يحظى برنامج ‘اراب ايدول’ بمشاهدة عالية في العالم العربي وفي مختلف انحاء العالم، وما من شك ان النجم الفلسطيني الصاعد محمد عساف شكل حالة لاقت اهتماما لافتا، وبما ان انجازات القيادة الفلسطينية لا تكاد تذكر فقد جاء صعود نجم عساف، ابن غزة، ابن المخيم الذي نجا من الاجتياحات الاسرائيلية، بمثابة رمز لوطن انيق، من خلال اداء متميز ومتفوق، فعكس اصرارا على الحياة بكرامة بعيدا عن اي ابتذال او استخدام او توظيف لمعاناة الفلسطينيين. لقد ترك عساف لآخرين ان يتحدثوا عن احتلال فلسطين، اما هو فقد غنى لفلسطين الحياة والتراث، فجاء حضوره بجدارة لابن فلسطين المتمكن والموهوب، والى جانبه مثل المشتركون الآخرون ايضا اوطانهم بجدارة، فتغنى كل بوطنه وامجاده، ونسجوا معا علاقة ودية جمعت بينهم، علاقة كانت تنافسية تخلو من العدائية، بل انها مثلت حالة من الرقي عندما ظهر كل مشترك يتمنى الفوز لغيره. لكن يبدو ان هذا الصعود لعساف ازعج الناطق باسم الجيش الاسرائيلي افيخاي ادرعي، ما دفعه لمحاولة تشويهه، فاتهم حماس بمعارضة عساف. والمؤكد ان ادرعي ربما لم يستطع او بالاحرى لا يريد ان يرى انجازا او نجاحا فلسطينيا، لكن رد عساف جاء وحدويا يدل على شخصية وطنية مناضلة. وقد دفع نجاح البرنامج (العديد من البنوك المحلية والمؤسسات الوطنية)، المسؤولين ورجال الاعمال لدعم المشتركين، بل وتخصيص ميزانية لهذا الدعم من خلال التصويت، وحضر المسؤولون وابناء الرؤساء بعض الحلقات لتقديم الدعم المعنوي. باعتقادي ان سر مشاهدة البرنامج الذي ننتظره كعرب بفارغ الصبر هو ما يمثله بالنسبة لنا من عالم مثالي خيالي افتراضي جميل، يجمعنا فيه حرف الضاد ولا يفرقنا، فنعيش اجواء الوحدة لساعات قليلة من كل اسبوع في احضان وطن واحد، وهو ذات الشعور الذي نعيشه حين نردد النشيد العربي ‘بلاد العرب اوطاني’ من كلمات فخري البارودي، حيث نشأنا على هذا النشيد وكبرنا على ايماننا به حتى الان. وعلى الرغم من معرفتنا حقيقة الانقسامات والانهزامات ما زلنا نشعر بالفخر حين نسمع ذلك النشيد وكأننا نختار ان نعيش في الذكريات للهروب من واقع مختلف ومنقسم . كذلك الحال عندما نسمع اغنية الوطن الاكبر بعد كل هزيمة عربية ونردد مقطع ‘وطني يا زاحف لانتصاراتك، ياللى حياة المجد حياتكô احنا وطن يحمى ولا يهدد’، وعلى الرغم مما نعيشه من تجزئة مستمرة وتعزيز للطائفية بصورة مباشرة وغير مباشرة، وعلى الرغم من الواقع الحالي الذي نعيشه حيث تهدد اوطان، وتهدم فاننا نرغب في ان نعيش في ذاك الخيال، ونهرب من الواقع. خلال متابعتنا لحلقات برنامج ‘اراب ايدول’ نعيش لحظات وحدة ونصر وتفوق من خلال المشتركين والاغاني والمواهب المختلفة من بلدان العالم العربي، وفي أجواء توافقية وبعيــدا عن التنافسية العدائية، نحيي مصر ولا نذكر الخلافات، نحيي سورية ولا نذكر الدمارالذي يعمها، نحيي فلسطين ولا نذكر الانقسام الذي يمزقها، نحيي معظم الدول العربية ولا نذكر الفقر والقهر والاضطهاد، نحن نتخيل ونعيش ما نأمل ان يكون. اما الواقع فما نلبث ان نصطدم به فور انتهاء البرنامج والانتقال للقنوات الاخبارية، فندرك ان عساف ابن غزة بحاجة الى تصريح من اسرائيل للذهاب الى رام الله، وان سلمى المغربية لن تستطع زيارة فلسطين بدون تصريح، وفرح السورية ستعود الى سورية المدمرة ومصير مجهول، واحمد جمال يعود الى ام الدنيا وهي تقاوم اصوات العصور الوسطى التي تحارب الفن والغناء.هذا هو حال الوطن العربي الذي ارهقنا واتعبنا ونلوذ بالفرار منه من خلال اراب ايدول لساعات قليلة تنقلنا الى ما هو متخيل ونتمناه.