اعتذار أردوغان لبوتين والمصالحة مع إسرائيل الخلفيات والتداعيات الإقليمية

حجم الخط
0

تؤشر الخطوات التي قام بها الرئيس التركي طيب رجب اردوغان بالاعتذار من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والاتفاق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على المصالحة، إلى أن انقرة بصدد إعادة النظر في سياستها الخارجية، وإخماد نقاط التوتر على حدودها، ما سينعكس بشكل أو بآخر على التوازن الإقليمي في المنطقة، وسير تسوية النزاعات والخلافات المتفاقمة.
وثمة دلائل على ان أردوغان يتخلى عن طموحاته بدفن الأتاتوركية كنهج تطوري، وتصفية القضية الكردية وإخماد مطالب القومية الكردية المشروعة في تركيا، باسلوب القوة والابادة.
لقد اقتنع اردوغان وفريقه بأن تنقية تركيا أجواء العلاقات مع روسيا وإسرائيل، وليس بهما فقط، بانها مهمة حيوية ستعود على تركيا بمنافع جيو سياسية، تنعكس بدورها على منطقة الشرق الاوسط . ولكن ستقوم انقرة بتراجعات كانت مبدأية، حيث ان المصالحة مع إسرائيل ستؤدي حتما إلى تحويل الدعم التركي للقضية الفلسطينية من السياسي الفاعل والمؤثر إلى السلبي، وحصره بالانساني على الاغلب والتراجع عن مطلب رفع الحصار عن قطاع غزة، وتخفيف حدة المطالبة في احقاق الحقوق المشروعة والاكتفاء بالخطاب السياسي لتهدئة الرأي العام الاسلامي/ العربي، وهذا ما عبر عنه ارتياح الرأي العام في إسرائيل وتأييده للمصالحة.
كما ان تطبيع العلاقات مع موسكو قد يؤثر على التطورات السورية بما يتعارض وتوجه اردوغان السابق، خاصة إذا صدقت صحة التوقعات القائلة أن الخطوة التالية لأردوغان ستمهد للتفاهم مع الرئيس بشار الاسد. وترددت مؤخرا معطيات عن زيارة مبعوثين من انقرة على مستوى سياسي وعسكري لدمشق، ونقلوا للقيادة السورية رسائل من الرئيس اردوغان، أشير إلى انها تتضمن بعض الافكار لاحتواء الحراك الكردي.
ولأول مرة بعد 7 اشهر من القطيعة التي وقعت إثر إسقاط سلاح الجو التركي في نوفمبر الماضي القاصفة الروسية «سو 24» في سوريا، جرت محادثات هاتفية بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب اردوغان وصفت بتعابير «بناءة» و»إيجابية» التي قل استعمالها في الفترة الاخير. وتزامن تطبيع العلاقات الروسية ـ التركية بصورة رمزية مع الاعمال الارهابية في مطار «كمال اتاتورك» في اسطنبول. لقد اصبح العنف وقتل المدنيين المسالمين في تركيا على مدى السنة الاخيرة جزءا من حياة الناس اليومية. وجاءت المصالحة مع روسيا وإسرائيل على خلفية تلك الاجواء، كخطوة لا مفر منها لاستقرار الوضع الداخلي. إن الإسباب التي استدعت استئناف العلاقات مع روسيا تكمن في عدم وجود خيار اخر للخروج من الازمات الاقتصادية والسياسية، ولكن التطبيع لن يكون سهلا، كما يبدو من للوهلة الاولى.
لقد عكرت انقرة علاقاتها مع الولايات المتحدة واوروبا وفي الشرق الاوسط، وتشعر اليوم بشحة الاصدقاء، ولم يعد لها من منفذ سوى البحث عن شركاء جدد، أو استئناف العلاقات مع الذين تعكرت معهم، والاشاحة عن فكرة تحويل تركيا إلى قوة اقليمية مهيمنة. انها تاريخيا غير مؤهلة، أو أن الايديولوجية التي تطرحها غدت غير فعالة، لاسيما وان اردوغان ادرك جيدا ان الاتحاد الاوروبي غير جاد في الغاء تأشيرات دخول مواطني تركيا لبلدانه، وبعد استفتاء بريطانيا فقد أغلق الباب نهائيا لانضمامها (تركيا) للاتحاد الاوروبي. ان اردوغان يبحث عن شركاء جدد وهذا بدوره سينعكس على تعديل الموازين في المنطقة .وهناك عوامل سياسية وعسكرية ترغم انقرة وموسكو على التهدئة، فان الاصطدام بين البلدين بسبب الاحداث في سوريا يمكن ان تنجم عنه عواقب وخيمة ليس للبلدين وانما للمنطقة، وتهدئة الوضع بينهما سينعكس ايجابا على الاجـــــواء الاقليمية، نظرا للعلاقات التي تربط انقرة بدول المنطقة وتناميها في الفترة الاخيرة مع موسكو
ويتطلع اردوغان إلى ان استئناف العلاقات مع موسكو سيساعد إلى حد ما على تخفيف حدة خطورة ما يسميه بالارهاب الذي يمارسه الاكراد. وهو الهدف الذي يمكن تحقيقه فقط بدعم موسكو ودمشق، للدفع نحو توجه استئناف المباحثات مباشرة مع حزب العمال الكردستاني، وحول عقد مصالحة جديدة.
ان تورط تركيا الكثيف في النزاع السوري وتعكير علاقاتها بموسكو ادى إلى ظهور موشرات على ان العنف الكردي سينتشر في انحاء البلاد، وسينعكس على مجال السياحة والمناخ الاستثماري، كما ان محاولات تسوية المشكلة بالطرق العسكرية حصرا لم تتكلل بالنجاح، او على الاقل بالدرجة التي كان تطمح لها القيادة التركية، لذلك فانها بدأت بالتراجع التدريجي لخلق فترة انتقالية بين الحرب والسلام مع الاكراد.

٭ كاتب عراقي يقيم في موسكو

اعتذار أردوغان لبوتين والمصالحة مع إسرائيل الخلفيات والتداعيات الإقليمية

د. فالح الحمراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية