الضبابية السياسية تتحدى حرارة الصيف

حجم الخط
0

يزداد الموقف السياسي في مصر، تعقيدا فوق تعقيد، يوما بعد يوم. بعضهم يقحم الدين إقحاما في المشهد السياسي المتهالك، بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، مثل تكفير المعارضة، في حضرة الدكتور مرسي في احتفالية الإستاد، من دون تصحيح أو حتى توضيح أو دليل. وفي هذا خطورة اجتماعية شديدة على المجتمع، فضلا عن تشويه صورة الدين الحنيف، وبعضهم لايزال يرى منافسيهم أشرارا، حتى لو كانت مطالبهم عادلة. وبعضهم يلقي أسباب فشله على الآخرين، من دون اعتراف بخطأ أو تقصير، مما لا يبشر بامكانية الاصلاح أو العودة عن الخطأ.
دعيت الى ندوة، ألقي فيها محاضرة بعنوان: ‘مستقبل الاسلام السياسي في ظل الربيع العربي’، أشرف على تنظيم الندوة واقتراح موضوع المحاضرة، نادي أعضاء هيئه التدريس في جامعة الاسكندرية، مساء الثلاثاء 18 حزيران/يونيو 2013 . بدأت المحاضرة في جو هادئ يصاحبه بعض التوجس والحذر والتحفز الذي لمسته في نظرات بعض الحضور، وكان التقديم لي فيه مجاملة من جانب، الدكتور مختار نميري، دليل المحبة والاستبشار، والدكتور عمر السباخي، رئيس النادي. تعجبت من تقديم الدكتور مختار لأنه أشار في تقديمه لي، إلى بعض مقالاتي، قبل الربيع العربي بسنوات عديدة، منها مقالة ‘أزمة الامة’ التي نشرت سنة 2004، مما جعلنى استشعر الدقة مع الرجلين والحضور، وأنني أعيش في بيئه أكاديمية خالصة.
تناولت في الحديث ثلاث نقاط، هي تعريف الاسلام السياسي، وكيفية بناء المستقبل عند المسلمين؟ وأثر الاسلام السياسي في ضوء الربيع العربي. أما عن التعريف بالاسلام السياسي، فقد أوضحت أن مصطلح الاسلام السياسي، مصطلح سياسي، شاع إعلاميا في الغرب، واستخدمته الأكاديمية الغربية، بما في ذلك أشهر الجامعات في الغرب، ومنها أكسفورد وكامبردج في بريطانيا، وهارفارد وييل ولوس أنجلس وستانفورد في أمريكا، وفي غيرها من الجامعات الغربية الشهيرة، التي تدرس الشرق الأوسط، أو مقارنة الأديان، أو مجرد الاسلام السياسي، أو الحركات الاسلامية، أو حتى الارهاب. هذا المصطلح الذي استخدمه الغربيون، لتوصيف حركات التغيير أو الاصلاح في العالم العربي والاسلامي، التي ترى أن الاسلام نظام شامل يشمل نظم الحياة جميعا، بما في ذلك الحكم أو إدارة البلدان أو سياسة الدولة. شاع هذا المصطلح في الغرب، خصوصا بعد أحداث 11 ايلول/سبتمبر 2001، وحل محل أوصاف أخرى كثيرة أطلقها الغرب على فهم الاسلاميين المعاصرين، أكثرها أدبا: الاسلام الأصولي. منها أسماء تصف الاسلام بالهمجية والبربرية والتخلف والجغرافية والتاريخ وغيرها. وأوضح مثال على الاسلام السياسي هو مشروع الامام البنا، الذي يرى أن الاسلام دين ودولة، ومصحف وسيف’.
ويقول أيضا، رحمه الله تعالى، في الأصل الأول من أصول الفهم العشرين في رسالة التعاليم، ‘الاسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا، فهو دولة ووطن، أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء ‘، ‘رسالة التعاليم للامام البنا’.
هنا لا يفرق الامام البنا بين الاسلام باعتباره عقيدة وعبادة وشريعة وسلوكا وأخلاقا وقوة ورحمة وقانونا وقضاء….الخ، كما يفعل بعضهم، مما يفرغ الاسلام من مضمونه الحقيقي، وينتصر للمقولة الخاطئة ‘لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين’. ربما يكون الامام البنا أول من دعا في العصر الحديث الى هذا المفهوم بهذا الشمول وهذه السعة. وممن فهموا الاسلام بهذا الشمول ويدخلون ضمن مصطلح الاسلام السياسي، الحركة الديوبوندية في الهند أيضا، ثم الحركة الوهابية في الجزيرة العربية، ثم الاخوان المسلمون في مصر، ثم الجماعة الاسلامية في الهند وباكستان وبنغلاديش، والحركة السياسية في تركيا بزعامة نجم الدين أربكان رحمه الله تعالى، والحزب الاسلامي وحركة أبيم في ماليزيا، والحركات الاسلامية الاصلاحية في إندونيسيا، وحركات الاسلام الوسطي في المغرب العربي، والأحزاب الشيعية، خصوصا في إيران والعراق، ثم حركات الجهاد الاسلامي، خصوصا بعد المراجعات، والمقاومة الاسلامية لا سيما في فلسطين ولبنان، وإلى حد ما حزب التحرير مع اختلاف في الوسائل والتعبير. أوضحت في المحاضرة، أن تعريف الامام البنا للاسلام، بأنه نظام شامل، وأنه وضع عشرين أصلا من أصول فهم الاسلام، في رسالة التعاليم وهي في نظري، من أهم رسائل الامام البنا الى اخوانه والعالم، أوضحت، أن هذا هو تعريف دقيق، نتيجة فهم الامام البنا للاسلام، بأنه رساله للعالمين ورحمه لهم، وأن تلك الرسالة دعوة وسطية عالمية ربانية، وينبغي ألا يخلو ذلك أبدا حتى في الممارسة السياسية، حتى لا تخلو الرسالة من مضمونها. أشرت كذلك الى أصلين آخرين من أصول الفهم، هما الأصل السادس الذي يقول فيه الامام البنا ‘كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك، إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقا للكتاب والسنه قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع، ولكننا لا نعرض للأشخاص، فيما اختلف فيه، بطعن أو تجريح، ونكلهم إلى نياتهم، وقد أفضوا إلى ما قدموا ‘. وكذلك أشرت الى الأصل الثامن عشر من تلك الأصول، التي كتبها الامام البنا ويقول فيه : ‘الاسلام يحرر العقل، ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء، ويرحب بالصالح النافع من كل شيء. و’الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها’ .
كانت معي مجموعة رسائل الامام البنا فقلت للحضور، إن الامام أحمد، صاحب المذهب الحنبلي رحمه الله تعالى، رغم حفظه وعلمه، كان يقف ليتناول كتابا من الكتب ليدل على نص أو نصوص منه بدقة بالغة ويقول: الكتاب أحفظ. تأسيا بذلك تناولت مجموعة الرسائل وقرأت نصين اثنين للامام البنا، النص الأول يقول:
‘ فخذ نفسك بشدة بهذه التعاليم، وإلا ففي صفوف القاعدين متسع للكسالى والعابثين. واعتقد أنك إن عملت بها وجعلتها أمل حياتك وغاية غاياتك، كان جزاؤك العزة في الدنيا والخير والرضوان في الآخرة، وأنت منا ونحن منك، وإن انصرفت عنها وقعدت عن العمل لها فلا صلة بيننا وبينك، وإن تصدرت فينا المجالس وحملت أفخم الألقاب وظهرت بينا بأكبر المظاهر، وسيحاسبك الله على قعودك أشد الحساب. فاختر لنفسك، ونسأل الله لنا ولك الهداية والتوفيق’.
والنص الثاني الذي أشرت إليه، في صدر رسالة المؤتمر الخامس ويقول فيه الامام البنا ‘أيها الإخوان: ‘ كنت أود أن نظل دائما نعمل ولا نتكلم، وأن نكل للأعمال وحدها الحديث عن الإخوان وخطوات الإخوان، وكنت أحب أن تتصل خطواتكم اللاحقة بخطواتكم السابقة في هدوء وسكون من غير هذا الفاصل الذي نحدد به جهاد عشر سنوات مضت، لنستأنف مرحلة أخرى من مراحل الجهاد الدائب في سبيل تحقيق فكرتنا السامية. ولكنكم أردتم هذا، وأحببتم أن تسعدونا بهذا الاجتماع الشامل فشكرا لكم، ولا بأس أن ننتهز هذه الفرصة الكريمة فنستعرض نتائجنا، ونراجع فهرس أعمالنا، ونستوثق من مراحل طريقنا، ونحدد الغاية والوسيلة فتتضح الفكرة المبهمة، وتصحح النظرة الخاطئة، وتعلم الخطوة المجهولة، وتتم الحلقة المفقودة ويعرف الناس الإخوان المسلمين على حقيقة دعوتهم، من غير لبس ولا غموض.
لا بأس بهذا، ولا بأس بأن يتقــــدم إلينا من وصلـــته هذه الدعوة ومن سمع أو قرأ هذا البيان، برأيه في غايتنا ووسيلتنا وخطواتنا فنأخذ الصالح من رأيه، وننزل على الحق من مشورته، فإن الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ‘.
طبعا الامام البنا هنا يسبق، حتى بعض جامعات الغرب في مفهوم الممتحن الخارجي الذي تفخر بوجوده بعض الجامعات التي تثق في علم واجتهاد طلابها. وهنا وقفت أستاذة من الحضور، وقالت لي بحدة شديدة لا نعهدها في النساء الاسلاميات. لازم تلتزم بموضوع المحاضرة ولا تهاجم الاخوان المسلمين. واتضح لي أن الاستاذة الدكتورة لم تركز أصلا على موضوع المحاضرة، وكأنها أرادت مني أن أتناول موضوع الاسلام السياسي، من دون التعرض للاسلاميين، خصوصا الاخوان الذين يتصدرون الحكم في تونس ومصر ويشاركون فيه في بلاد أخرى مثل ليبيا.
هاجت القاعة وماجت ضد الدكتورة ومقاطعتها لي، ولكنها لم تعدم مساندة بعض الأساتذة من الاخوان المسلمين، ثم دار اعتذار لطيف وتمت المحاضرة والنقاش بسلام لا يخلو من الحدة أحيانا، مما اضطرني الى أن أقول لهم وأنا حزين: إن تلك المشادات الكلامية العنيفة لا تحدث في المناطق العشوائية التي أزورها وأتحدث فيها’.
طبعا هذا الموضوع أجّل الكتابه عن موضوعات أهم، منها: الوقائع والمستقبل القريب في مصر بين ‘تمرد’ و’تجرد’، ومنها البيان الدقيق للامام الأكبر شيخ الأزهر عن جواز المظاهرات وجواز المعارضة السلمية للحكام بعد فتاوى تكفير الخروج على حكام المرحلة، وكأن كلا منهم هو إمام المؤمنين الوحيد الذي يجب طاعته وعدم جواز الخروج عليه، ومنها حركة المحافظين الجدد التي جاءت في وقت شديد الصعوبة فقوبلوا بالرفض ومظاهرات الغضب والاحتجاج، خصوصا ضد محافظ الأقصر الذي ينتمى فكرا وتنظيما الى الجماعة الاسلامية وحزبها السياسي ‘البناء والتنمية’. ما كنت سأكتب اليوم هذا المقال لولا أن تناولت بعض الصحف والمواقع الأخبارية بشيء من التهويل المعهود هذه الندوة.
والله الموفق.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية