لايزال حاملو حلمَ خلق دولةٍ مدنيّة يوماً ما قريباً في موريتانيا، على صلةٍ قويّة بالاحتجاج النضاليّ، كبوابةٍ ضامنة للوصول إلى الهدف المُبتغى، الذي هو تحقّيق دولة عدلٍ وحريّةٍ ومساواة حقيقيّة على أرض الواقع اليوميّ للشعب الموريتاني بتعدّده العرقي الفئويّ المختلف.
ذلك الاحتجاج المدفوع بحلمِ التغيير لا يناضلُ فقط من أجل شرعيّة حقوق توفر عيشا كريما للجميع؛ ولكنه يناضلُ أيضاً من أجل شرعيّته التامة هو نفسه، كطريقةٍ تعبير حديثة مرتبطة بأشكالِ غريبة ليست مألوفةً عند المجتمع المحليّ التقليديّ الذي حوّل نفسه بيُسر من فضاء الباديّة لفضاء المدينة الحديث، من دون أن تهتزَّ بنية نظرته التقييميّة للأشياء كثيراً.
فحتى الاحتجاج السلميّ، بأشكاله المتعدّدة، كالتظاهر مثلاً؛ مايزال إلى حدٍّ قريب يعتبر فعلاً ينتهك نسيج المجتمع المحافظ بنظامه القبليّ المحصّن ضدّ كُلِ جديد مختلف. ومع ذلك، فإنّ تغيّراً ملحوظاً نحو الأحسن حصل في السنوات الأخيرة، يبعث على إعادة النظر عند التقييم قليلاً من تلك الزاويّة.
الحراكات الشعبيّة الاحتجاجيّة، في المنطقة العربيّة، وغير ذلك من العوامل الأخرى، كتراكم تجارب نضاليّة معيّنة سابقة في السياق المحليّ وازدياد استخدام وسائل التواصل الاجتماعيّ، فيسبوك تحديداً، للتدوين حول الشأن العام كان كافياً لحصول وعيّ مدنيّ مؤطر بقيمة الاحتجاج سبيلاً إلى نيل الحقوق الشرعيّة المسلوبة بفعل سيطرة الفساد. وهو ما ظهر جلياً، في حراك الشارع الشعبيّ الموريتانيّ، في السنوات الخمس الأخيرة، التي امتلأتْ احتجاجاتٍ صارخة ضد الفساد الإداري القبليّ والاستبداد العسكريّ والعبودية والاغتصاب وغياب الأمن وارتفاع الأسعار …إلخ. حصل كل ذلك بغرابةٍ لافتة درجة أنه أصبح معتاداً أن لا يمضي أسبوع إلاّ ويحملَ معه رزمةً من الاحتجاجـــاتٍ الحقوقيّة المطلبيّة المدنيّة المتعددّة؛ هذه الاحتجاجات التي تواصلت في السنوات الأخـــيرة، بصيغٍ متعددة، وأهدافٍ مختلفة، تسيرُ متطوّرةً بشكلٍ مُلاحظ في الفترة الأخيرة. وهي لا تفتأ تتنوع وتأخذ أشكالاً تعبيريّة جديدة، تواكب التطورات الرمزيّة والماديّة لأشكال الاحتجاج في العالم؛ ما من شأنه أن يبعث روح شغفٍ وتجديدٍ في الشارع المحليّ، الذي تدفع مشاكله الكثيرة على ضرورة انتهاج واجتراح طرق احتجاجيّة تعبيريّة جديدة ومختلفة. من ذلك ما حصل قبل ما يزيد على أسبوعين، حين قام النّاشط في حركة 25 فبراير الثوريّة الشيخ باي، برمي وزير الثقافة والصناعة التقليدية (النّاطق باسم الحكومة الموريتانيّة)، محمد الأمين ولد الشيخ بحذائه مصحوباً بمنشورٍ سياسي تنديديّ بفساد النظام الموريتاني يحمل شعار الحركة.
الحادثة هذه جاءت كنوعٍ من الرّد الاحتجاجي من طرف الحركة على تصريحات الوزير النّاطق باسم الحكومة؛ الذي اعتبرته الحركة في منشورها الذي رماه النّاشط باي بوقاً رسمياً مهمته «تقديم المغالطات التي تسعى لتضليل الشعب» في المؤتمر الصحافيّ الرسميّ له بمجمّع الوزارات، الذي يُقام مساء يوم الخميس من كل أسبوعٍ لأجل التعليق على الأحداث الطارئة على أرض الواقع ذلك الأسبوع في البلاد، وإعلان الموقف الرسميّ للنظام في الدولة منها، كأحداثٍ عموميّة تعني الرأي العام.
احتجاج الشيخ باي، أدّى لضربه واعتقاله مباشرة في قاعة المؤتمر الصحافيّ من قـــبل حُرّاس الوزير، ولايزالُ معتقلاً في السجن المدنيّ بلكصر، بعــــد أن حُوِّل إليــــه من سجن دار النعـــيم المكتــظ بأصحاب جرائــم القتل ومن على شاكلتـــهم. الشيخ بايّ، كما يقول رفيقه في حركة 25 فبراير أحمــد ولد أبيه: «ما رمى إذ رمى ولكن الشعب رمَى»، معتبراً أن تصرف رفيقه عبر بشكلٍ صادق «احتجاجياً عن إرادة مجموع الشعب المُضطهد، الذي يبرّر الوزير اضطهاد النظام له بوقاحةٍ مُضللة عند كل اطلالةٍ له في مؤتمره الإعلامي الأسبوعي»، الذي يعرض فيه وجهة نظر الحكومة.
الشيخ باي، الناشط في الحركة الثوريّة، التي ظهرت بشكلٍ فعليّ عام 2011، بالتزامن مع حراك الربيع العربيّ المنادي بسقوط الأنظمة الاستبداديّة الفاسدة، التحق بحركة 25 فبراير باكراً، فالحركة استقطبت لصفّها عدداً كبيراً من الشباب الموريتانيّ، وبعثت روحاً احتجاجيّة حيّة في الشارع المحليّ، كانت أوّل وجهةٍ انتمائيّة للشاب باي، حين أراد اعتناق الشارع احتجاجاً في سبيل قضايا الحريّة والعدالة والمساواة؛ قضايا ذلك الثالوثٍ المُشكل الذي لايزال تجسده الهشّ الزائف ميدانياً يتسبّب في انعكاساتٍ سيئة على حياة الشعب الموريتانيّ. الشيخ بايّ، كعددٍ من الشباب الموريتانيّ الغاضب، خرج للشارع مراتٍ كثيرة، مُعلناً تمرده على الوضع الكارثيّ الذي يعيشه الشعب على مستوياتٍ عدّة من حياته اليومية. وفي كل مرّة، كان يقفُ في مواجهةٍ مع المنظومة المتحكمة اجتماعياً وسياسياً بشكلٍ عامّ، والتي تريد أن يستمر الوضع على حاله، لأنها تستفيد من ذلك. وغالباً ما كانت تلك المواجهات تنتهي بقمع الشرطة له واعتقاله، كرافضٍ لاستمرار واقع بلده على منوال الفساد العسكريّ القبليّ المتحالف الذي تسبّب في تدهور وضع البلاد بشكلٍ كُليّ، ذلك الوضع الذي يحيط الشيخ باي بخفاياه وأخباره علماً كمُشتغل نشيط في الصحافة الالكترونيّة المكتوبة المُواكبة لتطورات الواقع اليومية، وتصرفه الذي يُعتبر احتجاجاً عاديّاً يمارس في غالب دوّل العالم أثار اهتمام الشارع العامّ، وخلق حالات تضامن كثيرة بين صفوف المدونين، لم تلبث تحوّلتْ لأرض الميدان في شكل وقفاتٍ احتجاجيّة مطالبة بإطلاق سراحه، اتهمه القضاء إثره بثلاث تُهمٍ اعتبرتْ واهيّة، منها اتهامه بأنه ينتمي لحركة 25 فبراير الثوريّة غير المرخصة قانونياً وهو ما ردَّ عليه: «حركة 25 فكرة، والأفكار لا تحتاج للترخيص» مُعلناً بقوّة عن تمرده على تحديدات المنظومة المسيطرة سياسياً، التي لا شرعيّة لها أصلاً؛ كان ذلك بعد أن أعلنت الحركة بياناً تعبّر فيه عن مسؤوليتها التامة عـــن الحادث الذي قـــام به الناشط الشيخ باي. يحدثُ ذلك كله الآن في جوٍّ غير بريء من الاعتقالات التعسفيّة والاختطاف القسري تشهده موريتانيا حالياً قبل تنظيم القمة العربية المقررة نهاية هذا الشهر في نواكشوط.
٭ كاتب موريتاني
عالي الدمين