تقليص الحواجز بحثاً عن لحظة الانبهار والصدمة: «مقامات» الفنان المصري يوسف ليمود

حجم الخط
2

ستميل بك الذاكرة وتتأرجح فيما تقضي لحظاتك الأولى متأملاً هذا العمل، كطائر أخلّت الرياح فجأة بخفته وأوشكت أن تهوي به من عل، وحينها فقط ستقفز الذكريات إليك تباعاً، دون أن تجديك المحاولة للفرار منها أو الإمساك بها على حد سواء.
«مقام» كما أحب الفنان المصري يوسف ليمود أن يسمي عمله، حصد جائزة بينالي داكار الكبرى لهذا العام. وهو تجهيز فني «إنستليشن»يأتي في نسخته الرابعة، ضمن مشروع «مقام» الأكبر، الذي بدأه ليمود عام 2013 وقرر حينها أنه سيكون الأول ضمن سلسلة ستتبعها فيما بعد مقامات أخرى في مدن مختلفة (كان أولها في مصر، تبعتها داكار، والمقبل سيكون في معهد العالم العربي في باريس). ولقد شكل ركام المشهد العربي، المتلاحق على شاشات الأخبار يومياً، دورا كبيرا في استلهام فكرة الأطلال التي تبناها ليمود في بداية مشروعه كموضوع للتجهيز الفني «مقام» الأول. ثم قفز بالفكرة إلى مكان آخر في المقام الذي تلاه، ليقدم رؤية يوتوبية متخيلة، معادلة لفكرة المدينة الفاضلة، فما لبث وأن عاد في داكار مجددا بمشهد أكثر تعقيدا ينتمي إلى عمق العبث الذي تعاني منه مدن العالم الثالث، وكل من عرفها أو عاش فيها يوماً.
يعتمد ليمود في مقاماته وبشكل أساسي على الأجزاء المجمعة من المحيط الذي يعمل فيه، أو بمعنى آخر من شوارع وأزقة المدينة التي سيتم فيها العرض، وهو بهذا يضمن امتدادها المباشر إلى ذاكرة المدينة وثقافتها، ويحاكي  بها مشاهد وتفاصيل حياتها اليومية. هذه العناصر التي كان لها حيز فعال يوماً ما، في مكان ما، انتهت صلاحياتها وتحولت إلى تاريخ لا يُكترث به ولا يُعول عليه، فاصطفت في عمل ليمود كواجهة لمحل تعرض ذكريات قديمة أو ناقصة، تغيرت ألوانها وماهيتها وأبعادها، فمنحها لها دوراً جديداً لا يشبه أسماءها الحقيقة.
تُبرز هذه التقنية، في انتقاء منمنمات العمل وإعادة استخدامها على الشكل الذي قُدمت عليه في داكار، بعدين مهمين للغاية وأساسيين في خلق الحالة التي أراد الفنان لعمله أن يدور في فلكها. البعد الأول استهلاكي جائع فُرض على بلدان العالم بشكل عام، والثالث بشكل خاص، يصور مدنها كبلاد قيد الإنشاء الدائم، غرقت في حلقة مفرغة لا تنفك عن إعادة إنتاج المشهد ذاته بالتفاصيل ذاتها، بلاد حبلى بالأوهام والذكريات المهترئة، ومن هنا كانت داكار «المدينة» نموذجا غنيا لتمثيل هذا الجانب وتوفير المناخ المناسب لطرحه. أما البعد الآخر فكان نفسياً درامياً يضع المشاهد تحت وطأة ذاكرته، ويستحضر معها حالة من الارتباك العاطفي المحموم بالكثير من المشاعر المتضاربة الملأى بالحب، الحقد، الحنين، وربما الشفقة أيضاً، التي غالبا ما تنتهي بالمشاهد إلى أيقونة من الهدوء والسلام الداخلي. وهذا ما جعل العمل يرتبط باسمه، «مقام» ارتباطاً وثيقاً، وينعكس في عمق معناه الذي أطلق الفنان العنان لاحتمالاته المختلفة بكل أبعادها، بدءاً بنوستالجيا عالية التوتر، وانتهاء بسكينة أغرقت المشهد مساء مع انعكاسات الأضواء الخافتة التي استعملها ليمود في نقاط مختلفة فوق رقعة العمل. وعلى اختلاف المواد والعناصر التي حاول ليمود أن يكون شاملا في انتقائها، كان التراب والرمل المستعملان في تحديد قاعدة العمل من أقوى الرموز المستخدمة في استحضار جذور وروح المكان، والإيحاء في الوقت نفسه إلى قداسة متباينة تتعلق بالمشاهد وارتباط ذاكرته بمصلحات الأرض، الموت والدين وغيرها.
تخبرنا عشوائية الحبكة، التي بدا عليها المشهد النهائي للعمل بشكله العام، بأنها لم تنحدر من عشوائية في الانتقاء أو التوزيع. ويفصح العرض الأفقي للأشكال الهندسية، والذي لا يخلو من بعض العلاقات الجبرية المقصودة، عن الكثير عن الصور المعاصرة المبتكرة  التي تقبض على أعين المتلقي من النظرة الأولى، وتوحي بقوة السيطرة التي يحكمها الفنان على الفضاء المشغول. فكما في كل المرات عمد ليمود إلى إذابة معالم ومجسمات قاعة العرض وجعلها جزءاً لا يتجزء من العمل ذاته، فأعاد هنا هيكلة قاعة محكمة مهملة كانت من نصيبه في داكار،  وحوّل بكل خفة منصة الشهادة المنتصبة في وسطها إلى زاوية مهمة من زويا العمل .
كما تذهلنا من اللحظة الأولى قوة اللامركزية في «مقام» حيث تقصد الفنان النسيج المتوازن في توزيع منمنماته على رقعة العمل طولاً وعرضاً، ومكّن بعبقرية كل منطقة أو زاوية مجتزأة من العمل أن تصبح عملاً منفصلاً بحد ذاته، محطما بذلك فكرة العمل التام أو الصورة المكتملة، وجاعلاً من أي اجتزاء نقصاً يعادل إضافة جديدة لمعاني العمل المتخيلة. فكان لهذه الانسيابية البصرية أثر مريح على المشاهد، في التنقل بين أجزاء العمل دون لزوم لنقطة بداية أو نهاية، ومكّنته مع المسافة التي فصلته عن العمل المنبسط أرضا من فرصة استيعاب المشهد ككل، كمن يطل على مدينة من نافذة طائرة.
تخطى الفنان ليمود ليمود مفهوم الجمال الكلاسيكي في «مقام» داكار بل وفي تجربة «مقام» ككل، وسعى جاهداً إلى تقليص الحواجز بين عمله الفني والواقع المستوحى منه لتصبح لحظة الانبهار أو الصدمة عند معاينة المشهد هي رد الفعل الذي يبحث عنه الفنان، وجوهر الفن الذي أراد أن يدفع به إلى مقدمة عقل المشاهد وإحساسه. كما أن تجربة الفنان، في نقل المشهد التجريدي عالي الكثافة من حيز ثنائي الأبعاد إلى ثلاثي الأبعاد، شكلت نقلة نوعية تُحسب له و لجدارته في التأكيد على قدرة التجريد الهائلة على تمثيل الفكرة أو الحالة المطلوبة، جنباً إلى جنب مع المتعة البصرية.
ترصد مقامات ليمود، على اختلافها، رؤية معاصرة واحدة ومتفردة، تسلط الضوء بدورها على حالات تنعكس بشكل مباشر في وجدان المشاهد، وترتبط عنده بمفاهيم معقدة تتمثل في الوطن والأرض والذاكرة والحب، وتدعوه بهدوء لإعادة سرده الداخلي ومواجهته أو التصالح معه. وتكمن أهمية هذه المقامات في قدرتها اللانهائية على تبني المزيد دائماً من التجارب، ومرونتها في التكيف مع نمط الحالة المراد التعبير عنها.
مقامات يوسف ليمود تجربة من الصعب التنبؤ بحدودها أو المرور عليها دون التوقف والتأمل في معانيها المحتملة.
  

تقليص الحواجز بحثاً عن لحظة الانبهار والصدمة: «مقامات» الفنان المصري يوسف ليمود

حلا يمليخا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية