الترجمة الفكرية… تداعيات الكتابة بلغة أخرى

حجم الخط
0

ماذا يحدث عندما تسنح الفرصة، بالصدفة، أو كما قيل في ما بعد عن سبق إصرار، لمجموعة من الأشخاص الذين ينتمون إلى أعراق وثقافات مختلفة لترجمة أفكارهم إلى لغة أخرى؟ إذا ما أردنا أن نتكلم عن النتيجة، مُدهشة حسب البعض، ومتواضعة حسب البعض الآخر، فيمكننا القول، مُستندين إلى الوقائع الموجودة على الأرض، أن هؤلاء الأشخاص قد تمكنوا خلال سنوات قليلة نسبياً من إرساء الدعائم لتيار مرادف، وببعض المجازفة، يمكن القول أيضاً أنه منافس للأدب الإيطالي، أي، كما أتفق على تسميته اليوم: «أدب المهجر في إيطاليا». بينما، لو أردنا أن نتعمق في الدوافع والأسباب، آخذين بعين الاعتبار تعدّدية أصوات وألوان هذا الأدب، فإننا سنجد أمامنا أكثر من منحى، البعض منه شائك والبعض الآخر مُتلبّس بالغموض، إلا أننا سنتوقف عند ذاك المنحى الذي أعتقد بأنه يجمع في بوتقته الجميع دون استثناء، أي الترجمة الفكرية، وذلك لما يتضمّنه من دلالات وعناوين متفرعة يمكن أن تكون مثار بحث ودراسة للمهتمين بالترجمة بشكل خاص وأدب المغتربين بشكل عام.
لقد أثير هذا الموضوع لأول مرة قبل عدة سنوات، بينما كنا في طريقنا لحضور أمسية أدبية في مدينة جنوة على الساحل الشمالي الغربي من شبه الجزيرة الإيطالية برفقة مجموعة من الزملاء الأجانب والإيطاليين، من بينهم الصحافي والناقد دانييل باربييري. لم نشأ أن نستقل وسائل النقل، لأن المكان كان قريباً، نصف ساعة من المسير تقريباً. كان الجو ملائماً تماماً لمثل هذا المشوار، وكنّا نتكلم عن كل شيء، فجأة توقف دانييل باربييري وسألني: قل لي، عندما تكتب، هل تفكر بالعربية أم بالإيطالية؟ السؤال الذي كان قد وجّهه إليّ أحد الأصدقاء في مناسبة ومكان آخر، بدا مضحكاً للجميع، والبعض تسرّع في إبداء آراء تهكمية، إلا أن السؤال، رغم بساطته وعفويته، سرعان ما طغى على أفكارنا وأرغمنا تالياً على التوقف عنده، كل واحد حسب مفهومه الخاص له. إذن، هل كانت مشكلة لم نكن ندرك وجودها؟ أم أننا كنا نوقنها ضمنياً، ولكننا كنا نخشى من مواجهتها حرصاً على اندماج منشود أو خشية من ردّ فعل يمكن أن يزعزع مفاهيم الطرف «المُهَيْمِنْ» تجاهنا! قبل كل شيء، أكثر من زميل لم يستسغ مصطلح « مُهَيْمِنْ «، وتمنى لو أننا نستعيض عنه بمصطلح « مُضيفْ» مثلاً، رغم أن هذا الأخير، كان يُفسّر من قبل كل طيف سياسي حسب أيديولوجيته، وبالتالي، كان في بعض الحالات يُعدّ «استضافة قسرية»، لأن « الحمولات البشرية» القادمة على متن مراكب صيد قديمة وغير مهيأة للإبحار الطويل تدخل المياه الإقليمية الإيطالية «عُنْوَةً»، وركّابها كانوا يتسللون خلسة إلى البرّ دون إذن مسبق من السلطات المحلية! حتى أن أحدهم، بورغيزيو، نائب سابق في البرلمان الإيطالي عن حزب «رابطة الشمال»، شبّه هذه الأمواج البشرية بالغزو المعاكس (ردّاً على الغزو الاستعماري!)، وطالب بطردهم جميعاً.
النقاش استمر طوال الأمسية، وتمكّن، على الأقل في حالتي أنا، من زرع أكثر من علامة استفهام حول ما أكتبه، وأولها: هل ما أكتبه بلغة أخرى هو ترجمة حقيقية لما أفكّر به، أم أنه يخضع لأحكام وقواعد هذه اللغة؟ ثم: ما هو تأثير هذه الأحكام والقواعد في تكوين الأفكار التي أنقلها على الورق؟
لم أستغرق طويلاً في الوصول إلى بعض الحقائق، وأولها، أنني، إما بسبب التدفق السريع للأفكار، أو بسبب صعوبة العثور على الكلمة المناسبة، لم أكن أترجم أفكاري بدقّة كافية، أو كما يقولون، كانت الترجمة «تأتي ناقصة»، وحتى مشوّهة أحياناً.
بعض الزملاء، و من بينهم الزميل كوسّي كوملا – إيبري، طبيب الأطفال القادم من دولة توغو في وسط أفريقيا، حدّثني عن نفس المشكلة، ولكن بطريقة مختلفة. قال، أنه هو و بعض زملائه الأفريقيين بدأوا يحلمون منذ فترة باللغة الإيطالية، رغم أن ذلك، في الحلم، كان يتراءى لهم كانتقال معلن من الشفافية إلى الغموض، و أحياناً أبعد من ذلك، أي الانسلاخ التام عن الذات، و هو أمر، على الأقل في حالة غابرييللا غيرماندي، إيطالية من أصول إثيوبية، كان يبعث على الذعر حقاً، لأن الذات، حسب معتقداتها، تعني الروح، بينما الأنا تعني كياناً مجرداً، قابلاً، بل منحازا كلياً للتأويل و للتغيير أيضاً.
إن أفكاراً كهذه، التي غالباً ما يُصنّفها النقاد الإيطاليون بالإزوتيكية، بغضّ النظر فيما إذا كانت متوازنة منطقياً أم لا، كان لا بدّ من أن تجد حيّزاً لها في إطار النهج العام لهذه المجموعة المتباينة ظاهرياً، والمتراصّة داخلياً بحكم الظروف. لذا، بعد أن كان هذا الأمر مجرّد دعابة مرحة، فجأة بدأ يشقّ طريقه إلى النفوس مع ما يحمله ذلك من قلق وجزع، وهو ما دفع أكثر من واحد إلى استشارة أهله وأقربائه في مسقط رأسه، لعلّ وعسى يزودونهم بتأويل مناسب، أو الأصح مُطَمْئِنٌ، لكشف أسرار وخفايا هذا التحوّل وفيما إذا كان له تأثير معيّن في التواصل مع الأسلاف.
طبعاً، ذعر الآباء والأمهات، لم يكن أقلّ حدّة من ذعر الأبناء، ورأي «الطبيب الساحر»، زاد من الطين بلّة: في هذه الحالة، التواصل مع الأسلاف سيكون صعباً، إن لم يكن مستحيلاً… وربما سينبذونهم! الدواء الناجع – يضيف «الطبيب الساحر» في رسالته الالكترونية – يكون في قضاء أسبوعين أو ثلاثة أسابيع في السنة بين الأهل في مسقط الرأس، لكي «يعود الوعي إلى رشده»، لأن المحسوس من عبق الأرض ورائحة الأطعمة التقليدية، وفوق كل شيء التواجد عقلاً وجسداً بين أرواح الأسلاف الذين يحرسون الغابة، كفيل بردّ الأمور إلى نصابها.
هنا، بعد اطلاعي على رسالة «الطبيب الساحر»، تبادر إلى ذهني سؤال آخر، لا يقل أهميّة وعمقاً عن السؤال الأول: هل الترجمة الآنية من لغة التفكير إلى لغة الكتابة، يمكن أن تبلور شخصية الكاتب، أو بالأحرى تجعله ينحاز رويداً رويداً إلى الجانب الثاني؟ وفوجئت كثيراً عندما أخبرني أحد الزملاء، الكاتب الجزائري المغترب عبد المالك سماري، عن حالة الشاعر الألباني كاظم حيدري، وهو الأجنبي الوحيد الذي نال جائزة «يوجينيو مونتالي» في الشعر، بأنه تخطّى مرحلة الانسلاخ ودخل في مرحلة «الشعور بالذنب» تجاه الكرم والعناية الهائلة التي أولتها الدول الغربية، وفي مقدمتها إيطاليا، لبلاده. ويضيف، بلهجة لا تخلو من لوم مشوب بتأنيب أبوي: « لو كنت مكانه، لكرّست وقتي للشعر فقط، لأن المعرفة العلمية الإمبريالية، لا يمكن أن تكون مادة للألبانيين. كلاّ! على الأقل في الوقت الحاضر. إلاّ إذا كان قد صبغ نفسه باللون الإيطالي، وفي هذه الحالة يمكن تقبّل وجهة نظره، لأن ألبانيا ستعود لتشكّل جزءاً من المملكة الإيطالية الموسولينية العظمى «. مالك، ربما لأنه لم يستسغ كل هذا الانسلاخ وتأثيره على هذا الأدب الذي يُشكّل هو أحد روّاده، ينهي مقالته بحكم لا يقبل الاستئناف: « هذا النمط من الكتابة أنا أمنحه اسماً مؤقتاً « الأدب المسكين» معيداً المصطلح إلى جذوره الأصلية، أي اللغة العربية. وبالفعل، كلمة «مسكين» مشتقة من الجذور الأبجدية س.ك.ن. والتي تعود بدورها إلى الخمود. مسكين هذا الأدب، أي عقيم ومحتضر».
صدمني هذا الموقف، وصدمني أكثر التحوّل الكبير الذي طرأ على أفكار شاعرنا وهو القائل:» هنا تمطر دائماً، ربما لأنني أجنبي!». عندما تعرفت على كاظم حيدري، كان يشتغل في إسطبل للخيول، وكانت أشعاره قد بدأت «تخترق» دوائر الأدب الرسمي وتستأثر باهتمام النقاد. إذاً، ماذا ألمّ به؟ كان من العسير توجيه هذا السؤال إليه مباشرة، لأن الإجابة حتماً ستكون ملتوية، إن لم تتخذ طابع التهجّم، انسجاماً مع المسار الجديد الذي خطّه لنفسه. من جهة أخرى، كاظم شاعر مرموق، وبالتالي يملك أحاسيس مرهفة وبالتأكيد نظرته شمولية إن لم تكن كونية لكل ما يمارسه الإنسان وهو المتلقّي الأول والأخير لخطاب كل شاعر وأديب. الخلل إذن، استنتجت، يجب البحث عنه في «الترجمة الفكرية» حصراً، وأنا إذ أصوغ هذا الاحتمال، لا يغيب عن خاطري احتمال آخر، مكافئ وربما يميل إلى منهج يعود إلى ما قبل الحداثة التي تبرأ منها معظم الكتاب والمفكّرين، أي الانبهار أمام سلطان وجبروت «المُهَيْمِنْ».
حالات كهذه، ليست غريبة في عالم الأدب، إذ كلنا يذكر جيش الكتاب الذين كانوا يعيشون في عواصم الإمبراطوريات الاستعمارية وكانوا يدافعون عن سياساتها ومخططاتها بكل ما أوتوا به من علم وموهبة، حتى أن هذه الإمبراطوريات، بعد أفولها، شعرت بالإحراج من وجودهم، وفوق كل شيء من تشبثهم في الدفاع عنها، لذا اضطرت لإسكاتهم، أو وضعهم في الظلّ مرة واحدة وإلى الأبد. إذن، الترجمة الفكرية في هذه الحالة، لا تختلف كثيراً عن الحالات الأخرى، إنما ببساطة وقعت تحت التأثير المُدَمّر لهذه الهيمنة، التي تدفع المرء في كثير من الأحيان إلى الشكّ بذاته، بجذوره وبثقافته. إيجابا شيخو، إيطالية من أصل صومالي، لا تعرف كيف تجيب على سؤال الشرطي، تشعر وكأنها فقدت ذاتها: «حدّقت في عينيه اللتين تشبهان عيني ضفدع وأجبته “أنا إيطالية». ثم رغم أنني أملك لون الليل، اصطبغ وجهي بالاحمرار. لكنت شعرت أنني حمقاء أيضاً لو أجبته أنني صومالية. لست نقية مئة بالمئة، لم أكن كذلك أبداً ولا أعتقد بأنني سأصبح كذلك الآن».
في حالة أخرى، الترجمة تأخذ منحى مأساوياً، عندما يصل اليأس إلى حد وضع الجسد أمام الكلمة، كما فعلت يادرانكا هودجيتش، لاجئة من يوغسلافيا السابقة التي إضطرت لأن تعيش المنفى لكي تتمكن من تلافي تداعيات الحرب التي تعشّش مع ضحاياها ودمارها داخل الروح: «إنه من السهل العودة – تكتب يادرانكا – لو أنك تعرف إلى أين. فجأة تفهم أنك في الحقيقة لا تنتمي إلى أحد، حتى إلى نفسك، حياتك خرجت عن مسارها، أنت مذنب دون ذنب اقترفته «. ربّما يادرانكا كانت تشعر بالذنب لأنها هربت لتنجو بنفسها، وكان ينمو فيها الإحساس بأن لا شيء سيعود كما في السابق. كانت تعيش المنفى بلا عودة لأنهم ألغوا فضاءها الزمني. كل ماضيها كان قد ألغي، وكانت تعرف أنه، سواء في سراييفو أو في إيطاليا، كانت حياتها ستمر بين الأجانب. وَجَعٌ لَمْ تتحمله يادرانكا وفضّلت عليه الموت، مُلقية بنفسها بين أمواج البحر الأدرياتيكي.
بعد فترة زمنية لا تتجاوز السنتين، لاحظت أن أسلوبي وطريقة تعبيري في الكتابة، أو بمعنى آخر في ترجمة أفكاري عبر تجاربي وتجارب الآخرين، بدآ يتخذان مساراً مختلفاً عن الماضي، فوق كل شيء مع الكلمة التي كانت تجبرني أحياناً على الاستسلام والاكتفاء بما تسمح به إمكانيات اللغة والذاكرة، دون أن أعرف بالضبط أي لغة أو أيّة ذاكرة. من جهة أخرى، بدا لي وكأنّ الكلمات أصبحت أكثر هدوءا وعقلانية، بعد أن كانت تمارس كل أنواع المراوغة، خاصة عندما كانت الهدنة الافتراضية بين اللغتين تُخرق من قبل هذا الطرف أو ذاك دون إنذار مسبق وبصدام أقوى وأشرس من ذاك الذي أعلنه صامويل ب. هنتينغتون قبل سنوات خلت عن الصراع بين الحضارات.
هذا الصدام، لاحظت، كان عادة ما يحدث عندما كنت أجد نفسي مضطراً لأخذ موقف من الأحداث والهجمات التي كنا نتعرض لها، وما أكثرها. مع ذلك، بعكس الكثيرين من الكتاب والأدباء الغربيين، استطعت دائماً أن احتفظ بعلاقتي مع الإنسان وليس مع الفرد ذي الهوية الوطنية المحدّدة، أذكر في هذا المجال، الالتفاف الإعلامي والشعبي الكبير الذي حصلت عليه الصحفية والكاتبة الإيطالية أوريانا فالاتشي بعد صدور كتابها «غضب وكبرياء»، الذي صبّت فيه جام حقدها وكراهيتها لكل ما هو عربي ومسلم دون أي استـثناء.
«لقد كانت مجرد ثرثارة… التوسكانية المألوفة التي تستطيع أن تخلق زوبعة من لاشيء!». كان هذا رأي صاحب المقهى الذي كنت أرتاده، والحق يقال، هو الآخر كان ثرثاراً من العيار الثقيل، إلا أنه، على طريقته الخاصة، كان يعتقد جازماً بكونية الإنسان، من الناحية الاقتصادية على الأقل. وكان هو الذي شجّعني على تأمّل الفكرة من عدة جوانب، «كما تفعل عندما تنتقي الفواكه والخضار»، لأن هنالك دائماً جانباً مُتعفّناً، هذا إذا لم تكن الحبّة رميمة أصلاً من الداخل.

كاتب سوري

الترجمة الفكرية… تداعيات الكتابة بلغة أخرى

يوسف وقاص:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية