صناعة الناقد…

حجم الخط
1

■ قد تكون صناعةُ الناقد أو الباحث في مجالنا الثقافي العربي من الصناعات الثقيلة، وقد تكون- أيضا- من المهام التي تتطلب وعيا فائقا وشجاعة ومغامرة، لكنها تبقى أساسا فاعلية تُعبّر عن القيمة الحقيقية للمحمول الثقافي المعرفي والجمالي والرسالي.
فهي ليست وظيفة تكميلية، بل هي عمل جوهري، وتتطلب وجود بنيات عميقة- اجتماعية وتعليمية وحقوقية وحتى سياسية- تُيسّر استيعاب معطيات صناعتها والقبول بها، وتداول بضاعتها، لأنّ فعل النقد يعني حيازة المعرفة، ويعني التمكين من صناعة السؤال المعرفي، مثلما يعني القدرة على التجاوز والمواجهة والحدّس والتأسيس، وعلى التعاطي مع المعرفة بكل مستوياتها وتمثلاتها بوصفها قوة موجّهة، وفاعلة، ونوعاً من الإشهار إزاء كل مُعوقات تنميتها واستعمالها، وشرعنة أسئلتها..
البيئة العربية لا تطمئن كثيرا للفكر النقدي، وهي ترتاب بكل ما يصنعه النقاد من موجّهات للقراءة والمراجعة، إذ ستكون هذه القراءة قرينة بالشك، والشك يعني تجاوزا على مفهوم الطاعة وولاية الأمر، ومناكدة المقدس الذي يخص السلطة والتاريخ والجماعة والفقه والملة، وبالتالي، وتحت هذه السطوة من الصعب جداً أنْ نضعَ معياراً لهوية الناقد والباحث، أو حتى وضعه في سياق مقارن مع الصناعات النقدية الغربية في مؤسساتها وفي جامعاتها، التي يرتهن وجودها العلمي بأطر وسياقات حضارية وثقافية وحقوقية وتعليمية وسياسية، لذا ظل مفهوم الناقد العربي قريبا- رغم تميّز البعض- من مجال الشارح والمُفسّر و(القارئ الفاعل) إذ تدفع فاعلية القراءة صاحبها إلى وضع التصورات، والأحكام في ضوء ما يتداعي من خصوصية المعالجة الانطباعية والذوقية للنص المقروء، وحتى التحوّل إلى مرحلة (المنهجيات) والنظريات الغربية ظل محدودا في أُطرٍ محددة، ولم يُعط الناقد شجاعة استثنائية لإعادة تقويم النص، وفق مشغليات تلك المناهج، التي تعني تغذية الفكر النقدي وترحيل القراءة إلى فعل المقاربة، وإلى محايثة حمولات النص بوعي معرفي، وبما يُمكّنه من الحفر في أنساقه وجوانياته، التي قد تعني أيضا تعرية أو كشفا للمقموع والمسكوت عنه، وهو ما يضع الناقد عند عتبة الرقابة، أو المواجهة، وسيرة (المثقف النقدي) الضحية معروفة في تاريخنا القديم والمعاصر، بدءا من ابن المقفع وابن الرواندي وأحمد بن حنبل والسهروردي وليس انتهاء بفرج فودة وحسين مروة ومهدي عامل ونصر حامد أبو زيد وغيرهم..
ما أثاره الروائي واسيني الأعرج قبل أيام على صفحات «القدس العربي» حول (هشاشة النقد العربي) يأتي في سياق ما يمكن تسميته بـ(نقد العقل النقدي) وتعرية الناقد العاطل عن مسؤولية النقد، وفي كشف رثاثة مشروعه واستعراضيته الفارغة، وحتى قصور أسئلته من أنْ تطال مشكلات وإشكاليات خطيرة تواجه العقل العربي، والنص العربي، وتضعنا أمام تعقيدات ثقافية مهنية تنحني على مقاربة صناعة مجاورة تبدأ من صناعة المؤسسة الثقافية والمجلة والجريدة ومركز البحث العلمي، ولا تنتهي عند صناعة المحرر الثقافي…
لكن! مقاربة هذه المشكلة ليست بريئة جدا- فهي محاطة بالكثير من الالتباسات، وأن الناقد، ورغم كل أحلامنا وأوهامنا- يظل ابن بيئته، وابن منظومته التاريخية المُكرّسة منذ قرون، إذ ظلت السلطة في هذا التاريخ هي أم القوانين، وأم الثروات، وأم العنف، وأي نقدٍ يطال مؤسستها يعني خرقا أو توريطا في لعبةٍ قهرية من الصعب السيطرة على شروطها، وحتى الأسماء (اللامعة) التي ذكرها واسيني الأعرج هي نِتاج ظروف تاريخية وثقافية وتعليمية خاصة، لذلك ظل عملها مثيرا للجدل، وضمن بيئات ثقافية تتحمل هذا الجدل وتتفاعل معه، والاتكاء على (منجزهم) بوصفه مُنجزا إنسانيا، لكن الصورة ستختلف في بيئتنا العربية المُسيسة، والمؤدلجة، إذ ستكون أعمالهم (مرفوضة) من قبل الكثير من المؤسسات الثقافية والأكاديمية وحتى الدينية بمرجعياتها الفقهية، تلك التي ستنظر إلى هؤلاء بوصفهم (مستغرِبين)، ولا يمكن قراءتهم باطمئنان كامل، والتنظير حول أطروحاتهم، ولا حتى اعتمادهم في الدرس التعليمي العربي..
هوية الناقد الفاعل والصانع ليست متاحة بسهولة، وهذا قول حق، وحتى طبيعة الوظيفة النقدية ينبغي أن تكون خاضعة لمقاربة جادة، تنطلق من حيازة هذا الناقد للكثير من القوة المعرفية، والكارزما، والجدّة، والشجاعة، والفاعلية، والموضوعية والتجاوز بمعناه المعرفي، وأحسب أنَّ الخطورة الافتراضية لها تكمن في آليات توظيف هذه (الحيازات) في السياق وفي صناعة الصدمات، وفي إثارة المزيد من الأسئلة، وفي تشكيل حركة نقدية تقوم أساسا على نقد السلطة، ونقد المقدس، ونقد التاريخ وتسعى لتحليل أسباب إخفاق وظيفة الإنتلجنسيا العربية، وإخفاق الحركات السياسية العربية في مواجهة تحديات الدولة المدنية والحريات والتنوير والإصلاح، والتعرّف على أسباب رثاثة الديمقراطية في مجتمعاتنا..
السياسة والنقد..
مرحلة الكولونيالية التي عاشتها البلاد العربية لم تكن مجالاً يسيرا للتأسيس، وحتى الأحزاب والحركات الثورية والدينية والاجتماعية كانت- خلالها- مسكونة بهواجس مضطربة حول الحرية والتاريخ والهوية، وهذا ما أسبغ على خطابها نزعات ثورية/ عنفية، وتوجهات من الصعب أن تكون أفقاً أو عداً لحراك نقدي يمسّ خطاب المٌستعمر، وأزمات الشخصية المُستعمَرة، وحتى الجامعات التي تأسست في المرحلة الاستعمارية تمثلت إلى حدٍ ما صورة الجامعة الغربية، في نظامها ومناهجها العلمية، مقابل أنها كانت فضاء لحراك ثقافي وسياسي ومهني، لكنه لم يتبلور إلى مستوى التأسيس، والأسماء التي كانت فاعلة في الجامعة مثل، طه حسين وأحمد لطفي السيد وأحمد أمين وعبد الوهاب عزّام وزكي مبارك وعلي الوردي وعلي جواد الطاهر وجواد علي وإبراهيم السامرائي وغيرهم، ظلت حريتها في البحث العلمي مسكونة بتلك الهواجس، ومحاصرة بتهمٍ تمسُّ التابو الديني والتاريخي والثقافي، وحكاية طه حسين مع كتاب الشعر الجاهلي دليل ساطع على ذلك..
السياسة هي القوة المضادة للحرية النقدية، وليست بالضرورة سياسة الحكومة، بل أنّ سياسة الجماعة وبعض المؤسسات الدينية تكون أكثر ضغطا وبشاعة، وهو ينعكس كثيرا على صناعة ظاهرة الناقد أو الباحث، إذ أنَّ غياب الحرية، وهشاشة المؤسسة، وتشوه الجانب الصياني الحقوقي يضع هذا الناقد – إنْ وجِد- أمام خيارين، إمّا الاستسلام للواقع والخضوع لحماية السلطة والجماعة، وهو ما فعله الكثيرون للأسف! أو النفور إلى العالم الآخر حيث تتسع الهوامش بوصفها مراكز علمية، ويجد الباحث هناك مجاله الأرحب للحديث والنقد والقراءة والمواجهة والاختلاف..
نقد السياسة قد يكون الخطوة الأولى للشجاعة النقدية، ولممارسة الحق في الاختلاف، وفي علمنة الجدل حول قضايا إشكالية تمسّ وجودنا وتاريخنا، وبما يُعطي للناقد (متناً) لصياغة أسئلته، ولإمكانية أن يكون بمستوى التحديات، وأحسب أن فشل ثورات الربيع العربي في العديد من بلادنا العربية كانت بسبب ضعف و(رداءة) الحراك النقدي العقلاني بمعناه المعرفي وليس الأدبي المجرد، وحتى الحديث عن (النقد الثقافي) و(الدراسات الثقافية) ظل ضيقاً ومحدوداً وأحيانا انتقائيا كما فعل الناقد عبد الله الغذامي، وهذه الانتقائية تعني قراءة وكشف الأنساق المضمرة للتاريخ الذي يخص جماعةً ما، وتنأى بالنفس عن جماعةٍ أخرى محمية بالسلطة والتاريخ والثروة العنف…

٭ ناقد عراقي

صناعة الناقد…

علي حسن الفواز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية