300 طفل ويافع يعيشون حياة السلام لساعات في حرش بيروت

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: عندما قدّم المنشط لحلقة من اليافعين جاؤوا من كل لبنان للدخول في منظومة اللاعنف على مدى يوم كامل، صورة تُظهر سبطانة المسدس الذي اغتيل به عضو فرقة البيتلز جون لينون معقودة، وسأل ماذا يشبه هذا المسدس الآن؟ رد يافع في عمر لا يزيد عن الـ12 سنة: الدبابة الإسرائيلية في مليتا. ابتسم المنشط وكرر الجملة المؤلفة من أربع كلمات أمام الجمع. جاء هذا في يوم حار بامتياز كسر فيه خواء حرش بيروت حوالي 300 من اليافعين تتراوح أعمارهم بين 10 و17 سنة، جاءوا من المخيمات الفلسطينية، ومن مختلف المناطق اللبنانية، ولاجئون من العراق وسوريا، ليعيشوا يوماً ودياً بعيداً عن مفردات العنف اللفظي والعنصرية التي تطالعهم خاصة في الإعلام. بعد منقوشة الزعتر والماء الكثير انتشروا بفرح للمباشرة بمهام مهد لها المنشطون. كل دائرة لها مهامها وهذا ما يفرضه عمر المنتمين للمجموعة. يدخل أحدهم الحلقة معلناً عن ذاته بحركة من جسده. يعيد الزملاء الترحيب بالحركة عينها والأسم طبعاً. ففي يوم اللاعنف التواصل هو الأساس. عندما نتواصل نلغي العنف. ويشدد المرشد على أن الجميع واحد ولا فرق بين البشر. معلناً انها أفكار جون لينون.
هو لقاء دعت إليه جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان، ولبى الدعوة لبنانيون ولاجئون من فلسطين، سوريا والعراق ومن كافة المناطق. كانت خلية نحل منظمة. في مكان مؤهل تماماً لاستقبال فعاليات مماثلة. في الظل صُفت طاولات عليها أقلام تلوين وأوراق. واعتلتها جميعها أقوال لغاندي وجون لينون. منها: إن كنت صادقاً قد لا تحصل على أصدقاء ولكنك ستحصل على صديق الحق: جون لينون. أرفض كل عقيدة دينية لا تكون متناغمة مع العقل وتكون معارضة للأخلاق: غاندي. قد تقول أني حالم إلا أني لست الوحيد، آمل أن تنضم إلينا يوماً وسيصبح العالم متحداً: جون لينون. رماني الناس بالحجارة فجمعتها وبنيت بيتاً: غاندي. وبعد حلقات التعارف تبادلت المجموعات حضورها على طاولات الرسم. هو غاندي يشغل الكثيرين من المشاركين، سمعوا عنه الكثير ولأجله رسموا، أو حاولوا رسم صورته، فيما اكتفى آخرون بخطوط مختلفة، ففي رأيهم اللون والرسم يساعدان في الراحة النفسية.
نشأت الكلية الجامعية للاعنف وحقوق الإنسان «اونور» في بيروت، وهي التي وجهت الدعوة لهذا اللقاء. منسقة النشاط هلا بوعلي تحدثت لـ «القدس العربي» عن الحوافز التي استدعت تأسيس تلك الجامعة بالقول: أنها جامعة لكافة الدول العربية، وتشكل حاجة فعلية للجميع، فالعنف بات مستشرياً في كل مكان. وانتهاكات حقوق الإنسان لا تُحصى في لبنان. فنحن ننتمي إلى بنية ثقافية عنصرية والعنف يمسك بنا بقوة. ولهذا تأسست الجامعة من قبل الدكتورين وليد صليبي وأوغاريت يونان، وهما مناضلان قديما العهد ومنذ سنة 1983 في لبنان. وفي حينها وجها الدعوة لإلغاء النظام الطائفي، لأنهما يدركان جيداً أنه المغذي للحروب الطائفية المستمرة في لبنان. وفي أوج الحرب الأهلية اخترقا معاً كافة الحواجز المسلحة للتبشير بثقافة اللاعنف واللاطائفية لأنهما الحل الأبدي لمشاكلنا.
في الحديث عن الممارسات العنصرية بحق مجمل اللاجئين في لبنان تقول هلا بوعلي «مجرد وجود نظام طائفي فهذا يعني أننا في مواجهة الآخر وحتى ضده، وبالتالي نسعى إلى إلغائه. لم يكن اللبناني وما يزال عاجزاً عن إدارة الاختلافات بينه وبين أخيه في المواطنة، ومع ذلك دخلت عناصر جديدة على هذه الاختلافات. بدأت مع اللجوء الفلسطيني. وبما أن اللبناني يرزح على الدوام في أزمات اقتصادية وسياسية، نرى العنصرية تظهر فجأة وبوضوح. وهذا ما حصل مع اللجوء العراقي وحالياً السوري. ولا ننسى أن أغلب ضحايا الحرب الأهلية سقطوا نتيجة الطائفية التي هي جزء من العنصرية».
لماذا الكتابات المناهضة للعنف والتي وزعت أمام المشاركين خاصة بغاندي وجون لينون فقط؟ في تفسير هلا بوعلي أن التاسع من تموز/يوليو هو تحضير للثاني من تشرين الأول/اكتوبر وهو اليوم العالمي للاعنف بقرار من الأمم المتحدة، وهو يوم ولادة غاندي. وتجربته اللاعنفية غنية عن التعريف. هي تجربة تغيب عن الضوء، فليس من صالح أي نظام سياسي أن يشجع حلّ النزاعات بعيداً عن العنف. لم يتجاهل غاندي ضرورة رفع الظلم، إنما ليس بإلغاء الظالم أو منتهك الحقوق. قدّم غاندي فلسفة اللاعنف ودعّمها بوسائل وتقنيات أثبتت نجاحها الفعلي. أما عضو فرقة البيتلز جون لينون فقد قتل لأنه يعتنق أفكارا ثورية في مواجهة العنف ولإحقاق الحق. المتضررون منه قتلوه بالمسدس، وبطلب من زوجته نفذ نحات سويدي منحوتة لمسدس عُقدت فوهته، هو الآن في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. كما تحولت هذه المنحوتة إلى رمز لمناهضة العنف في 30 دولة حول العالم. نحن في الدول العربية نحتاج لربط كافة وسائل القتل وتعطيلها عن العمل، وفي حاجة لرفع الصوت بالقول: كفى لا نريد قتلاً ولا موتاً ولا حروباً. جامعة أونور ستأتي بهذه المنحوتة للمسدس المعقودة فوهته إلى بيروت وسيكون معنا في الثاني من تشرين الأول/اكتوبر، وسينتصب في السوديكو حيث متحف ذاكرة الحرب الأهلية. نسأل هلا بوعلي أن كان قول غاندي «يرمون عليَ الحجارة فأجمعها وابني بيتا» ينطبق على من احتل فلسطين بالعنف المفرط والمجازر؟ تقول: اللاعنف لا يعني السلمية. الغاية الشريفة يجب أن تتشابه مع الوسائل لتحقيقها، فاللاعنف لا يسكت عن الحق، واستقلال الهند تجربة ناصعة. والعديد من الدول الأوروبية فعلت الأمر نفسه في مواجهة هتلر الفاشي. بالعودة للسؤال لا شك أن قول غاندي لا يتطابق مع الواقع الفلسطيني. وتمّ تصنيف ثورة الحجارة باللاعنفية قبل دخول عناصر أخرى عليها. فقد كان الهدف الأساسي للصهاينة جر الفلسطينيين نحو العنف المسلح، لتبرير استخدام عنفهم المطلق ضدهم. الموضوع الفلسطيني هو باب نقاش واسع جداً، وثمة دراسات تقول بإنجازات كبيرة حققها الفلسطينيون بعيداً عن السلاح.
مع المشاركين في يوم اللاعنف طُرحت أفكار ومواقف. فرنيم بارود «لبنانية» ترى في هذا النشاط ضرورة «لنظهر للعالم أجمع ومن خلال ألوان نستخدمها في رسوماتنا أننا ضد العنف. وكوني من الكشافة فلوني المفضل هو الأخضر، فيما يتوزع زملاء لنا على اللونين الأحمر والأصفر». تؤكد رنيم وجود العنف في المجتمع اللبناني وتلمسه: في تعامل الناس فيما بينهم. كذلك الحوار الذي يتناقله كثيرون عن كون اللاجئين السوريين مسؤولين عن الواقع العنيف في حياتنا الاجتماعية، وهذا ليس بواقعي وفيه عنصرية. نحن مواطنون نتشابه مع كافة اللاجئين الذين يعيشون على أرضنا في الظروف الاجتماعية والاقتصادية. وتقول مريام عارف (14 سنة) والتي وصلت إلى لبنان من العراق قبل سنتين: لا شك أن لبنان يحبني، ولو لم يكن كذلك لما استقبلني على أرضه. لم أذهب إلى المدرسة هنا، فهذا صعب جداً. اللبنانيون «حبابون هواية» نلتقي ونسلم في الطريق فقط. لكن يلفتني كم يتحدث اللبنانيون عن وجودنا نحن والسوريين على أرضهم. نحن هنا في هذا النشاط لتبيان مساوئ العنف والعنصرية. لكن لعاصم طافش(17سنة) الفلسطيني الآتي من صيدا حكايته مع العنصرية والعنف. يقول: يزعجني جداً أن يرفضني صاحب العمل عندما يعرف هويتي الفلسطينية. بغير ذلك لم ألمس عنصرية أو عنفا. أما بلال (16 سنة) الآتي منذ أربع سنوات من مخيم اليرموك إلى لبنان فيحمل صفة فلسطيني سوري يقول: هذا النشاط يمحو بعض الذكريات السيئة من بالي. هنا في جامعة اللاعنف لقاء مع كافة البشر في لبنان والشعار واحد: مناهضة العنصرية والعنف. فأنا أشكو من التمييز والعنصرية ليس فقط من المواطن اللبناني بل حتى من الفلسطيني المقيم على أرض لبنان. أتمنى أن يساعدني هذا النشاط على حل النزاعات التي تنشأ يومياً بين البشر المحيطين أو الأبعد منهم. فأنا أقوم بهذه المهمة عندما أجد ضرورة لذلك، خاصة بين من هم في مثل عمري.

300 طفل ويافع يعيشون حياة السلام لساعات في حرش بيروت

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية