ما يثير الاستغراب في الجوائز الأدبية العربية أن يكون اسم الأديب هو المستهدف، حينما يقف القارئ العربي على تتويج أحد الأسماء الأدبية المشهورة عن عمل يعد من أضعف أعماله قيمة، قياساً مع أعمال رصينة تنافست معه على الجائزة نفسها؟
في ضوء هذا الاستفهام سنعرض للموضوع من زاويتين، يبدو أنهما حاسمتان في رهان التتويج بجوائزنا الأدبية: – قيمة الكاتب المترشح – وقيمة العمل المرشح، ونسائل بهما لجنة التحكيم، لنضع الثلاثة أمام القارئ العربي، الذي وددت محاورة انشغاله حول هذا الموضوع متمثلاً بجائزة كتارا للرواية العربية في طبعتها الأولى 2015، التي توجت رواية «مملكة الفراشة» للروائي الجزائري واسيني الأعرج.
أولاً- صيت الكاتب المتوج: لا جدال في أن لاسم الروائي الجزائري واسيني الأعرج وزنه وفضله الكبيرين على الكتابة الروائية العربية، وذلك بإسهام لا ينكر من أقلام مختصة وأخرى مهتمة بالنقد الأدبي العربي، الذي وصفه أديبنا منذ أيام بـ«النقد الهش»، وهو النقد الذي روج لأعماله على مدى عقود بين الطلبة والمثقفين وحتى الإعلاميين، والحق أن بعض أعمال واسيني مثلت قيمة مضافة لا تنكر في رصيد السرد العربي (نوار اللوز، سيدة المقام، المخطوطة الشرقية). وهي منجزات حقيقة بالتنويه والافتخار. نظراً لقيمتها الأدبية موضوعاً وأدوات فنية.
ثانياً- محتوى العمل المتوج:
في حديثنا عن القيمة الأدبية لنص «مملكة الفراشة» (وهذه القيمة هي المعيار المفترض لتتويجه)، سنركز حديثنا عن شق فني بسيط وهو بنية الزمن في الرواية، كونها تشتغل على زمن مرجعي هو فترة الحرب الأهلية في الجزائر زمن التسعينيات، التي اصطلح عليها إعلامياً «العشرية السوداء».
ما يعني أن عنصر الزمن في الرواية هو أحد أهم الأركان في معمارها السردي.
1- زمن القص
(الزمن المرجعي):
يتأطر زمن رواية مملكة الفراشة بمرحلة العشرية السوداء، أو الحرب الأهلية الجزائرية في التسعينيات، باعتبارها زمناً مرجعياً لأحداثها، وما إن يتأسس القارئ على هذا المنطق الزمني (باعتباره ميثاقاً سردياً بينه وبين النص) حتى يقف على اضطرابات بالجملة تجعل هذا الزمن لا يأتلف مع ما يقع فيه من أحداث.
إن دخلنا أحداث الرواية سنجدها تدور حول فرقة موسيقية شبابية، أطلقت على نفسها اسم فرقة (ديبوجاز)، هاجر عدد من أفرادها إلى مناف أوروبية بعد اشتداد الحرب الأهلية والأزمة الوطنية (العشرية السوداء) لكنهم بقوا في تلك الفترة الزمنية المشتعلة (التسعينيات) على اتصال عبر وسائط التواصل الاجتماعي ممثلة في الفيسبوك، فهل كان الفيسبوك وسيلة للتواصل في تلك الفترة؟
وإن كانت هذه العشرية محددة زمنياً في أعقاب توقيف المسار الانتخابي سنة 1992، فإن العشرية انطلاقاً من هذا التاريخ تكون قد انتهت قبل 2002، علماً أن الفيسبوك تم اختراعه من طرف الأمريكي مايكل زوكربارغ كوسيلة تواصل حصرية بينه وبين أصدقائه في الجامعة سنة 2003، وقد عم الولايات المتحدة في أواخر 2004، بينما اكتسح أوروبا بين سنتي 2005- 2006، وقد عرفته بعض الدول العربية المتطورة تقنياً في الخليج بين سنتي 2006 و2007، فيما كانت الجزائر من أكثر الدول تأخراً عن الركب العربي وحتى الأفريقي في إدخال تكنولوجيا المعلومات (ولا تزال للأسف عيوب الإنترنت تعيق التواصل الاجتماعي والاقتصادي بين الأفراد والمؤسسات حتى يومنا هذا). وإن كنا أكثر تفاؤلاً فلنقل إن العائلات الميسورة في الجزائر كانت قد حظيت بهذا النوع من التواصل الاجتماعي الافتراضي بين سنتي 2008- 2009، ليكتسح الفيسبوك بقية طبقات المجتمع ويشيع على أوسع نطاق في 2010، حيث صار استعماله رائجاً بين كل فئات المجتمع، فبأي منطق تعامل هذا النص مع مرجعه التاريخي الذي يطرحه أمام قرائه؟
في مستهل الرواية يكتب فادي (فاوست) حبيب البطلة (الراوية) ياما وزميلها السابق في فرقة (ديبو جاز) الموسيقية في رسالة فيسبوكية: «ستنتهي سنوات الخوف والعزلة، سأحبك أنا أيضاً لدرجة الهبل»، وهذا أول مؤشر زمني على أن الحرب الأهلية لم تنته بعد، وحسب هذا التعبير يصرح بأن التواصل الفيسبوكي كان منتشراً ومتداولاً بين فئات الشباب آنذاك، مما يجرنا كقراء للتساؤل: هل دخل الفيسبوك بيوت الجزائريين أثناء الحرب الأهلية التي أطلق عليها إعلامياً (العشرية السوداء)؟ أم أن هذه الوسيلة السيبرنية قد حلت بعد العشرية السوداء بعشرية أخرى؟
للأسف تختار بطلة الرواية الاحتمال الأول المتنافي مع مرجعه الزمني ومنطق عصره، حين تخاطب حبيبها فادي: «أنا لا أملك الأسلحة الجبارة التي أقاوم بها خوفي ووحدتي إلا هذه المملكة الزرقاء التي تسمى الفيسبوك، قلت لحبيبي(…) لي فقط وردة من يديك، وقبلة مسروقة في غفلة من القتلة (…) قبل أن يداهمني الموت في مدينة أصبحت توفره بسخاء». ليرد عليها في رسالة فيسبوكية تؤكد هذا الخلل في الزمن المرجعي للأحداث: «من قال إن هذه الحرب انتهت مادام الموت حاضراً وربما أكثر مما كان عليه على مدى العشر السنوات الحارقة».
تتم هذه المحادثة في رسائل فيسبوكية بين شابين جزائريين، وتشير بوضوح إلى أن الأمن لم يستتب والمدن لازالت توفـــــر المــــوت بسخاء، وهذا يعني أن الحرب الأهلية ما تزال قائمة، حسب الوصف الذي قدمته البطلة القاطنة في الجزائر لصديقها المهاجر، بينما منطق زمن الفيسبوك لم يكن ليتكرس لدى الجزائري قبل (2008-2010)، اللهم إلا إن كانت الحرب الأهلية الجزائرية استمرت حتى هذه الفترة؟ وهذا منافٍ لأي منطق واقعي أو تخييلي.
يضيف فادي (فاوست) في رسالة أخرى ممعنا في تعميق المغالطة : «أنهار الدم لم تتوقف إلى اليوم «. ثم يؤكد: «لقد انتهت الحرب منذ عشر سنوات». علماً بأن البطل هنا يتكلم عن لحظته الحاضرة، أي إنه يقول بوضوح: إن العشرية التي يقصــــدها تقـــع قبل لحظة كلامه هذا وهي منطقياً السنتان الأوليان بعد الألفين (2002)، وهــــي نهاية العشرية السوداء، فهل كان هذا زمنا للفيسبوك؟ للأسف هذا ما تقــــره الرواية بكل غرابة. لتبقى العشرية التي يتحدث عنها الروائي عائمة ومتضاربة، على مدى عشريتين من الزمن بدون أي تحديد؟.. وهذا ما يصعب هضمه لدى القارئ.
هكذا تعمل أدوار و خطابات وأحداث الرواية على تقويض زمن القص الذي تبعثرت إحداثياته أمام قارئ لا يقع خارج التاريخ، ولا يجهل منطق السرد المؤسس عليه، وهو تشوه فني يصعب ترميمه تحت أي منطق مهما صب فيه الروائي من تخييل، إذ يجب ألا يكون التخييل الروائي وأبطاله المبتدعين في السرد غطاءً لانتهاك الحقيقة التاريخية وخيانتها كما قال جورج لوكاتش (الرواية التاريخية) . وهي السقطة التاريخية والفنية التي قضت على الخصوصية التاريخية لأحداث الرواية أثناء انشغالها بنسج الحبكة وتحبير سحر اللغة المشحونة ببلاغة العواطف.
2- زمن الخطاب
في فضاء زمن الخطاب هذا يعلن فادي (فوست حبيب البطلة ياما)، عن مدة منفاه التي ناهزت العشر سنوات قائلاً : «ماذا أقول عن منفاي الذي قارب عشر سنوات؟»، غير أن البطلة ياما تفاجئــنا في مستهل الفصل 2، عن تحــــديد مختــلف لغــيـبة حبيبها فادي فتقــــول: «لا أحتمل غيابه الذي استمر ثلاث سنوات وشهرين وخمسة أيام وثلاث ساعات وعشر دقائق وسبع ثواني بالضبط (…) فاوست لا يدري أن امرأة تحب رجلاً».
وحتى إن حاولنا توجيه كلام ياما إلى صديقها (ديف) الذي تحدثت عنه في الفصل الأول، فإننا لن نستطيع ذلك بالتأكيد، لأن كلامها هنا افتتحت به فصلاً جديداً، وأول شخصية تذكرها بعد ذلك التحديد الزمني هي (فادي الملقب بفاوست) وهذا ما يحدثنا به المقطع السابق بكل وضوح.
وعبر رسالة فيسبوكية.. يرد فادي على حبيبته ياما قائلاً: «حبيبتي.. تبدين متعبة تخيلي رجلاً لم ير أرضه عشر سنوات ظل ممتلئاً بها».
وهكذا يعيد فادي خلط الإحداثيات من جديد ويصرح بأنه غاب عشر سنوات بعد أن أخبرتنا حبيبته البطلة (الراوية) ياما أن مدة غيابه استغرقت فقـــط ثلاث ســنوات، فمع من سيسير القارئ؟ مع زمن ياما أم مع زمن فادي في زمن الخطاب أم مع زمن الحرب الأهلية في عشرية التسعينيات؟ أم مع زمن الثورة المعلوماتية في نهاية عشرية الألفينيات في زمن القص؟
ثالثا ـ ملاحظات القراء.
من هنا يشرع لنا التساؤل كقراء للرواية حول تتويج عمل يتناول فترة تاريخية مرجعية، ويعاني كل هذا الاضطراب على مستوى بنية الزمن، التي تعد العمود الفقري في مثل هذه الروايات. ومعلوم أن البنية الزمنية هي عماد كافة البنيات الأخرى في النص، وأن باختلالها أو هدمها يتقوض أساس المعمار السردي، من فضاء مكاني (والمكان يتأسس على جدل بنيوي مع الإطار الزمني) وشخصيات (وهي التي تحيا ضمن فضاء الزمن ويحيا الزمن في ذاكرتها وخطابها)، وأحداث (وهي الوقائع التي تتم داخل الزمن فتسمه بميسمها، خاصة في رواية تشتغل على التاريخ كـ»مملكة الفراشة»).
رابعاً- استفهامات
– هل يمكن أن نسمي عملاً ما رواية إن تم تفكيك فضائه الزمني وهو يتأسس على منطق الزمن كبنية مرجعية؟
– وهل يعقل أن لجنة تحكيم متكونة من مختصين وأكاديميين ذوي باع طويل في النقد الروائي لا ينتبه فيها أحد لهذه الاختلالات الجسيمة؟ علماً أن تناقض منطق الزمن واضطرابه هنا أوضح من أن يخفى على أي قارئ مهما كان مستواه.
– وهذا يعني أحد احتمالين: إما أن لجنة التحكيم قد انتبهت للخلل الواضح للعيان، وهذا بديهي إن هي قرأت النص مرة واحدة، ومع ذلك لم تشأ الإشارة إليه أو أغفلته تحت ذرائع في نفس يعقوب.
– والاحتمال الثاني وهو الذي لا أريد شخصيا الإيمان بوجوده حتى في الخيال، وهو أن اللجنة لم تقرأ النص، على اعتبار أن عنصر الزمن المهلهل في الرواية كان أول ما سيستوقفها، فتخرج الرواية منطقيا من السباق.
– وفي الاحتمالين يوجه السؤال للجنة هذه الجائزة الفتية طبعتها الأولى 2015، عن الغاية من تتويج أعمال تعاني عديد الاضطرابات البنيوية الواضحة للعيان مثل نص «مملكة الفراشة»، وقد استوقفتنا اختلالات منطقه الزمني بشقيه القصصي (المرجعي) والخطابي (التخييلي).
– لا يبقى بعد انهيار البنى التأسيسية لهذا النص (الزمن والتاريخ) سوى فرضية استهداف الجوائز الفتية للقامات الروائية بعيداً عن قيمة ما تكتبه من نصوص إبداعية.
– وهكذا تذهب روائع النصوص الأدبية المرشحة ضحية توجهات استراتيجية لبعض الجوائز الأدبية بعيداً عن الأعمال التي يدخل الأدباء باسمها.
وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن ما أبديته هنا من انتقادات، سواء لعديد السقطات الفنية والموضوعية التي اعتورت النص أو للجنة تحكيم الجائزة التي توجته لا يمس بقيمة صاحب النص كقامة إبداعية عربية محترمة في مجال الرواية محلياً وعربياً.
٭ ناقد وأكاديمي جزائري
محمد الأمين بحري