إسطنبول ـ «القدس العربي»: كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعدد من كبار المسؤولين في الحكومة التركية تفاصيل جديدة تتعلق بآلية منح الجنسية التركية للاجئين السوريين في البلاد، في حين أجمع عدد من المحللين الأتراك على أن التجنيس هو الحل الوحيد لدمج السوريين في المجتمع والاستفادة من خبراتهم وكفاءاتهم.
ازدواجية الجنسية ومنح الإسكان
أردوغان الذي كان يتحدث لمجموعة من الصحافيين الأتراك على متن طائرة في طريق عودته من اجتماعات «الناتو» في بولندا، أوضح أنه من الممكن أن يتم تطبيق ازدواج الجنسية بالنسبة للسوريين الذين من المتوقع منحهم الجنسية التركية، وهو أمر لم يتم الكشف عنه سابقاً، حيث أن الحصول على الجنسية التركية –في أغلب الأحوال- يتطلب التخلي عن الجنسية الأصلية.
وأشار أردوغان إلى أن هذا النموذج من شأنه إعطاء الخيار للمواطنين السوريين للبقاء في تركيا أو العودة إلى بلادهم بعد انتهاء الأزمة، لافتاً إلى أن هناك إمكانية لمنح المواطنين السوريين حق التملك في المشروعات السكنية التي تقوم الحكومة التركية ببنائها عن طريق مؤسسة «توكي»، حيث يدفع السوريون ثمنها بالتقسيط المريح وبأسعار مناسبة، كما فعلت تركيا مع أتراك المسخيت القادمين من جورجيا.
وانتقد الرئيس التركي بعض ردود الأفعال من قبل سياسيين مُعارضين على تصريحاته بشأن منح بعض اللاجئين السوريين في تركيا الجنسية، متسائلًا: «لماذا يستطيع التركي أن يذهب إلى ألمانيا أو أمريكا ويصبح مواطناً ألمانياً أو أمريكياً، ولكن يكون من غير المقبول أن تفعل تركيا الأمر نفسه؟»، مشدداً على أنه «لا داعي للخوف من هذا الإجراء فتركيا دولة بمساحة 780 ألف كيلومتر مربع وتضم 79 مليون نسمة، في حين أن ألمانيا بنصف مساحة تركيا تضم 85 مليون نسمة»، مشيراً إلى أن تركيا يمكنها استيعاب مثل هذه المشاكل بسهولة».
وفي إشارة إلى إعطاء الأولوية للكفاءات من اللاجئين السوريين، قال أردوغان إن «معظم من هم في سن العمل من السوريين إما عاطلون عن العمل أو يعملون بشكل قانوني.. نحن ندعو إلى حل لهذه المشكلة، فهناك بينهم مهندسون ومحامون وأطباء ومعلّمون وهؤلاء يمكنهم أن يساهموا في بناء تركيا».
لا أرقام محددة والأولوية للكفاءات
في السياق ذاته، أكد وزير الجمارك والتجارة التركي بولنت توفنكجي، الاثنين، عدم وجود رقم معين لعدد السوريين الذين من الممكن منحهم الجنسية التركية، مشيراً إلى أن التركيز في عملية التجنيس يتم في هذه المرحلة على الأشخاص ذوي الكفاءات وغير المتورطين بجرائم.
واعتبر أن «الحكومة والشعب التركي بذلا الجهود كافة لكي لا يشعر اللاجئون السوريون بأنهم غرباء»، مشيراً إلى أن «بإمكان أي سوري الحصول على الجنسية التركية في حال إيفائه المعايير والشروط المحددة»، وبين أن الحكومة عاقدة العزم على تفعيل آلية منح السوريين الجنسية للمساهمة في دخول أصحاب الكفاءات منهم إلى سوق العمل وتعزيز اعتمادهم على أنفسهم، وبالتالي إشراكهم في المساهمة بالاقتصاد التركي، انطلاقًا من تصريحات أردوغان في هذا الصدد.
وفي رده على انتقادات المعارضة، أكد توفنكجي على «ضرورة النظر إلى السوريين الذين سيتم تجنيسهم على أنهم قيمة مضافة ستسهم في الاقتصاد والقوى العاملة»، مشدداً على أهمية تجنب عمليات توجيه الرأي العام «القبيحة وغير الواقعية» التي تسعى لإظهار تلك الشريحة من السوريين على أنها «ستسلب قوت يوم الأتراك».
كما شدد الوزير على أن المعارضة التركية لم تقدم أي مقترح بنّاء فيما يتعلق بوضع السوريين في تركيا، مؤكّدًا على ضرورة أن لا تكون هناك أي مفاهيم مغلوطة بخصوص حصول السوريين على الجنسية.
لم يتم وضع المعايير النهائية بعد
من جهته، قال نائب رئيس الوزراء التركي والمتحدث باسم الحكومة نعمان قورتلموش، خلال مؤتمر صحافي عقده عقب انتهاء اجتماع مجلس الوزراء التركي في العاصمة أنقرة إن «تركيا تعتزم منح الجنسية لمن يمكنهم خدمة البلاد في مجالات مختلفة، ومن يمكنهم أن يكونوا جسراً للتواصل بين البلدين ممن لم يثبت تورطهم في أي أعمال إرهابية أو تدعم الإرهاب». وأوضح قورتلموش أن وزارة الداخلية التركية لم تنته بعد من وضع الضوابط والمعايير اللازمة لمنح الجنسية.
وكان أردوغان، أعلن مطلع الشهر الجاري عن وجود سوريين يرغبون بالحصول على الجنسية التركية، مبينًّا أن وزارة الداخلية اتخذت خطوات من شأنها تسهيل ذلك، وقال: «سنعمل على إتاحة إمكانية حصولهم على الجنسية، من خلال مكتب أسسته وزارة الداخلية لهذا الغرض».
وفي وقت سابق، السبت، أوردت صحيفة «خبر ترك» ما سمته مخططًا للحكومة التركية لمنح الجنسية التركية للاجئين السوريين، موضحةً أن الحكومة تخطط لمنح ثلاثمئة ألف سوري الجنسية التركية، حيث ستقوم بمنح الجنسية في المرحلة الأولى لأربعين ألف سوري من حملة شهادات الطب والهندسة والدراسات العليا بشرط أن يكونوا قد أمضوا خمس سنوات في الأراضي التركية.
وأوضحت الصحيفة أن الجهات المعنية ستعطي الأولوية لحملة الشهادات ولأصحاب الشركات كما أن تسهيلات الحصول على الجنسية لن تقتصر على الجنسية السورية فحسب بل أنه سيتم دراسة كل الطلبات التي ستقدم من كفاءات أجنبية تحمل جنسيات أخرى ويمكن أن تقدم إضافة للبلاد.
تصاعد النقاش الداخلي في تركيا
وبالتزامن مع ذلك يتصاعد النقاش الداخلي بين أنصار الحكومة التركية والمؤيدين للقرار وأتباع المعارضة الذين يعارضون خطط منح الجنسية للاجئين بقوة، والذين نظموا حملات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي طوال الأيام الماضية تطالب بطرد السوريين من تركيا.
الكاتب التركي راسم أوزان كوتاهيلي اعتبر في مقال له لصحيفة «صباح» اليومية المقربة من الحكومة ان العنصرية «لم تنته ومازالت معضلة العنصرية والفاشية في بلدنا هذا، فهؤلاء الفاشيون المجانين قد روجوا على صفحات التواصل الاجتماعي لحملة قذرة بعنوان «لا أريد السوريين في بلدي» فهؤلاء يريدون تعكير صفو إخوتنا السوريين الذين إلتجؤا لبلدنا مجبرين هرباً من ظلم الفاشيين في سوريا والآن سوف يعيش معنا للأبد كل شخص من إخوتنا السوريين يريد الحصول على الجنسية التركية».
ورأى الكاتب أن «إشاعة أن السوريين عبء كبير على البلاد هي كذبة كبيرة، على العكس إن إخوتنا السوريين سوف يساهمون في إغناء البلاد ثقافياً واقتصادياً»، مضيفاً: «سنشكل مع إخوتنا السوريين 80 مليون نسمة من سكان تركيا.. قبل 100 سنة كان يحمل الأجداد هوية هذا البلد والآن سيحمل إخوتنا السوريون جواز سفر تركياً».
في السياق ذاته، اعتبر الكاتب التركي فخر الدين ألتون أنه «لا نعتقد أنه من الصواب استضافة اللاجئين السوريين في ظروف صعبة، بل ينبغي تقييمهم على أساس صحيح، والاستفادة من ذوي المؤهلات لدى هؤلاء»، لافتاً إلى أن «هناك طريقتين نستطيع من خلالهما التقرب إلى السوريين في تركيا: إحداهما عبء والأخرى فرصة».
وشـدد على أنـه «وبالـرغم من عدم اعتبار السوريين في تركيا عبئاً. ولكنه ليـس موقفاً مشـتركاً لدى عامة المجتمـع. وإن بذل قادة أحزاب المعارضة جهوداً كبيرة من أجل جذب جماهيرهم إلى هذه النقطة ولكنها فشلوا بذلك إلى الآن»، وختم بالقول: «الأمر الأساسي هو بذل جهود من أجل تحويل كل واحد من السوريين في تركيا إلى فرصة دائمة واعتباره «بشراً» قبل أي شـيء، وليـس «أجنبياً» و«عبـئاً».
التجنيس من أجل تحقيق الاندماج
برهان الدين دوران كتب في مقال له في صحيفة «دايلي صباح» باللغة الإنكليزية أن «اندماج 2.7 مليون لاجئ سوري في المجتمع التركي يعد اختباراً حقيقياً للديمقراطية في البلاد»، واصفاً قرار منح الجنسية للاجئين السوريين بأنه «محاولة من جانب الحكومة لكسر الجمود الحالي في الأزمات الإنسانية».
وقال «مع وجود الأطفال السوريين الذين ولدوا لاجئين في تركيا وإلحاقهم برياض الأطفال، لم يكن أمام السلطات التركية من خيار سوى اتخاذ إجراءات عاجلة تتعلق بالاندماج الاجتماعي. لا يمكننا المضي قدما بحلول مؤقتة. ومن أجل الحيلولة دون تقوقع السوريين وانغلاقهم على أنفسهم يتعين على تركيا اتخاذ الخطوات اللازمة لكي توفر لهم التعليم والعمل دون مزيد من التأخير».
وأضاف الكاتب «قرار منح الجنسية يمثل الخطوة التالية بعد نظام الحماية المؤقت الذي كان مطبقاً سنوات عدة. وفي الحقيقة فإن الجهد الجديد بدأ بالقرار الذي أصدره مجلس الوزراء في شباط/فبراير 2016 بالإعلان عن اللاجئين السوريين المؤهلين للحصول على تصاريح العمل. وعلى مدى الشهور الماضية تحقق تقدم كبير في تحسين مستوى المعيشة لـ400.000 مواطن سوري ممن يعملون بصورة غير قانونية في تركيا. وقد تحركت البلاد في الوقت الراهن لكي تجعل من الممكن للسوريين، الذين يملكون أكثر من 40 ألف شركة في تركيا، أن يصيروا مواطنين مجنسين، في محاولة لتعزيز اندماجهم في المجتمع التركي».
إسماعيل جمال