العشريني براء السوسي … في غواية التاريخ وقطعه

حجم الخط
0

غزة – محمود أبو ندى: التاسعة والنصف صباحاً يتدافعُ طلاب المدرسة الإعدادية للخروج إلى فسحة الإفطار، في وقت يستعد فيه، براء للخروج برفقة زملائه. أخبره أحد رفاقه بأنّه يجمع القطع النقدية القديمة ويحاول الاحتفاظ بها، وقام بإهدائه واحدة. لم يعلم براء حينها بأنَّ هذه العملة ستكون نقطة الانطلاق في مشوار الـ 4000 ألف قطعة أثرية.
براء السوسي، شاب غزي في مُقتبل عمره. يُعد أحد أصغر هواة اقتناء القطع الأثرية في محيطه. يروي براء حكايته التي بدأت مُذ كان طالبًا في الإعدادية، فيحكي كيف أنَّ الشعلة تلك لم تخب في نفسه، إنما تحولت إلى هواية يمارسها بشغف.
يُخبر براء عن تعلقهِ وحبهِ الشديدين لهذه الهواية. مُدركًا بذلك بأنّها خطوةٌ مهمة، لها دورها في سردِ تفاصيلٍ من التاريخ والأزل، فهو وبتمسكهِ بهذه الهواية تمكن من جمع ما يزيد عن الأربعةِ آلافِ قطعةٍ أثرية، تعود بعضها إلى الحضاراتِ البيزنطية والرومانية واليونانية، ومنها ما يعودُ للفراعنة حتى، كما أنّه أيضًا عكف على جمعِ العُملات على اختلافِ مكان منشئها وأشكالها وأحجامها، جمعَ أيضًا أدواتٍ عديدةً تُمثلُ شعوبًا وحضارات، أواني زجاجيةَ وتماثيلَ من مختلفِ الثقافاتِ والحضارات، فهذه المُقتنيات وبالنسبة لبراء فهي تشكل إرثًا حقيقيًا يبلُغُ من العمر ما يُناهزُ المئة عام.
قد يَظُنها البعض هوايةً ثانويةً لا طائل منها أو نفع، ولكن وعلى العكس من ذلك؛ تعد هوايةُ اقتناءِ القطعِ الأثرية القديمة أحد أهم الوسائل التي تؤكد أحقية الشعوبِ بأرضها، والتي تُرسخُ مفهومَ أرضها في كُتبِ التاريخ، كما أنّها تُعتبرُ مؤشرًا حيويًا وصادقًا على وجودِ حضاراتٍ كانت في يومٍ ما أحد أشكال الوجود البشري.
بالنسبة إلى براء، البالغ من العمرِ عشرينَ عامًا، فهو يطمحُ الآن ويسعى لتطوير هوايته، والوصولِ بها إلى مراحل أبعدَ من ذلك، فهو الذي بدأ بجمع قطعٍ بسيطةٍ كان يحصُل عليها بشكل بسيط ثم طوابعَ بريديةٍ ،أصبحَ الآنَ يُنقبُ ويقومُ بشرائها، فهو على يقينٍ تام بما لهذهِ الآثار التي استهوته من أهميةٍ وفائدةٍ لا يُمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال تجاهُلها أو إسقاطُ دورِها؛ يقول براء في هذا الخِضم: « جمعت ما يقارب 4 آلاف طابع بريد، مما كان يستخدم في المراسلات والمعاملات الفلسطينية القديمة، بالإضافة لجمع القطع المعدنية الفلسطينية والفواتير الضريبية، وشهادات لمطاحن كبرى في حيفا ويافا».
يحلمُ براء السوسي بأن تكون له مملكته الخاصة، مُتحفهُ الخاص الذي سيقوم بجمعِ وعرضِ كل ما يملكُ من قطعٍ فيه، فتلكَ هي الوسيلةُ الأكثرُ قُدرة على ترسيخِ الماضي بأحداثه وتفاصيله في نفوسِنا وفي واقعِ حاضرنا وذاكرتنا، ويقول براء بأنّه مُهتم بذلك أيضًا لإثبات ما لفلسطين من دور لا يُمكن أن نغفل عنه في احتضان حضارات مرت على التاريخ.
يختم براء مُتحدثًا عن أبرز ما يواجه من عقبات في مسيرته التي بدأت كهواية، إذ أن أبرز الصعوبات هو توفير المبالغ الكافية لاقتناء وشراء القطع الأثرية التي تُمثل تكاليفَ لا يُستهان بها، وكغيرهِ من الهواةِ والموهوبين، لا يلقى براء اهتمامًا أو احتفاءً أو حتى تشجيعًا في مسيرته التي تعلّق بها وعزم على أن يكونَ رائدًا فيها.
لا يخفى على أحدنا أنّ الآثار تُعد أحد أهم العُرى الوثيقة والفريدة التي تربط وتؤصل الماضي بحاضرنا، حلقةُ وصلٍ زمنية لا يُمكن الاستغناءُ عنها، تُعيدنا قرونًا زمنية وحقبًا عديدةً إلى حضاراتٍ وشعوبٍ كانت مُقامةً يومًا ما في مكانٍ ما على سطح المعمورة، تُحْيِي قصصًا وتُقيمُ ثقافاتها وشخصياتها فوقَ خطنا الزمني المعاصر؛ مُذكرةً إيانا بأنّها الدليل المادي والمحسوس والذي لا يُمكن تهميشهُ أو اعتبارهُ ثانويًا.

العشريني براء السوسي … في غواية التاريخ وقطعه

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية