يوما عن يوم يتضح للجميع أن كلفة التحكم كلفة ثقيلة وخسائره على الدولة والمجتمع خسائر فادحة.
في لحظات تاريخية معروفة لجأ التحكم إلى التلاعب بالإرادة الشعبية للناخبين عبر ضرب أحزاب الحركة الوطنية وصناعة أحزاب سياسية إدارية تم تمكينها من مقاعد انتخابية دون عمق اجتماعي أو رصيد سياسي.. وكانت النتيجة هي ضرب الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة ونشر ثقافة الإحباط واليأس والعزوف عن المشاركة الانتخابية لدى المواطن، ودخول البلاد في منطق التنازع والصراع على السلطة، وهو ما فوت على المغرب فرصا حقيقية للإقلاع الاقتصادي والنهوض التنموي..أربعة عقود من الصراع كانت كلفتها ثقيلة من الناحية السياسية والاقتصادية وتضررت فيها سمعة المغرب على مستوى حقوق الإنسان ولازالت الدولة والمجتمع يؤديان فاتورة هذه المرحلة إلى اليوم.
استراتيجية التحكم لم تتغير..بالأمس القريب تمت صناعة حزب الأصالة والمعاصرة، وبعد بضعة شهور من تأسيسه حصل على الرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية لسنة 2009، وكان هذا الانحراف من أسباب اندلاع احتجاجات 20 شباط/فبراير، التي كشفت عن كره شديد للمسار التحكمي لهذا الحزب الإداري…
رموز التحكم في تلك المرحلة وقفوا عاجزين أمام الاحتلالات غير المشروعة للفضاءات العامة ولمؤسسات الدولة وللإضرابات «العشوائية» في المصالح العمومية وفي القطاع الخاص، وفضلوا الفرار إلى الخارج وابتعدوا عن المشهد بصفة نهائية..
بعد خمس سنوات، جرت مياه كثيرة تفاعلت فيها حكمة الملك محمد السادس مع العرض السياسي الذي قدمته الأحزاب الحقيقية، وهي أن الإصلاح ممكن في ظل المؤسسات القائمة، ونجحت الحكومة الجديدة في استرجاع السير الطبيعي للمرافق العمومية، بالموازاة مع تطبيق مبدأ الأجر مقابل العمل، والحد التدريجي من احتلال الفضاءات العمومية بشكل غير مشروع..
اليوم، ونحن على أبواب انتخابات تشريعية مفصلية يستشعر الجميع المخاطر المحدقة بالدولة والمجتمع وهو يلاحظ المناورات الجارية لتمكين حزب التحكم من الأعيان المتحكم فيهم وتجار الانتخابات في أفق رسم الخريطة الانتخابية القادمة بالاعتماد على سلطة المال والجاه والمكانة الاجتماعية…
اليوم، مع تنامي دور وسائل التواصل الاجتماعي تبدو كلفة التحكم أثقل مما كانت في المرحلة السابقة، ذلك أن المفارقة الموجودة بين حقيقة هذا الحزب على أرض الواقع وبين قوته الانتخابية المزعومة تثير الكثير من التساؤلات حول السر وراء قوته المزعومة!!
هذه الأسئلة ليست نابعة من فراغ، ذلك أن دهاقنة حزب التحكم يروّجون في الصالونات السياسية بأن حزبهم مدعوم من طرف الدولة وأن ما يقومون به من تحكم يندرج في إطار سياسة متبناة من الأعلى لتحقيق التوازن مع حزب العدالة والتنمية، بعدما فشلت فيه أحزاب أخرى…!!
هذه الادعاءات الخطيرة تندرج في سياق المناورات التحكمية التي تمثل خطرا على الدولة وعلى المؤسسة الملكية، التي تعتبر بأن الخيار الديمقراطي هو اختيار لارجعة فيه، واختارت أن تقوم بأدوارها الاستراتيجية الكبرى، مع أخذ مسافة واحدة من جميع الأحزاب السياسية والتعامل معها على قدم المساواة..
إن نضج التجربة المغربية هو محصلة الكثير من المحددات الموضوعية من أبرزها: طبيعة النظام الملكي الذي يعتبر محل إجماع من طرف القوى السياسية المشاركة، وطبيعة الأدوار الاستراتيجية التي يقوم بها الملك في المغرب من قبيل دور التحكيم في القضايا الخلافية الكبرى بالإضافة إلى قيادة الجيش وإبعاده عن الشأن السياسي، دون أن ننسى الدور الهام الذي يحتله الملك في رعايته للشأن الديني باعتباره أميرا للمؤمنين..
كاتب هذه السطور يدرك جيدا الفرق بين الوهم والحقيقة، ويدرك جيدا الفرق بين من يدعي امتلاك القوة ليبيع الوهم للمغاربة، وبين الحجم الحقيقي لحزب الأصالة والمعاصرة في الميدان، هذا الحزب الذي يحاول اليوم الاستقواء بالمؤسسة الملكية بطريقة مكشوفة، ولذلك نقول بأن التحكم شر مطلق وهو يهدد هيبة الدولة من جهة وحرية المجتمع من جهة أخرى ومسؤولية الجميع اليوم مسؤولية تاريخية.
٭ كاتب مغربي
د. عبد العلي حامي الدين