل الاجتماعي وصفها المغردون الأتراك بالتجاوز الكبير وعدم احترام للمجتمع التركي، معتبرين أن هؤلاء الشبان يتصرفون وكأنهم في بلادهم ويؤذون العائلات التركية، بينما اتهم آخرون الشبان بارتكاب تجاوزات أخلاقية ضد فتيات في المنطقة.
كما لاقت هذه المشاهد إدانة من شريحة واسعة من اللاجئين والمواطنين السوريين أنفسهم، حيث اعتبروها غير لائقة ولا تمثل أخلاق اللاجئين مع المجتمع التركي الذي احتضنهم طوال السنوات الماضية، مطالبين اللاجئين باحترام المنظومة القانونية والاجتماعية في البلاد التي يحلون عليها كـ «ضيوف» على حد تعبيرهم.
وطالب مغردون وقيادات وصحافيون مقربون من حزب العدالة والتنمية الحاكم اللاجئين بتجنب إثارة غضب المجتمع والالتزام بالقوانين، معتبرين أن هذه التصرفات ساهمت في خفض نسبة التأييد للحزب في الشارع التركي.
وفي المقابل، يُظهر كم كبير من التغريدات التي يتم تداولها وجود جهات منظمة تحاول تصعيد الحملة الموجهة ضد اللاجئين، عبر الترويج لأخبار غير صحيحة في محاولة لضرب قاعدة التأييد الشعبية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد، والاستفادة من ذلك في أي انتخابات مقبلة.
ويقول معارضون إن الحكومة التركية تقدم للاجئين السوريين منحاً شهرية وبدل إيجار للمنازل ومساعدات عينية وتسمح للطلاب السوريين بدخول الجامعات بدون امتحانات القبول المعقدة التي تفرض على الأتراك، ووصل بهم الأمر للقول إن الحكومة بدأت عبر هيئة الإسكان الحكومية «توكي» منح اللاجئين شققاً سكنية.
ففي الوقت الذي قدمت الحكومة تسهيلات عامة للاجئين تتعلق بإجراءات الإقامة الإنسانية وإقامة العمل حديثاً وتسهيلات للالتحاق في الجامعات، وقدمت مساعدات إنسانية لشريحة ضئيلة منهم، لم يسجل منح أي لاجئ «سكناً حكومياً» أو البدء بإجراءات التجنيس وهي القضايا التي استخدمت في الحملات التي تصاعدت مؤخراً.
وعقب إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منح تسهيلات تسمح للاجئين السوريين بالحصول على الجنسية التركية والعيش كمواطنين وليس كلاجئين، هاجم معارضون أتراك سياسات الرئيس بشكل واسع، في المقابل حاول آخرون الدفاع عن اللاجئين وعن سياسة أردوغان ومهاجمة النزعة غير المسبوقة في الهجوم عليهم.
والسبت، ذكرت صحيفة «تركيا» أن الحكومة قد تمنح 300 ألف لاجئ سوري من الميسورين وأصحاب الكفاءات الجنسية التركية، لتشجيعهم على البقاء، مشيرة إلى أن منح الجنسية سيحصل تدريجياً. ففي مرحلة أولى، سيشمل ما بين 30000 و40000 سوري، من أصل حوالي 2.7 مليون يعيشون في تركيا، بسبب الحرب في بلادهم، حتى يصل العدد إلى 300 ألف منهم.