مرت سنة على توقيع الاتفاق النووي مع إيران. وسيكون من المبالغ فيه القول إن الزمن يمر بسرعة في وقت المسرّات. ولكن يمكن القول إنه في إسرائيل على الأقل، لم يعد الموضوع النووي الإيراني موجودا على برنامج العمل اليومي. وهكذا هي الحال في اغلبية دول العالم. في المقابل، في إيران هذا عيد حزين بدون حلوى وبدون كعكة وبدون أكياس المفاجآت.
أظهر استطلاع للرأي العام أجري في إيران في حزيران وتم نشره هذا الاسبوع، أن 62 في المئة فقط من المستطلعين ما زالوا يؤيدون الاتفاق النووي، مقابل 75 في المئة كانوا مؤيدين له في آب الماضي، أي بعد التوقيع عليه بشهر. معطيات اخرى هامة تشير إلى أن 5 في المئة يعتقدون أن القوى العظمى الغربية قدمت تنازلات جوهرية لإيران، مقابل 22.6 في المئة اعتقدوا في السنة الماضية أن الغرب قد تنازل، و74 في المئة قالوا إن الوضع الاقتصادي لم يتحسن ونسبة ضئيلة جدا قالت إنه سيتحسن وأن الولايات المتحدة ستفي بالتزاماتها حسب الاتفاق. ولكن الامر المقلق بالفعل هو نسبة من يؤيدون الرئيس حسن روحاني، 38 في المئة عبروا عن موقف «ايجابي» جدا تجاه الرئيس مقابل 61 في المئة في شهر آب/أغسطس من السنة الماضية.
السبب الرئيس لتراجع التأييد يعود لتراجع الوضع الاقتصادي وليس بسبب التنازلات التي تم تقديمها من اجل التوصل إلى الاتفاق. فنسبة البطالة لم تنخفض، وهي تبلغ 11 في المئة. الامر الذي يعني أن هناك 2.5 مليون عاطل عن العمل. ولكن حسب التقديرات في إيران فإن عدد العاطلين هو أكبر من ذلك ويصل إلى 3.5 مليون شخص، لأن عددا كبيرا من السكان يئسوا من التسجيل في مكاتب العمل وهم غير مشمولين في الاحصائيات الرسمية. النمو التقديري هذا العام كان 1.5 ـ 3 في المئة، وهذه نسبة أقل بكثير من توقعات الرئيس روحاني والتي كانت 5 في المئة. وقد وعد ايضا بزيادة مئات آلاف اماكن العمل الجديدة من اجل خريجي الجامعات. وهذا في أعقاب استثمارات جديدة في الدولة.
صحيح أن إيران قد وقعت على اتفاقات كبيرة للتطوير، لكن المستثمرين ما زالوا مترددين. فالعقوبات الأمريكية التي لم يتم رفعها بعد، تمنع اجراء الصفقات بالدولارات، وهذا جزء من العقوبات التي فرضت على إيران بسبب ما يسمى تأييدها للإرهاب والاستثمار في تطوير السلاح البالستي. صحيح أنه لا توجد علاقة لهذين البندين بالتوقيع على الاتفاق. ولكن طالما أن المستثمر الاجنبي لا يستطيع الاستثمار بالدولار فإن هذا الامتناع يعتبر في إيران عقابا ينبع من عدم الوفاء بالالتزامات الأمريكية حسب الاتفاق.
من هنا ايضا التحذيرات التي يقوم بإسماعها المسؤولون في إيران ومنهم الرئيس حسن روحاني، والتي تقول إنه إذا لم تفي الولايات المتحدة بالتزاماتها فان إيران ايضا لن تفي بالتزاماتها حسب الاتفاق.
عام الانتخابات
صحيح أن حسن روحاني هو آخر شخص يريد افشال الاتفاق، تماما مثلما الرئيس الأمريكي براك اوباما يبذل جهدا كبيرا لمنع تشريعات قد تضر بالاتفاق. لكنهما يضطران إلى المناورة بين قوى سياسية قوية في الوقت الذي تستعد فيه الدولتان للانتخابات الرئاسية. وقد حذر عضو مجلس الشورى، هاشمي رفسنجاني هذا الاسبوع قائلا: «توجد في إيران جماعات تتنافس فيما بينها على وصف الاتفاق كفشل. وهذه الجماعات لا تفهم أن فشل الاتفاق سيُضعف إيران. وأنها بهذا تضحي بالمصالح القومية من اجل الحصول على المكاسب السياسية الحزبية». وقد وقع 75 سياسيا وعسكريا رفيعي المستوى، في الطرف الأمريكي، على رسالة تم ارسالها إلى اوباما يوصون فيها بـ «تطوير سياسة تسمح بتوسيع التعاون مع إيران وتضائل الصراعات». وقد تم ايضا اقتراح انشاء قناة دبلوماسية مع إيران على مستوى نواب وزراء الخارجية.
لكن الاتفاق النووي في الولايات المتحدة، رغم كونه حقيقة قائمة، ما زال يشكل ورقة لعب سياسية آخذة في التناقص. في المقابل، يتوقع أن يكون الاتفاق في إيران في مركز الانتخابات للرئاسة. وقد استطاع روحاني إلى الآن تسجيل انتصارين هامين بفضل هذا الاتفاق، خلال عمليتين انتخابيتين للبرلمان ولمجلس الشورى، حيث حصل الاصلاحيون على انجازات ملفتة وعززوا قوتهم في هذين الجهازين. وهذه ليست انتصارات بسيطة، حيث إن البرلمان هو الجهة التي سيُطلب منها المصادقة على الخطة الاصلاحية الاقتصادية التي سيقوم روحاني بتقديمها. وبهذا يكون البرلمان هو الذي سيقرر ما إذا كان روحاني سيقوم بترجمة الاتفاق النووي إلى ثورة اقتصادية تثبت للجمهور أن له ثمارا حقيقية. قوة الاصلاحيين في مجلس الشورى ستخضع لاختبار حقيقي فقط عندما يذهب خامنئي. ولكن منذ الآن واضح أن الصراع على الإرث لا يضمن انتصار الراديكاليين. المنافسة الآن ضد الوقت لأنه بقيت سنة على الانتخابات. وكل تأخير في تطبيق الاصلاحات الاقتصادية سيكون حاسما ويضر بفرص روحاني للانتصار.
فساد النخبة
في الشهر الماضي انفجرت في وجه روحاني قضية الفساد التي تم الكشف فيها عن الرواتب الكبيرة التي يحصل عليها موظفون رفيعو المستوى في البنوك وفي مؤسسات الدولة. حيث تبين أن الراتب الشهري لمدير صندوق التطوير القومي يصل إلى 18 ألف دولار، ورواتب مدراء البنوك أعلى من ذلك. روحاني سارع إلى اقالة عدد من مدراء البنوك، لكن وصمة الفساد أصابت الرئيس الذي وعد منذ انتخابه بتطهير الفساد الاداري. صحيح أن روحاني يمكنه الكشف عن عمق فساد حرس الثورة، والتهريب الذي يمول نشاط المنظمة والتدخل الشخصي للمسؤولين في خزينة الدولة، لكنه يكتفي في الوقت الحالي بالمطالبة بالشفافية. فهو لم يصل بعد إلى مستوى الانتقادات التي وجهها احمدي نجاد لحرس الثورة. حيث قام بتسميتهم «اخواننا المهربون».
في المقابل، جيب روحاني الاقتصادية غير فارغة. فقد عادت إيران لتبيع 2.5 مليون برميل نفط يوميا، أي أقل بمليون برميل من الفترة التي سبقت العقوبات. وهي تقول إنها أعادت لنفسها 80 في المئة من الاسواق التي كانت لها وهي تقوم باصلاح اسطول طائرات الركاب. السياحة ايضا في تحسن، لكن روحاني تعرض لضربة عندما صادق مجلس الكونغرس الأمريكي على اقتراح قانون يهدف إلى منع بيع 80 طائرة بوينغ وتأجير 20 طائرة اخرى في صفقة تبلغ قيمتها 25 مليار دولار كان يفترض أن تفتح قناة اقتصادية هامة بين إيران والولايات المتحدة. هذا التشريع لا يشكل بعد قرار اعدام للصفقة. وقد يستخدم الرئيس الفيتو. لكنه يشير إلى الثقل الكبير على نوايا روحاني في احداث الانطلاقة الاقتصادية.
المفارقة الأمريكية
هنا نجد تعبير المفارقة التي تميز السياسة الأمريكية. خلال سنوات سعت الادارة إلى التأثير على طابع النظام في إيران وتشجيع الاصلاحيين وتأييد الرؤساء المعتدلين. الاتفاق النووي هو رافعة استثنائية في أهميته، ليس فقط لكبح المشروع النووي الإيراني، بل ايضا لتعزيز الاصلاحيين والرئيس روحاني. وعندما تتوفر فرصة مساعدة النظام الإيراني الذي يحاول كبح القوى الراديكالية، يأتي الكونغرس ليضع حاجزا بسبب الخلافات السياسية الداخلية، وليس للاعتبارات الاستراتيجية.
تستمر إيران في تنفيذ شروط الاتفاق. وحسب التقرير الاخير لوكالة الطاقة الدولية التي تراقب تطبيق الشروط، لم يسجل أي تجاوز أو اخلال من قبل إيران. والمشكلات هي من ناحية وكالة الطاقة التي تواجه صعوبات في الميزانية من اجل الرقابة، حيث تبلغ تكلفتها 10 ملايين دولار سنويا. وهي بحاجة إلى 80 خبير منهم 45 للموضوع الإيراني. وهي تعاني من نقص في 20 مراقب في ارجاء العالم. وقد استدعت مؤخرا متقاعدين للرقابة وهي تحاول إعداد مراقبين لإكمال النقص. وليس واضحا ما إذا كانت الدول الموقعة على الاتفاق ستوافق على تمويل الرقابة التي ستبلغ في السنوات العشرة القادمة 100 مليون دولار. ولكن هذه قصة اخرى سيتم فحصها من جديد كل سنة.
هآرتس 15/7/2016