الرباط ـ «القدس العربي» من الطاهر الطويل: في بحثه الأخير، يرى رئيس اتحاد الكتاب المغاربة عبد الرحيم العلام أن «قضايا القرية والمدينة المغربيتين متشابهة في الروايات المحلية»، وأنها جعلت من هذه «الفضاءات موضوعاً لها»، موضحاً أن تلك القضايا تتركز حول أسئلة مكررة، من قبيل سؤال التحول والتشويه والاختفاء والـ»تبوغرافيا» والتاريخ والوباء والجنون والـ»نوستالجيا» والمحكي من السير والأجيال والقلق والكتابة والفقدان والأوهام والموت والسلطة والأزمنة المنفلتة والفساد والخراب والأرض والهاجس السياسي والإيديولوجي، إلى جانب سؤال الكتابة أيضا، بما في ذلك سؤال العلاقة، الخفية أحيانا والمباشرة أحيانا أخرى، بين السارد والكاتب الضمني.
وناقش العلام، رسالته للدكتوراه، تحت عنوان: «القرية والمدينة في الرواية المغربية: بحث في البنيات والمكونات والدلالات»، أمام لجنة علمية، حصل في نهايتها على دكتوراه الدولة في الآداب، بدرجة جيد جداً مع التوصية بنشر الأطروحة.
وحصول العلام على الدكتوراه يتوج بعد عشرين عاماً، كما قال، إذ يعود تاريخ تسجيله الأول في دكتوراه الدولة، إلى شهر حزيران/ يونيو 1994. ومن جميل المصادفات، أن يكون الشهر الذي سجل فيه أطروحته، هو الشهر نفسه الذي تمت فيه مناقشتها.
وأشار الباحث إلى أنه ما كان لهذه المغامرة أن ترسو أخيرا، لولا الفضل الكبير لأساتذته، ممن حفزوه على تجديد انخراطه في صلب البحث الجامعي. ويراهن هذا البحث على مقاربة موضوع المكان في الرواية المغربية، من زاوية تحليل بنياتهما ومكوناتهما ودلالاتهما في نماذج روائية مختارة، وفي محاولة إدراك مستويات وأشكال تمثل الرواية المغربية، المكتوبة بالعربية، لمكوني «القرية» و»المدينة»، وفي رصدها للتحولات التي طالت المجتمع المغربي، في قراه ومدنه، وفي تناقضاته وتشعباته، وفي ظواهره ومتغيراته الاجتماعية والسياسية والثقافية.
ويعود اختيار العلام البحث في هذا الموضوع، في جانب منه، إلى ما يطبع القرية والمدينة في المغرب، من أشكال التنوع والغنى والخصوصية، بما هو تنوع له انعكاسه على طبيعة المتخيل الروائي نفسه. ويرجع، في جانب آخر، إلى ندرة اهتمام البحث الجامعي في المغرب بموضوع القرية والمدينة في الرواية المغربية، في استقلالية هذين المكونين، على مستوى البحث والرصد والتناول.
وفي هذا السياق، حاول صاحب الأطروحة الاقتراب من خصوصية بعض النصوص الروائية المغربية المستوحية للقرية وللمدينة تحديدا، إذ تمكنت مجموعة من الروائيين، ممن ترسخ لديهم وعي خاص بالكتابة عن القرية أو عن المدينة، من أن يجعلوا من هذين الفضاءين، خلفية أساسية لبعض أعمالهم الروائية، من زوايا ومنظورات مغايرة، وبأشكال سردية متنوعة، تبعا للتحولات التي طالت كلا من القرية والمدينة في المغرب، على مدى مراحل زمنية متعاقبة.
فيما راهن، عبر تنويع المتن الروائي المدروس، على الوقوف عند حجم الإسهام السردي الذي حققته الرواية المغربية، عبر نصوصها المتناسلة، على مستوى تمثلها لكل من القرية والمدينة، بغاية التعبير عن المجتمع المغربي، في تجلياته المختلفة، تبعا لتنوع فضاءاته ومكوناته وبنياته الاجتماعية والبشرية والثقافية والذهنية.
وقارب العلام النماذج المختارة، في تنوع طرائق استيحائها للقرية وللمدينة، وقد تحولتا معا إلى إشكال فني وجمالي في بعض النصوص، وإلى عناصر وشخوص مهيمنة على استراتيجيات نصوص أخرى. كما سعى إلى إبراز طبيعة تمثل كل كاتب على حدة لهذا الفضاء الروائي أو ذاك، على نحو يقرب القراء من أشكال متغايرة، في الرؤية للعالم، وصوغ الواقع، وتنويع طرائق السرد والكلام واللغات.
وموازاة مع ذلك، تفاعل العلام في هذا البحث، مع بعض الأسئلة الضمنية الخصبة لموضوعه، من قبيل تساؤله عن الأسس الكتابية المتحكمة في الروايات المستوحية لفضاءي القرية والمدينة، والطريقة التي تؤسس بها روايتا القرية والمدينة عوالمهما التخييلية والسردية، في ظل العلائق التي تحكم بنياتهما الخاصة ووعيهما الجمعي، وتساؤله عن عناصر «الموازاة» و»التفاعل» و»المد» بين صورة القرية وصورة المدينة في الرواية، وعن ملامح الاغتراب في روايتي القرية والمدينة.
تلك بعض الأسئلة الأولية التي حضرت الباحث، وهو ينكب على دراسة نصوص المتن الروائي في هذا البحث، الذي قام بتوزيعه إلى قسمين تحليليين كبيرين، يتكون كل قسم من عدد من الفصول، فضلا عن مقدمة عامة مركزة، وخاتمة عامة موسعة، حاول فيها، عبر زوايا بحثية مفتوحة على مزيد من المقاربة والتحليل والاستنتاج، مطارحة بعض الأسئلة المفتوحة، في رصدها، هي أيضا، لبعض قضايا الكتابة عن القرية والمدينة في الرواية المغربية، من قبيل أسئلة التحول والالتباس والتشابه، بين أسئلة القرية وأسئلة المدينة، وكذا التساؤل حول مدى قدرة الرواية اليوم على حماية كل من القرية والمدينة من شبح النفي والتلاشي والمسخ والاندثار، في أفق استعادة أصليهما المنشودين.
لقد بدا لعبد الرحيم العلام، في أطروحته، أن تفاعل الروائي المغربي مع القرية والمدينة، لم يفرز بعد، وبالشكل المرتجى، نصوصا روائية عن القرية والمدينة المغربيتين، في مستوى ما عرفته أو ما تعرفه بعض قرانا ومدننا، من تحولات وصراعات وتوترات وتشخيصات للمجتمع وللسلطة فيه، ومن ملاحقة لتفاصيل اليومي الضاج بالحركة والاختناق.
وإذا كان هذا الباحث قد توصل إلى أن هؤلاء الكتاب الذين أتى على تناول أعمالهم الروائية، قد راهنوا على إبراز وتشخيص عنصر «التحول» الذي طال الفضاءات القروية والحضرية، فاعتبارا لكون عنصر الزمن قد لعب فيها لعبته الخاصة، فهو الذي نقيس به مختلف توترات الذات الساردة وحالات الشخوص تجاه تحولات القرية والمدينة، باعتبارهما فضاءين وخطابين، كما نقيس عبره درجات إيقاع مختلف التحولات الطارئة في هذه القرية أو تلك، أو في هذه المدينة أو غيرها، على حد تعبيره.
ووجد الباحث، من خلال النصوص الروائية التي قام بتحليلها، أن قضايا القرية والمدينة المغربيتين متشابهة، بالنظر إلى كونها تتبأر حول أسئلة مكررة، من قبيل سؤال التحول والتشويه والاختفاء والطبوغرافيا والتاريخ والوباء والجنون والنوستالجيا والمحكي السيري والأجيال والقلق والكتابة والفقدان والأوهام والموت والسلطة والأزمنة المنفلتة والفساد والخراب والأرض والهاجس السياسي والأيدويولوجي، إلى جانب سؤال الكتابة أيضا، بما في ذلك سؤال العلاقة، الخفية أحيانا والمباشرة أحيانا أخرى، بين السارد والكاتب الضمني.
إلى جانب ذلك، تبدى لصاحب الأطروحة أن القرى والمدن التي تفاعلت معها نصوص الرواية المغربية، في تشابه متخيلها العام وفي تشابه انتمائها الجغرافي والتاريخي والإنساني، تستلزم المزيد من التشخيص الموازي لها، في أفق اقتناص التحولات الطارئة وتشخيصها تخييليا، وأيضا في أفق ابتداع صور جديدة للفضاءات وللأزمنة، واستبطان أسئلة جديدة تخص الذات والكينونة والوجود، والتقاط مزيد من الدلالات الناجمة عن تحولات المجتمع القروي والمديني المغربي على حد سواء، سياسيا واجتماعيا وثقافيا، بعيدا عن أسئلة التحول الطبيعي والطبوغرافي والتاريخي والحضاري.
وتمكن الباحث من خلال دراسته للمتن الروائي المغربي، في مكوناته القروية والمدينية، من إدراك أهمية ما يمكن للقرية وللمدينة أن يقدماه، باعتبارهما فضاءين روائيين مهيمنين، للرواية العربية عموما، ولإدراكنا ووعينا نحن بالأمكنة، من إمكانات مهمة لاستعادة الدفء والطمأنينة إلى علاقتنا الذاتية والنفسية والوجدانية والوجودية بقرانا، وبمدننا، وبأمكنتنا المتلاشية، خاصة أمام ما يقض مضاجعنا من حروب وخراب وتخلف وشعور بالغربة عن الذات والعالم، كما قال.
فضلا عن ذلك، تبين للعلام، من خلال النصوص الروائية التي تناولها، أنها قد تجاوزت نقاء المفهوم التقليدي لرواية القرية، في عوالمها وحكاياتها وتعقيداتها المتشابكة، في انفتاح الروايات التي تستوحي القرية على المراكز الحضرية، وعلى قضايا المدينة وقيمها الحديثة، ما يعني انتفاء القول بحدوث ثبات في شكل الروايات التي رصدت القرية، الأمر الذي يكشف عن مدى ديناميكية هذا الشكل الروائي وتغيره وتحوله، أمام نزعة التمدن التي اكتسحت بساطة القرى، وأمام تعقد الحياة وتشعبها في القرى المتحولة، بما يوازيها من تطور وسائل العيش والاتصال والمواصلات وتفاقم نزعة التحديث فيها، وتزايد ظاهرة الهجرة من القرى نحو المدن والخارج.
وهذا التصور المغاير في كتابة القرية والمدينة في نصوص الرواية المغربية، حسب العلام، هو من بين ما يحسب للرواية المغربية بشكل عام، وتحديدا على مستوى تفاعلها مع الفضاءين، القروي والمديني، من زاوية كونهما (أي القرية والمدينة) لم يستسلما قدريا لما فرض عليهما من أوضاع ومصائر، على اعتبار أنها قرى ومدن تراهن، في نهاية الأمر، على معانقة التحول والحركة، عزاؤها في ذلك مواجهتها لمشكلاتها ولتعثراتها عبر الحلم بإمكانية التغيير.