وتبقى إشكالية «القبطية»، وهي تسمية يلفها الغموض.. فلا هي دين.. ولا هي عرق أو طائفة.. أو جالية.. أو أي شيء من هذا القبيل.. وقد بدأ تعميمها واطلاقها على المصريين جميعا – مسلمين ومسيحيين – وفُسر ذلك بأن «قبطي» تعني مصري.. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يُسمى الشيء باسمه الصحيح؛ فمصري تعني مصري.. ما الداعي لاستعارة تعبير يوناني الأصل بديلا للاسم التاريخي القديم، السابق على اليهودية والمسيحية والإسلام؟..واسم مصر وارد في العهدين القديم والجديد للكتاب المقدس وفي القرآن الكريم. وتسمية «الأقباط المسلمين» لا تعدو تماحيك انعزالية هدفها تشويه الشخصية الوطنية وطمس الهوية القومية.. ولنضع القبطية على جنب فالحديث عنها يطول، ولنتناول تاريخ وسيرة المسيحيين العرب. وأتصور أنهم معنيون بما نطرح عن المشروع البديل؛ المؤهل للتصدي للمشروع الصهيوني، الذي يحمل اسم الشرق الأوسط الكبير أو الجديد.
وحق المسيحيين العرب ومسيحيي الشرق علينا أن نقدمهم بما يليق بهم كشركاء وبناة للحضارة العربية الإسلامية وازدهارها.. وبما يتناسب مع صمودهم وعدم سقوطهم في جب الانعزالية والطائفية، ورفض الاندفاع في حملات الكراهية ضد العرب والعروبة، وضد قيم الرسالات السماوية والوضعية النبيلة.. وقليلون في مصر هم من يتطرقون إلى التعرف عليهم، وذلك من الأمور المسكوت عنها؛ من قبل الطبقة السياسية والمالية والأمنية والإعلامية القابضة بإحكام على سلطات الدولة ومؤسسات المجتمع.
ولنبدأ بالقول أننا جميعا نعيش في منطقة كانت مهد الرسالات والرسل والأنبياء منذ آدم. والدين المسيحي ضمن تسلسل الأديان يأتي في الترتيب السابق على الدين الإسلامي واللاحق لليهودية.. والمسيحية بنت المنطقة العربية وهي «بضاعتها التي يجب أن ترد إليها».. وهي بالمعايير الانثربولوجية دين عربي مشرقي وإن تغَرَّب؛ أي أضحى غربيا.. ولو لم تكن اليهودية «قَبَلِية»؛ حصرت نفسها في سلالة اسحق (بني إسرائيل) لنالت نفس الاهتمام..
والمسيح عليه السلام ولد في بيت لحم الفلسطينية، وانطلقت دعوته من فلسطين صوب المشرق والجزيرة العربية.. وامتدت إلى الغرب، وأضحت الدين الرسمي للدولة البيزنطية، وكباقي الديانات انشقت على نفسها، وشهدت الفترة ما بين 325م ـ 451م انقسام الكنيسة الأولى، وقيل أن أصابع يهودية لعبت دورا في ذلك، بجانب صراعات السياسة وأطماع القبائل وخلافات رجال الدين.
ويذكر المحامي والمفكر السوري إدوار حَشّوة في محاضرته عن «دور المسيحية المشرقية في حضارة العرب»؛كانون الاول/ ديسمبر 2013؛ أن انتشار المسيحية بدأ في الشام في القرن الثاني الميلادي؛ في حمص وتدمر وقارة وحوران والبتراء ولبنان.. وقامت فيها إمارات تتحدث باللسانين العربي والآرامي (لغة السيد المسيح)، وجاء غساسنة اليمن «العرب العاربة» إلى الشام في القرن الثالث، وسكنوا حوران ومنها توزعوا في أنحائه. ويذكر «حَشوة» أن المسيحيين أقاموا دولة على النسق السوري الحضاري، واختاروا «جابية الجولان» عاصمة لها، ثم انتقلوا إلى بُصْرَى الشام. واعترف البيزنطيون بدولتهم، وجعلوا منها حائط صد لإغارات البدو وهجمات عرب فارس.
والوجود المسيحي فيما بين النهرين زاد عقب انهيار سد مأرب، ونزحت قبائل من قضاعة والأُزد إلى هناك، وكونوا حلفا اتخذ من الحيرة (ومعناها المكان الحصين) مركزا. وحازوا تأييد الفرس ودعمهم في التصدي لهجمات البدو وإغارات الغساسنة، الذين عرفوا بـ «عرب بيزنطة». وتأخر دخول المسيحية إلى الجزيرة العربية يعود إلى الانقسامات وتباين الفرق المسيحية وتعددها، وإلى غموض «التثليث» بين قوم اعتادوا صيغة الإله الواحد، وبين مجتمع تأثر برسالة نبي الله إبراهيم.
واحتكت الجزيرة العربية وتعرفت على مختلف الأديان والمعتقدات. وقيل أن تأثير المسيحية فيها كان الأقل، ويفسر مؤرخون ذلك بسبب الإخفاق في توحيد القبائل المتصارعة.. وقد عرف أهلها عبادة الشمس والقمر والكواكب والقوى الخفية، وعبدوا الأوثان في قلب مكة وحول الحجر الأسود. وفي الكعبة، التي بُنيت قرب بئر زمزم؛ منذ عام 1877 ق.م، وازدحمت بالآلهة؛ وأشهرها اللات، والعُزَّى، ومُناة، ووُد، وكان هُبَل أكبر الآلهة؛ أما اليهود فاستقروا بيثرب، واعتنقت قبائل عربية كثيرة المسيحية.. ومنها من اتخذ من مكة مركزا لنشاطه التجاري، واحتفظ للمكان والمقام باحترامه، وقيل عن عدي بن زيد الأعشى أنه كان يقسم بالصليب وبرب مكة معاً!
واقتصر الوجود المسيحي في مكة على الأفراد، ولم تكن له مؤسسات أو كنائس، وكانت لغته العربية أو خليط منها ومن الآرامية، وبينه أقباط وأحباش. وضم علية القوم، ومنهم ورقة بن نوفل عم السيدة خديجة زوجة النبي محمد (ص). ووصلت المسيحية البحرين وقطر وعُمان، واتبع أهلها المذهب النسطوري، وارتبطوا بكنائس ما بين النهرين، وكانت بها ست أبرشيات على الساحل الشرقي، وكان حاكم عُمان نصرانيا حين بلغته دعوة الدخول في الإسلام، وانتشرت المسيحية في جنوب شرقي الجزيرة العربية بين قبيلتي بني حنيفة وكندة في نجد، ومنهم خرج امرؤ القيس. وامتدت إلى ربيعة وغسان.
ونُقل عن اليعقوبي: إن تميم وربيعة تنصرتا، وكذلك تَغْلِب وطَيّ ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ ولخم. وينسب للجاحظ القول بأن النصرانية وجدت سبيلها إلى تغلب وشيبان وعبد القيس وقظاعة وسليح والعباد وتنوخ ولخم وعاملة وجزام وكندة. ودخل اليمن إليها عن طريق الأحباش.. وكانت لغة الصلاة سريانية. أما وصولها إلى نجران فكان عن طريق تجار فارس، وكان أتباعها أغنياء؛ على المذهب النسطوري؛ مدعومين من الدولة، ويدفعون الجزية للملك الحُميري. ولما قويت شوكتهم في نجران شن عليهم ذو نواس الحُميري حملة؛ راح ضحيتها عشرون ألفاً في معركة الأخدود عام 527م، وهي المعركة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم.
وساعد الفرس على انتشار المذهب النسطوري في اليمن، وكان أهله يتحدثون بالعربية، بينما يؤدون الصلاة بالسريانية. وكان من أشهر النساطرة اليمنيين «قِس بن ساعدة الأيادي» وقد شهد له النبي محمد (ص) بالفصاحة؛ حين استمع لخطبته في سوق عكاظ. وترددت على الألسنة عبارة: «قؤول مثلما قِس». ومن ثَم صارت مثلاً. وفي «تيماء» اعتنقت قبيلة طَيّ النصرانية، ومنها حاتم الطائي أكرم العرب. وفيها استقر الشاعر «السموأل».. وسارت طَيّ على الناموس اليهودي، واعتبرت المسيحية امتداداً لليهودية.
وعلى عكس ما عُرف عن منطقة يثرب وخيبر وفدك؛ بأنها شبه مستوطنة يهودية؛ كانت شؤونها الكنسية تخضع لإشراف مطران، وبها ثلاث كنائس. وفيها استقرت قبيلتا الأوس والخزرج وكانتا ممن تركوا اليمن بعد انهيار سد مأرب كذلك، ومن بين قبائل حاربت مع الرسول (ص) معاركه ضد المشركين. ونُقل عن الإمام علي (رض): «إن المسيحيين في الجزيرة العربية لا يعرفون من المسيحية شيئاً سوى أنها تسمح لهم بشرب الخمر». وقيل أنه قصد مسيحية الحجاز، التي وُصفت بالسطحية، وقد ساندت هي واليهودية المسلمين في معاركهم ضد الوثنية.
ومعنى ذلك أن الوجود المسيحي في قلب الجزيرة العربية والمشرق لم يكن طارئا، ولا وافدا تحت حراب الغزاة، ولا مفروضا بقوة ونفوذ المحتلين أو المستعمرين. ومع التغييرات التي صاحبت ظهور الإسلام وانتشاره أضحت «العروبة التاريخية» جامعة للمسيحية والإسلام؛ فالأصل واحد مع اختلاف العقيدة. وذلك التراث الغني يمكن أن يكون زادا يوحد الجهود الرامية للالتفاف حول مشروع بديل للمشروع الصهيوني، فمسيحية الشرق تؤكد دوما على هويتها العربية.. وإن لم يكن هذا، فأين تذهب تغلب وغسان وكلب وقضاعة وطي ولخم وجزام وكنانة وكندة وعاملة وسليح والعباد.. وغيرهم؟ وحتى السريان يُحسَبون عرباً، وليس كما يشاع أنهم عرق قديم. وعديد من قبائل العرب المسيحية التزمت بالمذاهب السريانية، وبينما كانت لغة الطقوس الكنسية سريانية، استمرت لغة الحياة والتخاطب عربية، وكان العرب السريان أكثر انتشاراً في الجزيرة العربية، وكلمة سرياني فيها كانت تعني مسيحي. ونواصل التعرف على دور المسيحيين العرب مع انتشار الإسلام.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب