مدريد ـ «القدس العربي» من محمّد محمّد خطّابي: عالم شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال) عالم توأم لنا، لصيق بتاريخنا، وثيق الصّلة بثقافتنا وتفكيرنا وتراثنا وعاداتنا وتقاليدنا، فالعهد الأندلسي الإسلامي الزّاهر كانت له صلة وثقى بتاريخ العرب والأمازيغ المغاربيّين منهم والمشارقة على حدّ سواء، على امتداد العصور والدّهور، بحضورهم الفعلي على أرض شبه الجزيرة الأيبيرية، وإسهامهم الوافر في بناء صرح حضارة مزدهرة أشعّت على العالم المعروف في آنذاك، وأنارت دياجي الظلام في أوروبّا التي كانت غارقة تغطّ في سبات التأخر، ولمّا تزلْ تتخبّط في دهاليز الظلام والتزمّت والجمود.
هذا العالم الأوروبي- اللاّتيني تربطه بالعالم العربي- الإسلامي المترامي الأطراف، علاوة عن العنصر التاريخي، صلات أخرى وثيقة، وهي أواصر الأدب والفكر، وفيض هائل من الموروثات الحضارية والتاريخية والثقافية والعلمية والعمرانية واللغوية، وفي مختلف مناحي الحياة ومرافقها، بحكم الجيرة والجوار، والمعايشة والتعايش، والقرب والتقارب الجغرافي والتاريخي المشترك، الشيء الذي جعل للحضارة العربية ـ الأمازيغية حضوراً قويّاً، مشعّاً، ومتواصلاً في مختلف شرائح المجتمعات التي تعاقبت، وتوالت على ثرى هذا الفردوس الذي غدا في عُرف البعض فردوساً ضائعاً مفقوداً! هذا الإشعاع الحضاري الوهّاج انعكس بشكل جليّ على مختلف أعمال المبدعين والشعراء، والكتّاب والرّوائيين والرسّامين، الأسبان والبرتغاليين على إختلاف مشاربهم الأدبية، وتباين أساليبهم الإبداعية على امتداد الأزمنة والعصور.
مدريد الإسلاميّة في كتاب
ومن الكتب التي نُشرت أخيراً في إسبانيا حول مدريد وتاريخها، وتأسيسها كتاب للمورّخ والمستعرب الإسباني دانييل خِيلْ بني أميّه تحت عنوان «مدريد الإسلامية» ، يعالج فيه واضعُه الأصولَ الإسلامية لهذه الحاضرة الإسبانية التي تعتبر العاصمة الأوروبيّة الوحيدة اليوم التي تحمل اسماً عربياً وهي من بناء المسلمين، من تأسيس الأمير محمّد الأول بن عبد الرحمن الثالث فيقول: «إنّ مدريد في المئتين والخمسين عاماً الأولى من حياتها كانت قلعة تابعة لبني أمية في الأندلس، حيث كان الأندلسيّون يطلقون على هذه المنطقة (الثغر الأوسط) وكانت تحت سيطرة بني سالم الذين شيّدوا «حصناً» أو قلعة في هذه المنطقة، سرعان ما تحوّلت إلى مدينة تحمل اسمَهم وهي (مدينة سالم) وهو الاسم الذي عرفت به عند الإسبان، وبنو سالم قبيل أمازيغيّ (من المصمودييّن) تبتدئ مواطنهم الأصلية الأولى من شمال المغرب الأقصى من حدود بلاد الريف من جهة الشرق إلى المحيط الأطلسي من جهة الغرب من جبال الأطلس الكبير في المغرب .
ويرجّح المورّخ الإسباني في كتابه أنّ اسمَ مدينة مدريد أو مجريط هو من «مجرىَ»، أو مجري بالإمالة ألحقت بآخرها نهاية لاتينية it للدّلالة على التكثير أو الكثرة، (كما سنرى بعد قليل)، وقد ورد هذا الاسم في كتب وسير مؤرخين ثقات معاصرين لها أمثال ابن حيّان، وابن حزم، وابن بسّام، وبعد ذلك الإدريسي، وابن سعيد المغربي، والحِميري وسواهم.
ويؤكد الباحث الإسباني أنه لا يُعرف عند الدارسين سوى النزر اليسير عن المُوريسكييّن المدريدييّن، إذ عندما جاءت عملية الطرد أو الإبعاد الجماعي للموريسكيين في مجموع التراب الإسباني في الفترة المتراوحة بين 1609 و1612 نجا الموريسكيّون المدريديّون من هذه العملية، نظراً للحماية التي تلقاها هؤلاء من طرف سكان مدريد وأرباضها، وكذا بفضل اندماجهم واختلاطهم في المجتمع المدريدي ونواحيه، وبذلك فإن الجذر العربي والأمازيغي ظلّ مُحتفَظا به في هذه الحاضرة، خلافاً لما حدث في باقي المناطق والأصقاع الاندلسية الأخرى. ويشير المستعرب الإسباني أنه بعد 1561 عندما استقرّ البلاط الإسباني على أنقاض وبقايا تلك المدينة الإسلامية الصّغيرة، ستشيّد مدريد الكبرى التي ستصبح عاصمة للدولة الإسبانية في ما بعد، وقد حاول بعض الكتّاب والمؤرخين الإسبان طمسَ هذه الحقائق التاريخية، إلاّ أن محاولاتهم باءت جميعها بالفشل.
يقول المؤرخ الإسباني إنّ الغاية من وضع هذا الكتاب هو تسليط الأضواء على التاريخ الإسلامي الحقيقي لهذه الحاضرة، وإخراجه من دهاليز الرّفوف الأكاديمية إلى عامة الناس داخل إسبانيا وخارجها.
حاضرة مجريط
الوجود العربي والأمازيغي الإسلامي في هذه الحاضرة – التي أمست من أكبر الحواضر الأوروبية في الوقت الرّاهن – وجود قويّ نابض وزاخر، أسّسها تحت اسم «مجريط» في القرن التاسع الميلادي (860) الأمير محمد بن عبد الرحمن خامس الأمراء الأموييّن في الأندلس. وسنسلط الأضواء على هذا الموضوع الحيوي من محورين اثنين: الأوّل عن المادّة العربية التي ظهرت حتى الآن حول مدينة مجريط الإسلامية. أمّا المحور الثاني فسينصبّ على مدريد في رحلات بعض السّفراء المغاربة لدى البلاط الإسباني ابتداء من القرن 17 إلى القرن 19 الميلاديين.
ويشير الباحث محمد بنشريفة في هذا القبيل إلى أنّ «معظم القبائل التي نزلت مدينة مجريط على إثر الفتح الإسلامي لإسبانيا كانت قبائل بربرية تتحدر من المغرب على وجه الخصوص، حيث استقرت في مجريط، ومكادة، وطلمنكة، ومدينة سالم، ووادي الحجارة وغيرها من مدن الثغر الأوسط وقراه». وقد أكّد ذلك المستشرق المعروف سيزار دُوبلر. والغريب أن هذه الأماكن، والمواقع وغيرها لا تزال موجودة إلى يومنا هذا وهي تُنطَق كما كانت تُنطق إبّان الوجود الإسلامي بها مع تحريف بسيط لحق بأسماء بعضها.
ويشير الباحث بنشريفة كذلك إلى أنّ مدريد هي إحدى المدن الإسلامية التي أنشأها المسلمون في شبه الجزيرة الإيبيرية، وقد أحصى منها ليوبولدو طورّيس بالباس اثنتين وعشرين مدينة.
اسم مدريد ومعناه
ولقد اختلف الدارسون في أصل اسم مجريط ومعناه، ولعلّ أشهر الآراء المطروحة هي أنّ اسم مجريط يتألف من كلمة عربية هي مجرى أو مجري بالإمالة ألحقت بآخرها نهاية لاتينية it للدّلالة على التكثير أو الكثرة لأنّها مدينة معروفة بكثرة مجاري المياه الجوفية فيها، وهذا الرّأي اجتهادي وليس رّأيا نهائيا قاطعا، ويأتي بعض الباحثين برأي آخر حول اسم هذه المدينة، وهو أنه قد يكون نسبة إلى قرية بربرية تسمّى «بني مجريط» ذلك أنّ المرحوم الباحث محمد الفاسي يقول في تعليق له على مدريد عند تحقيقه لكتاب «الإكسير في فكاك الأسير»لابن عثمان المكناسي: «كانت مجريط قرية صغيرة تنزلها قبيلة بربرية تدعى بني مجريط. وتوجد قرب مدريد قبائل أخرى بربرية قريبة في نطقها من بني مجريط، فضلاً عن وجود قبيل بربري آخر يسمّى بني ماجر بالقرب منها كذلك». أمّا ما يقال عن أنّ اسم مدريد ربما يعود لـ»مادريد» أيّ (ماءُ دُرَيد) بعد أن رخّمت همزة الماء، فذلك لا يعدو أن يكون ضرباً من الخيال ليس إلا.
وقد أسّست مدريد في البداية لأغراض عسكرية، ودفاعية هي حماية الثغور ومراقبة طليطلة، إلاّ أنها لم تلبث أن تحوّلت إلى قرية صغيرة، ثم إلى مدينة تشتمل على جميع مقوّمات المدن الإسلامية الأندلسية كالمسجد الجامع الذي تُلقىَ فيه خطبة الجمعة، ويجتمع فيه المدرّسون والفقهاء وطلاّب العلم.
وقد عيّنت الحكومة المركزية بقرطبة في تواريخ متباينة في مجريط مجموعة من الولاة الذين تعاقبوا عليها لحين سقوطها. ويؤكّد بنشريفة في هذا القبيل: «والغريب أنّ هؤلاء الولاة كان معظمهم من أصل مغربي. وقد أصبحت مدريد من الثغور المقصودة من طرف العديد من المجاهدين والمتطوّعين، وكانت مفتاح العزّ الذي أدركه المنصور بن أبي عامر ومنطلق النجاح الذي حالفه». ويحكي لنا المؤرّخ المراكشي ابن عذارى قصّة اجتماع جرى في مدريد أدّى إلى انفراد أبي عامر بالحكم واستئثاره بالسلطة.
ومرّ بالمدينة خلال العصر الإسلامي العديد من الأحداث والقلاقل التي كانت في الواقع انعكاساً لتطوّر الأحداث السياسية في قرطبة، خاصّة بعد أن انتهت الحجابة العامرية فيها، ويسجّل لنا الشاعر الأندلسي ابن درّاج القسطلي في إحدى قصائدة الرّائعة انتصارات المصموديّين والزناتييّن في نواحي مجريط وأرباضها، وهو شاعر ينحدر من بربر صنهاجة كانت تسكن قرية «قسطلة دراج» غرب الأندلس، قال عنه الثعالبي في «يتيمة الدّهر»: «هو بالصّقع الأندلسي، كالمتنبي في صقع الشام». ويحكي لنا المؤرّخون قصّة أمير مزيّف إدّعى أنّه من ولد الخليفة المهدي بن عبد الجبّار «لو نجح هذا الذي ادّعى أنّه عبيد الله بن المهدي لجعل مجريط عاصمة في العصر الإسلامي». وانتقلت مدريد من يد المسلمين إلى يد المسيحيين باستيلاء ألفونسو السّادس عليها عام 1083 .
مدريد في كتابات السّفراء المغاربة
موضوع كتابات السّفراء المغاربة في القرن السابع عشر، والثامن عشر، والتّاسع عشر كانت محلّ دراسة وتمحيص من طرف العديد من الباحثين المغاربة والإسبان على حدّ سواء.
وتجدر الإشارة في هذا الصّدد إلى أنّه إذا كان المغاربة أوّل من دخل الأندلس مع طارق بن زيّاد، فإنهم أوّل من عادوا إليها بعد فترة من القطيعة بوصفهم دبلوماسيين، ومفاوضين، ومبعوثين من طرف بلدانهم في مهام دبلوماسية عديدة لدى البلاط الإسباني في تواريخ متفاوتة، ومن السّفارات، أو البعثات الدبلوماسية المغربية للديّار الإسبانية التي دوّنت ضمن مخطوطات وكتب رحلات مشهورة معروف منها حتى اليوم خمسة وهي:
1 ـ «رحلة الوزير في افتكاك الأسير» لمحمد بن عبد الوهّاب الغسّاني سفير السلطان مولاي إسماعيل إلى الملك كارلوس الثاني عام 1690 ـ 1691م .
2 ـ «رحلة الزيّاني عام 1758».
3 ـ «نتيجة الاجتهاد في المهادنة والجهاد» لأحمد بن المهدي الغزال سفير سلطان المغرب محمد بن عبد الله إلى ملك إسبانيا كارلوس الثالث 1766 .
4 ـ «الإكسير في فكاك الأسير» لمحمد بن عثمان المكناسي سفير سلطان المغرب محمد بن عبد الله إلى العاهل الاسباني كارلوس الثالث كذلك 1779.
5 ـ «التحفة السنيّة» لأحمد الكردودي 1885.
وكانت ملاحظات هؤلاء السفراء وتدويناتهم، وكتاباتهم تتركّز على وصف ما تبقىّ من المعالم العمرانية، والمآثر التاريخية الإسلامية في المدن الإسبانية. وتحفل رحلاتهم بالعديد من القصص والحكايات والأوصاف الدقيقة لكلّ ما شاهدوه خلال رحلاتهم في مختلف المدن والحواضر والقرى والضّيع والمداشر الإسبانية، وبشكل خاص مدريد، فضلاً عن متابعاتهم وتسجيلاتهم لمختلف التطوّرات والأحداث التاريخية التي عاشها هؤلاء السفراء الرّحالون في عصرهم.
وصف ابن عثمان لمجريط
ونورد في ما يلي نموذجاً لأوصاف هؤلاء السفراء، وبشكل خاص السفير الرحّالة ابن عثمان المكناسي لمدريد في ذلك الإبّان في كتابه «الإكسير في فكاك الأسير» إذ ما أن وصل إلى مشارف مدريد حتى بدأ في وصفها قائلاً: «هذه المدينة كبيرة، غاية في الكبر وضخامة البناء، حاضرة الحواضر ببلاد إصبانية (كذا) (يعني إسبانيا) بُنيت على ربوة، وببابها «وادي مانساناريس» (هذا النّهر ما زال يمرّ بمدريد إلى اليوم) زادها حسناً وبهجةً وسناء. وقد غرسوا على جانب الوادي الذي من ناحية المدينة أشجاراً كثيرة مثل التمر وما أشبهه في غاية العلوّ بصفوف معتدلة يتفيّأون ظلالها، حيث يتردّدون على حاشية الوادي المذكور على أكداشهم (مفردها كوتشي وهي حنطور أو عربة يجرّها حصان، ويطلق هذا الاسم اليوم في إسبانيا على السيّارة)، ولمّا دخلنا المدينة وجدنا فيها من الخلائق أضعاف من تلقّانا بخارجها، فسرنا في سكك متّسعة، وديار مرتفعة، فجلّ ديارها لها ستّ وخمس طبقات لكلّ دار سراجيب منفتحة للأزقّة، ومغلقة بالزّاج عليها شبابيك الحديد، وأسواقها عامرة مشحونة بأهل الحرف والصنائع والتجارة والبضائع، وجلّ باعتها من النساء». وإلى مدريد أو مجريط يُنسب العالم الرياضي الفلكي الكيماوي الشّهير أبو القاسم مَسلمة المجريطي الذي كان يلقّب بـ»إقليدس الغرب».
التثاقف والمثاقفة
كان لهذه الرّحلات تأثير ملحوظ في التفاعل والتثاقف بين المغرب وإسبانيا بشكل خاص، وبين العالم العربي الإسلامي والغرب على وجه العموم. فمثلما كانت إسبانيا مصدر إلهام وإبداع للعديد من الكتّاب العالميين، فقد كان العالم العربي كذلك مصدر إلهام للعديد من كبار الكتّاب والمبدعين من مختلف أنحاء العالم وبشكل خاص الإسبان منذ رائد المسرح الإسباني لوبي دي فيغا إلى الكاتب والرّوائي المعروف خوان غويتيسولو، مرورا بفرانسيسكو دي بييّا إسبيسا، وخوسّيه كادالسو، وبيريث غالدوس، وفيسينتي أليكساندري، وأطونيو غالا، وسواهم. فالمسرحيّ لوبي دي فيغا تعرّض للمغرب في مسرحيته «طائر الفينيق» أو العنقاء. ومن أشهر أعمال فرانسيسكو دي بيّيا إسبيسا: «قصر اللؤلؤ»، و»بني أمية»، و»باحة الريّاحين». وفي ما يتعلق بخوسّيه كادالسو فإنّ المستشرق الرّوسي كراشوفسكي يرى أنّ رحلة أحمد بن المهدي الغزال سفير السلطان محمد بن عبد الله لدى العاهل الإسباني كارلوس الثالث «نتيجة الاجتهاد في المهادنة والجهاد» هي التي أوحت له بكتابة رسائله الشهيرة «رسائل مغربية» التي نشرها عام 1789، والتي يمكن مقارنتها بالرسائل الفارسية للكاتب الفرنسي مونتيسكيّو. وأمّا بينيتُو بيريث غالدُوس فقد خلّد مدينة تطوان في روايته «عايطا تطّاوين» وربما منه جاء لقبها الحمامة البيضاء، إذ يصفها بهذا الاسم في هذه الرّواية قبيل دخول الجنرال الإسباني أودونيل إليها 1860 . وعبّر فيسينتى ألكساندري عن إعجابه وانطباعاته عن المغرب في «رسالته المغربية» الموجّهة إلى الشاعرة الإسبانية ترينا مركادير، فسجّل فيها ذكرياته حول زيارته لتطوان. وأنطونيو غالا معروف بصلاته الأدبية بالعالم العربي. وخوان غويتيسولو المقيم في مراكش، كتب عنها العديد من الأعمال الرّوائية، وأقنع منظمة اليونسكو العالمية بالاعتراف بساحة جامع الفنا في مرّاكش كتراث شفاهي إنساني عالمي غير مادّي، وهو معروف بصلاته الوثقى كذلك بالعالم العربي والإسلامي بشكل عام.
وفي كتاب «قصص الحمراء» للكاتب الأمريكي واشنطن إرفينغ قصّة تحت عنوان «المنجّم العربي» بطلها هو الملك المغربي «ابن حبوس» الذي حكم مملكة غرناطة. ويؤكّد النقاد أنّ هذه القصّة نظراً لجاذبيتها وعنصر الإثارة فيها سرعان ما تسلّلت إلى التراث الرّوسي عن طريق بوشكين الذي نظمها شعراً في «حكاية الدّيك الذهبي».