التلقي كعين ثالثة في الشعر والتشكيل

سيظل الكائن دائما بحاجة إلى الرؤية التي تسوِّغ له إمكانية الاندماج في حركية المعيش، وفي إمكانية التفاعل مع التفاصيل المستوطنة لحقول المرئي. وإذا كانت الرؤية تتميز عموما بمنطقها الوظيفي الذي يسمح للجسد بالتأكد من وجهة مساره، ومن طبيعة مؤثثاته، تلافيا لأي ارتطام محتمل، فإن ذلك لن يصرفنا عن الاهتمام بامتداداتها المندرجة في صلب اختياراتنا الكبرى، التي يحتاج تمثلها إلى ضرورة تملك قدرة استثنائية على رفع الحجاب.
إن مرئيا لا يحظى بشرف أن يكون مدونا، مرسوما، ومتخيلا، وأيضا محلوما به، أي مرئيا بعين التخيل والحلم، هو مرئي جاهز للدفن. يحدث ذلك حينما يفقد النظر حيويته الرمزية بفعل حدوث خلل عضوي، فتضيق مساحة الرؤية، وتنسحب الصور المعنية بالمشاهدة، من داخل الإطار كما من محيطه الخارجي، بموازاة انتشار تلك الغيمة الرمادية على المشهد، حيث لا يظل ثمة شيء قابل للرؤية، سوى ذلك البصيص المنتظر، الذي يمكن أن يَعِد العين باحتمال ظهور مرئي ما. هنا تحديدا، تتوهج عين الشاعر التي تنأى بنظرتها عن المشهد المشترك، كي تتجه صوب الزاوية المنسية والمهملة من قبل ضوء الرؤية. إنها ترد الاعتبار، للهامشي، للثانوي، ولكل ما هو غفل وشارد ووضيع، تجرجره من عمق العتمة، كي تمنحه حق الحضور الكبير والعالي، تحت شمس الرؤية، التي هي شمس الكتابة والتشكيل. هاته العين تحديدا، تكون مندمجة في تمارينها القاسية التي وجدت من أجلها، من أجل أن تمضي بك إلى عمق شهواتك، ومكابداتك، حيث تتعالى تلك الأصوات الخفيضة، الوثيقة الصلة بأبعاد اللامرئي وأسراره. الشعراء الأساسيون يعرفون ذلك، ومعهم النحاتون والتشكيليون الاستثنائيون. يعرفون أن رهان العين المبدعة، هو الاختلاء بمرئياتها، حيث لا أحد هناك، لأن ذلك هو ما يضفي على غنائمها المنجزة إبداعيا فتنة الفرادة، أي إثارة انتباه الآخر إلى وجود ما لم يكن يفكر أبدا في رؤيته. فداخل فضاء اللافضاء، وداخل هذا النزوع القاسي، رأيت النص لا يكتفي بزوبعة تشكله الداخلي، أو بتحويل مجرى الكلمات وألوان إيقاعاتها، بل أكثر من ذلك، يتسرب إلى مسكن الأيقونة، لينصهر بعنف في تقاسيمها المرئية واللامرئية. لقد تخلص مؤقتا من قدر الصوت/اللغة، ليجرب الإقامة في مسكن الصمت/الشكل. هكذا أصبح التلقي عينا ثالثة، بعد أن كان مجرد لسان، أو بالأحرى قراءة ترى، ورؤية تقرأ. وللجهات أن تنفتح على أضدادها.
لم تجرب القصيدة لعبتها في الهنا والآن فقط، ولكن حاولتها لقرون خلت، حينما كانت تتسلل من رحم الصحراء، أو من رحم المغارة. من رحم البحر أو من رحم أنثى، لها أن تتقمص شكل آنية إغريقية، أو قناع أفريقي، رقصة بيسون، أو ارتعاشات لونية تشتعل على حافة قماش زيتي.
أي لعبة هي ولماذا؟
هل هي شكل من أشكال تحفيز النص، كي يمارس طقوس حريته بعيدا عن ديكتاتورية رقابة، حريصة على رصد تحولاته، داخل مسكن معد سلفا لنموذج جاهز من نماذج الإقامة؟
هل هي تجربة محو الحدود بين المكتوب المقروء، وبين البصري المجرد، من أجل وصل القصيدة بجذور شجرة نسبها، الضاربة في عمق متخيل مشترك، يتقاطع فيه ضوء الأيقونة بلهيب الحرف؟
هل هي تجربة البحث عن مساحة إضافية، لقراءة مغايرة تهتم بالتشكيل الخارجي للنص، قدر اهتمامها بتشكله الداخلي، من منطلق النظر إلى العالم أولا، ثم الإنصات إليه ثانيا؟ أم هي مجرد محطة استراحة تتأمل فيها القصيدة خطاها، قبل مواصلتها السير باتجاه أفق انتظارها الغامض؟
عموما هناك حالة من اللاتوازن المبيت، الذي تميل إلى إنتاجه علاقة الشعر بالتشكيل. لا توازنٌ مقصود، يؤدي إلى إطلاق حركة تأرجحٍ مخدِّرٍ بين الإيقاعين. تأرجح، قوامه الحيرة بالنسبة للبعض، أو محاولة استجلاء دلالة هذه العلاقة بالنسبة للبعض الآخر. وهو أمر يفضي بنا إلى القول بحدوث تلق مغاير للقصيدة في ذاتها، أو للوحة في ذاتها. إنه تلق مزدوج ومسكون بتضاد يسعى بصيغة أو بأخرى، إلى تجاوز هذه الازدواجية، أو هذا التضاد، من أجل بلوغ استحالة ممكنة هي التلقي الجامع.
في هذا السياق تحديدا، تحضر حركية المتخيل التشكيلي، التي تتميز بعملية اختراقها الفضاء المرئي، باعتمادها إواليات اللامرئي، الشبيهة بتلك الإيقاعات الباطنية المتطلعة إلى تحقيق تمركزها في بؤرة فراغ، تتخلص فيها الأشياء أو تكاد، من أوزانها وأحجامها، باعتبارها المكان الذي يقع خارج التواصلات، ذات المرجعية المعتمدة عادة في ترويض وتدجين أشياء الكون. الإيقاع ذاته، يمكن تشبيهه بمحاولة اجتياز عتبة غائمة، لا تفضي إلى جغرافية قارة، ومطمئنة إلى مناعة حدودها، بقدر ما هي جغرافية ملتبسة، ومنفلتة، متماهية تماما مع جغرافية المتاهة. وهذه العتبة بقدر ما هي مغرية بالعبور، على ضوء استشرافها فرحةَ السفر إلى المجهول، بقدر ما هي مريبة، لكونها مسكونة بهاجس خلخلة الحدود الآمنة، والتشويش على جماليتها المألوفة. وهو ما يعرض المرئي لحالة انخطاف قد تكون سببا في احتمال ضياعه، داخل مدار اللاعودة.
الشيء نفسه بالنسبة لتشكيل المتخيل، ذلك الكائن الأسطوري الذي لا تتحقق استمراريته إلا بقوة تحولاته المجهضة، تماما كأي كون لا يكاشفك بهويته إلا في صيرورة تلك اللعبة السحرية والغامضة، والمجسدة ضمن تبادل تناسخٍ قائم بين المرئي واللامرئي. كما أنه لا يكتفي فقط بتحقيق تناميه بفضل هذه القوة، بل إنه إلى جانب ذلك، يأخذ شكل فراغ يتلذذ بتجلياته العابرة لأدق المسالك المنسية في مهاوي الذاكرة. مسالك تتتالى عليها آثار خطى قبائل اللغات والإشارات، الحلم واليقظة، الظلمة والضوء، الكتابة والمحو، وكل تلك الصخور الرمزية التي تبادلت رفعها أجسادنا المتعبة، من أجل وضعها على قمة متناهيات الرغبة والألم، وتحضرني هنا تلك الكائنات السديمية، التي يتقمصها كل من الحرف والخط، وقد نُذرت للتفاعل مع حُمَّى اليد الكاتبة، المتفرعة عن جسدنا الآخر، لتقول هي أيضا، ما يحاول قوله التشكل الداخلي لنص الكون. قول، يحاول أن ينسينا ما شكلته أشياء العالم، ليذكرنا بما تحاول دائما أن تنسينا إياه. كائنات هي أيضا منشغلة باستحضار ذلك، المحتجب في منعطف ما، الذي يحدث أحيانا أن يعلن عن نفسه، تحت شمسه الخاصة التي لا تشرق إلا بمشيئته.
كائنات تنتمي إلى شجرة نسب مشترك، هي شجرة الحدس بعمق هذا العالم المحتجب الذي تنهض به وفيه حكمة المضايفة والتماهي، حيث تتحول القصيدة إلى لوحة، واللوحة إلى معزوفة، وحيث يتجاوز فعل تبادل الأسماء والصفات حدود الاصطلاح الاستعاري، ليستقر في عمق الكينونة المشتركة، مشيرا إلى إمكانية السير المتعدد، على أكثر من صراط، وفي أكثر من وجهة أملا في إدراك أرض السؤال، التي هي بامتياز أرض الدهشة البكر.
إن فتنة اكتشاف الباحاتِ الضالة، والتفاصيل المتأبية، هي القاسم المشترك بين هذه الكائنات، مجسدة في عشق تبادل السؤال والتنقيب، البحث وتبادل النداء، ثم ما من هوية إلا وتحُثُّ الخطى نحو مضاعفها.جمع في نقطة، وليس لمطلق المتخيل، سوى أن يتمظهر في انصهار الهويات وتجدد تشكلها.
يقول الشكل: لا أمتلك سوى فنائي. ما من إقامة ثابتة لي أو مسكن معلوم. ديمومة تحولي هي التي تجنح بي إلى رحيل، لا يتوانى عن إحراق ما يعبره من فضاءات، بحثا عن رماد منسي، قد يكون وحده المؤهل لهندسة مالا ينتهي من حروف وتخطيطات. فتنة هذا الترحال المؤرق، هي التي توتر وتعرقل آلية التلقي لدى كل قراءة ملِحَّة على سجن ضوء الخلق، داخل رقعة محروسة المداخل، كلما فوجئت بهذا الاحتجاب.
لذلك، فإن التشكيل النصي لا يمكن أن يكون سوى هذا الانصراف الكلي، ولو إلى الجحيم. انصراف اللغة عن لغتها، الدلالة عن دلالتها، الإشارة عن مساراتها.
فاصلة
كانت كلما عبرت بوابة، إلا ألقت للوحوش الرابضة على العتبات أحد أعضائها، حينما أدركت البوابة السابعة التي لا يحرسها أحد، لم يكن قد بقي منها سوى تاجها. دنوت منها حملتها بين يدي، مددتها على المسلخ المنصوب في ظلمة الردهة. ضمختها بماء الورد وروح المسك ثم تمددت قربها، أنا كذلك اجتزت ست بوابات محروسة، لكن….من سرق تاجينا؟

٭ شاعر وكاتب من المغرب

التلقي كعين ثالثة في الشعر والتشكيل

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية