لا يغفل محمد عبد النبي، في الصفحة ما بعد الأخيرة من «في غرفة العنكبوت»، أن يضيف تنويها يوضح فيه أنه «مع اعتماد أحداث هذه الرواية على بعض الوقائع الحقيقية والثابتة، فهي في صيغتها النهائية ليست مبنية على تلك الوقائع، إلا بمقدار ما تُشَيَّدُ أحلام النوم على مفردات اليقظة».
وحسناً فعل عبد النبي أن أضاف هذه الحاشية في محل مهجور من آخر الكتاب بما يتيح للقارئ ـ القارئة أن يمضي في قراءته، بل في صحبة هاني، راوي الرواية، حرًا في توزيع وقائعها ومجرياتها كيفما يشاء، بين ما يفترضه توثيقًا، (واقعة «الكوين بوت» والمعتقل والمحاكمة)، وبين ما تأخذ إليه الكتابة، أي كتابة، بلا مِنَّةٍ من توثيق أو حرص على واقعية، من استطراد على الحقيقة.
وهذه الحرية التي يدعها الروائي لقارئه ـ قارئته لا تعادلها إلا حرية هاني في رواية سيرته التي كانت إحدى انعطافاتها الكبرى ليل 11 أيّار/ مايو 2001 ــ الليلة نفسها التي أغارت فيها أجهزة الأمن المصرية على مطعم ومرقص «الكوين بوت» وقبضت على اثنين وخمسين مثليًا كانوا يسهرون فيه. في تلك الليلة، ألقي القبض على هاني وعلى حبيبه عبد العزيز من شارع قصر العيني القاهريّ بتهمة اللواط. ولأن عبد العزيز ابن عائلة نافذة لا يليق بها أن يقال بأن أحد أفرادها مثلي، يخلى سبيله في حين يستبقى هاني في القسم برسم الاستجواب والإهانة والتعذيب، قبل أن ينقل إلى المعتقل وأن يحاكم إلخ.
وإن يكن 11 مايو أحد الانعطافات «العلنية» في سيرة هاني، فالانعطافة الأهم، بل الانعطافةِ الانعطافة، هي تلك التي تلي خروجه من السجن، حيث يجد نفسه ــ في ما يشبه العودة إلى طفولة أولى ــ عاجزًا عن التعبير اللفظي ومسوقًا إلى الكتابة.
في مقابلة أجرتها «أخبار الأدب» مع محمد عبد النبي، ونشرت في عددها الصادر يوم 5 حزيران/ يونيو 2016، يقول عبد النبي: «[أنا] لا أعمل لصالح قضيّة عامّة، ولا يشغلني تعاطف القارئ مع شخصيّاتي، فأنا لا أتسوّل بهم وبجراحهم؛ وحسب الواحد أن يطالع «في بيت العنكبوت» ليتبين أن عبد النبي لا يبالغ في زعمه هذا. فالـ«كن» التي تُخْرِجُ الراوي، هاني، من الروائي، محمد عبد النبي، ليست «كن» خَلْقية تكوينية تأسيسية وإنما «كن» متواضعة لا تخجل من الجهر بأنَّ الكتابة، بالمعنى الحرفي للكلمة الذي بات هاني يتوسل به للتواصل مع أصدقائه كلما ارتُبِطَ لسانه، كما بمعنى الرواية، رواية ما كان من فصول حياته ــ بأن الكتابة بهذين المعنيين حاجة من حاجات الحياة، لا خيل ولا ليل ولا بيداء ولا بطولة وأكاد أن أضيف ولا من يحزنون.
لا تخلو سيرة هاني، كما يرويها محمد عبد النبي، من تفاصيلَ، ومن وقائعَ، تتيح له أن يلبسه قميص «البطل»، ولكنه يحاذر ذلك، بل يتحاشاه، ويبقي على هاني واحدًا من عداد آخرين كثر، تمضي حياتهم، بما فيها حياتهم الشخصية العاطفية والجنسية، أقله في وسط «الحبايب» ــ المصطلح الذي يُعَرّف به المثليون عن أنفسهم ــ كما تمضي الحياة في أي مكان آخر من أمكنة الحياة بصرف النظر عن الهوية الجنسية لسكانه.
في مجتمع يرفع الانشقاق السياسي أو الثقافي إلى مرتبة الهرطقة، لا غروَ أن يبدو «الانشقاق الجنسي» عما تفترضه الجماعة سائدها «الطبيعي» كبيرة تفوق ما سواها من الكبائر، وفي مجتمع يرفع «الخَرَسَ» و«الإنْكارَ» إلى مرتبة «العقيدة المجتمعية»، وأحياناً إلى مرتبة «دين الدولة»، لا غروَ أنْ يبدو الجهر، الجهر السلوكي أو الجهر اللفظي، مهما خفت، خروجاً لا يغتفر على الانتظام العام. كل هذا، وغيره كثير، يعرفه محمد عبد النبي جيدًا بل جيدًا جداً، ولعل هذه «المعرفة السعيدة» هي ما يُهيئ له أن ينسج روايته بتؤدة ماكرة نَسْجَ العنكبوت بيته: فإذ يخصص الفصل الأول، وهو كسائر فصول الكتاب التسعة والثلاثين لا يتجاوز الصفحات، لتحديد «الإطار» الذي لن يلبث، على مر الفصول، أن تتناسل ألياف الشبكة، وتتعاقد، ضمن حدوده، «أذكر الآن جيداً كيف بدأ هذا الكابوس […] ربما [كانت] هذه هي المرة الأولى التي أمسكت فيها يده في الشارع أمام الناس»، ينهي الفصل الأخير بـ«ما إن سرنا معاً إلى سيارته حتى بادر بمد يده، وأمسك أصابعي في كفه الكبيرة. كان كل شيء ممكنًا في هذه اللحظة».
منتهى القول، إن محمد عبد النبي يختار لروايته التي تسترجع، في ما تسترجعه نتفًا من سيرة بلد ومن سيرة مجتمع، ــ يختار لها، إذ يوكل بدايتها ونهايتها إلى حميمية ما يمكن أن يكون من لقاء يدٍ بأخرى، أن تجري وأن تتسلسل وفق وحدة قياس بشرية فردية هي تجربة هاني المثلية. وفي ذهاب عبد النبي هذا المذهب، لا يحفظ روايته من أن تتحول إلى تقرير لمنظمة دولية رتيب عن حالة المثليين في مصر بوصفهم «أقلية مستضعفة»، أو إلى منشور نضاليّ يتباكى على الحريات العامة والخاصة، ولكنه يؤكد، بالفعل لا بالقول، أي بالفعل الكتابي الذي يعود على متنه هاني، الراوي هاني، من «حبسة اللسان»، (بعد حبسة المعتقل)، إلى «الحياة»، (أو ما يعادل الحياة) ــ يؤكد جذريَّةَ المقدمات التي يبني عليها والخواتيم التي يصل إليها ــ بل قل الخواتيم التي يوصل القارئ ـ القارئة إليها باعتبار أن الرواية، في صفحتها الأخيرة، لا تنتهي بل تبدأ ثانية، بعزم لا يضاهيه إلا العزم التي تبدأ به قصص الحب بصرف النظر عن الهوية الجنسية لـ«أبطالها».
لست أدري كم، وإلى كم، سيتسع صدر مصر، وسواها من العواصم الناطقة بالعربية لرواية، كاملة الأوصاف، بطلتها مدينة تضيق أحيانًا بنفسها فلا تجد متنفسًا لبرمها إلا بأن تحطم المرايا التي تنعكس عليها صور تعددها، واستطرادا صورة بشريتها، وبطلها رجل مثلي لا يخشى من تسميّة الحبّ بأسمائه الحسنى، ومن الحديث عن الجنس، في منأى من الابتذال، بوصفه معقد المتعة والعشق والوجع والذاكرة معا. لست أدري كم، وإلى كم سيكون ذلك، ولكن ــ وعلى بينة من أن هذا السؤال لا يخرج في حد ذاته عن فضولية هي بنفسها من مترتبات ثقافة لا يكاد أحد منا أن ينجو منها، تعتبر أن «الحظر» و«المنع» هما الأصل ــ ولكن، وكائنًا ما يكن، «في غرفة العنكبوت» علامة روائية فارقة برسم أن يُحْتَفَلَ بها، كما تحتفل، هي نفسها، بحياة شيمتها أنها تُشْبِهُ الحياةَ وأكثر…
رواية محمّد عبد النبي «في غرفة العنكبوت» صادرة عن دار العين ـ 2016 ، القاهرة .
٭ روائيّة وناشرة لبنانية
رشا الأمير