القاهرة ـ «القدس العربي» ـ من رانيا يوسف: عبر عدة عتبات يستند فيها إلى مقولات إحداها لجبران خليل جبران «اللمسات الناعمة لا توقظ الناس»، يبدأ الشاعر والمترجم المغربي محمد الصالحي كتابه «شيخوخة الخليل» الذي صدر في سلسلة «كتاب الهلال» لشهر يوليو/تموز الجاري، والكتاب يمثل خلاصة اجتهادات الأقدمين والمحدثين عن ماهية الشعر، وصولا إلى الاجتهاد الشخصي في رسم ملامح خريطة قصيدة النثر العربية.
يحمل الكتاب عنوانا فرعياً هو «بحثا عن شكل لقصيدة النثر العربية»، ويسلم الصالحي بأن هناك خلطاً وضبابية في المصطلح الذي ربما ينطوي على كثير من التناقض، بسبب عدم تدقيق المفهوم الذي لم يصبح بعد «مصطلحاً» يدل على نفسه، ويحظى بالاتفاق العام، ويعترف بأن من يتناول قصيدة النثر في الشعر العربي الحديث سيجد من أولى أولوياته توضيح هذا المصطلح توضيحا شافياً حتى يتسنى له فرز المتن الذي سيتعامل معه، ويسهم في إزالة هذه «الضبابية المفاهيمية» التي واكبت قصيدة النثر العربية، وما سبقها من اجتهادات وتغيرات لم تشهدها طوال تاريخها الطويل.
ويشير الصالحي إلى أن قصيدة (التفعيلة) لم تكن تبشر بإيقاعها الجديد الذي سيحرر، في نظر أصحابها، الشعر العربي من رتابة الوزن والقافية، حتى ظهرت قصيدة النثر، أو القصيدة التي تدعي كونها نثرية، لترى في التفعيلة مجرد تكرار لقوانين العروض وخروجا محتشما عن سياج الخليل، وكان ظهور قصيدة النثر، «بشكلها الصارخ والهجومي اختزالاً لصراع الأصالة والمعاصرة، فاحتد النقاش حولها واتخذ أبعادا» لم يثرها أي نقاش شعري عربي مـن ذي قبل.
ويؤكد أن القيم العربــــية العامة لم تتغـــير جذرياً حتى تتغير الأشكال الأدبية والبنى الذهنية جذريا، حيث يرى محمد الصالحي أن المجتمع العربي لا يزال يراوح مكانه اجتماعياً وثقافياً، ولم يزده الاستعمار الغربي والصدمة الحضارية الناتجة عنه إلا نكوصاً وارتداداً إلى ذاته وماضيه»، حيث رأى النقد العربي في قصـــيدة النثر عصياناً وشكلاً غريباً دخيلاً، في حين رحب بقدوم الرواية والقصـــة القصـــيرة، وهما شكلان غربيان، ورأى في موت المقــامة حدثا طبيعيا، كما لم ينتبه إلى كون الشعر التفعيلي ذاته فكرة غربية رغم قيامه على التفعيلة الخليلية.
ويسرد الصالحي أن من بين ألوان الحيرة التي تسببت فيها قصيدة النثر أنها تجمع ازدواجية الانتماء للشعر والنثر معاً، ويرى المؤلف أن الأشكال (اللاشكلية) التي تتخذها هذه القصيدة والموضوعات التي لم تخطر ببال أحد يوماً، أنها ستصبح موضوعات شعرية، وشخصية شاعرها القريبة من شخصية الصعلوك، ولغتها التي تخلت عن كل وقار، وتنصل شاعرها من كل مسؤولية سياسية أو قومية مباشرة ساعياً إلى تغيير الحياة بدل تغيير العالم، مقترباً من رامبو ومعرضاً عن ماركس، حيث أصبح الشاعر الحداثي يمارس نشاطه بغض النظر عـــن الشروط العامة التي تضمن لرسالته سلامة الوصول والفهم، إذ أعاد الشاعر النظر في مفهـــوم الشـــعر وفي وظيفتــــه، ومنح نفسه وضعا اعتبارياً غريــــباً، وصدم المتلقـــــي، وكل ذلك سهل عملية الهجوم على قصـــيدة النثر والمنـــاداة بوأدهــــا وهي بعـــد في المهد، ودفــــع النقاد الأكثر اعتدالا إلى تقديم النصيحة لأصحابها بالبحث عن الشعر في مظانه لأنهم أخطأوا الطريق.
يذكر ان الكاتب محمد الصالحي ولد عام 1963 في المغرب، ومن مؤلفاته «قنديل أم هاشم: قراءة وتحليل» (1995)، و«الوخز بالعبر: في صروف الشعر، في أهواله» (2016) ومجموعات شعرية منها «أحفر بئرا في سمائي» (1999)، و«أتعثر بالذهب» (2004).