من قصائد الإغريق إلى أشعار البروفانس وموشحات الأندلس: بدايات الشعر الغنائي الأوروبي

في «فن الشعر» يذكر أرسطو أن الشعر يقع في ثلاثة أصناف: الملحمي، مثل «الإلياذة» و«الأوديسّة»، والتمثيلي، مثل مسرحيات آيسخيلوس وسوفوكليس ويوريبيديس وأرستوفانيس؛ والغنائي، وأحسن أمثلته شعر سافو في غنائيات الحب، في القرن الثامن ق.م. وقد وصفها أفلاطون في «محاورة المأدبة» بأنها ربّة الفن العاشرة، إضافة للربّات التسع من بنات زيوس كبير الأرباب في الميثولوجيا الإغريقية.
لم يبق أمام الباحثين سوى 104 جُذاذات من غنائيات سافو التي قال عنها معاصرها الشاعر المؤرخ ملياكر إنّهن «قليلات، لكن وردات».
وبعد الشعر الغنائي الإغريقي جاء أوفيد (43 ق.م ـ 17م) الذي اشتُهر بغنائيات الحب، مثل «فن الحب» و«علاج الحب». وخلافاً لشعر الحب الإغريقي كما تعرضه سافو نجد أوفيد يحتفل بالجسد واللذة. وبقي هذا التراث ماثلاً في العصر الوسيط الأوروبي الذي لم يكن إلا في متناول العارفين باللغة اللاتينية التي كتب أوفيد بها، وهؤلاء قلة في المجتمع القروسطي الأوروبي، خارج رجال الكنيسة، المحرّم عليهم أصلاً قراءة شعر الحب أو التعاطي معه، لأن الحب يجب أن يكون أساسا باتجاه الكنيسة، وبخاصة مريم العذراء «وردة العالم».
لذلك لا نجد شعراً غنائياً يحتفل بالحب الدنيوي والمرأة غير مريم العذراء، مكتوبا باللغة اللاتينية، لغة الثقافة الوحيدة على امتداد العصور الوسطى الأوروبية، الا النزر اليسير الذي لم يحظَ بعناية الباحثين.
لكن القرن الحادي عشر الميلادي شهد ظهوراً مفاجئاً لشعر غنائي يحتفل بالحب الدنيوي، ويتحدث عن نساء غير «وردة العالم»، وبلغة غير اللغة اللاتينية «العالية» بل بلهجة انسلخت عن اللاتينية الأم، واتخذت شكل «عامّيات» في أقاليم الجنوب الفرنسي مثل اللهجة الأوكسيتانية، ولهجة «أوك»، التي يفضل بعض الباحثين  تسميتها «لغات» لا لهجات.
وقد ظهر في إقليم «بروفنس» في الجنوب الفرنسي شاعر أمير هو كيّوم التاسع (بالكاف المعجمة) ويرسم اسمه بعضُهم غليوم أو وليم (1071 ـ 1127).
كان إقليم بروفنس والجنوب الفرنسي عموماً على علاقات حميمة مع الممالك الإسلامية في الأندلس، على المستوى التجاري، والدبلوماسي لاحقاً، وعلى مستوى حروب الكرّ والفرّ بين الشمال المسيحي والجنوب العربي المسلم. ولأن أهل الأندلس كانوا يتكلمون لغتهم العربية مع «لطينية» الأندلس «الرومانث» وهي الأعجمية، لغة السكان المحليين منذ بداية الفتح عام 711م، بسبب التزاوج بين العرب والبربر الفاتحين من نساء الأندلس المفتوحة، كانت الأجيال الجديدة، بطبيعة الحال، تتكلم عربية الأب وأعجمية الأم «اللطينية». كانت هذه الحقيقة أساس التفاهم والإختلاط بين الأندلس وممالك الشمال المسيحية، ومنها إقليم بروفنس في الجنوب الفرنسي. وكان من شأن هذا الإختلاط أن وجد بعض أصحاب الميول الأدبية والموسيقية في الممالك المسيحية حضارة شعرية غنائية عند الأندلسيين، استهوتهم من خلال تبادل الزيارات والعلاقات على مستويات شتّى. ومن أولئك الأمير الشاعر الشاب كيّوم، الذي استهواه الموشح والزجل بمصاحبة العود والغناء في القصور الأندلسية. ولم يكن «فهم» الموشح الأندلسي بلغته العربية صعباً على أي شاعر، بسبب ازدواجية اللغة، التي تنقل «المعاني» و«المواقف» ولو أنها تقصّر عن نقل الايقاع والوزن والقافية إلى لغة غير عربية.
عاش الأمير كيوم بين قصر أبيه وقصور الأمراء الآخرين التي كانت عامرة بالمغنيات والشاعرات الأندلسيات عن طريق تبادل الأسرى في الحروب التي لم تتوقف بين الجانبين، أو عن طريق «الإهداء» بين علية القوم من الجانبين.
ترك لنا الأمير الشاعر إحدى عشرة قصيدة، وقد ورث الحكم عن أبيه كيّوم الثامن. تتميز القصائد الثلاث الأولى بأنها تشبه القصيدة العربية من حيث ظهور القافية الموحدة على تلك القصائد الطوال، ولم تكن القافية معروفة في الشعر الإغريقي ولا اللاتيني، كما يُخبرنا ملتن في مقدمة الكتاب الأول من قصيدته الكبرى «الفردوس المفقود». وقد أثارت هذه الظاهرة تساؤل الباحثين الذي توصل معظمهم إلى القول إنها محاكاة للقصيدة العربية، بحكم التقارب والإختلاط مع الأندلسيين. وفي عام 1101، تحمّس الأمير الشاب لقيادة حملة صليبية فتوجه ﺇلى فلسطين، لكنه هُزِم في عسقلان أمام جيوش صلاح الدين وأخذوه أسيراً، فبقي بين المسلمين ثمانية عشر شهراً، لا يُعقل أنه لم يختلط بالشعراء من آسريه، وهو الأمير الذي لا يعقل أنه كان يُعامل معاملة الأسرى العاديين. والذي لا يحتاج إلى دليل على أثر ذلك الإختلاط أنه بعد عودته إلى «بواتييه» راح ينظم قصائد ذات مقاطع ونظام دقيق في تواتر القوافي تذكّر بالموشحات، إلى جانب تناولها موضوعات في الحب والحنين والألم وندب الحظ وعذابات الحب، مما لا سابقة له في التراث الشعري القروسطي اللاتيني. ففي القصيدة الرابعة، أي بعد القصائد الثلاث الأولى نجد سبعة مقاطع، في كل مقطع ستة أبيات قوافيها: أـ أـ أـ ب ـ أـ ب وتستمر القوافي على هذا النسق مع تغيير القافية. إضافة إلى موضوع القصيدة الجديد على تراث الشعر القروسطي، مع هذا النظام في القوافي، تجرد عدد من الباحثين لاحقا إلى محاولة البحث عن اصول هذه الظاهرة، وكانت النتائج التي توصل إليها الباحثون الاسبان وغيرهم أن الأثر العربي لا يمكن نكرانه ولا تجاهله، بعد إيراد الكثير من أمثلة الموشح والزجل ومقارنتها بهذا الشعر الأوروبي الوليد. وقد تبع أمثلة كيّوم عدد من الشعراء من إقليم بروفنس وما حولها، وبعضهم كان يحمل العود ويدور بشعره يغنيه في القصور والاحتفالات، فصاروا يدعون بالشعراء الجوالين «تروبادور».
تحدد التواريخ الأدبية حوالي 400 من هؤلاء الجوالين ازدهر شعرهم إلى حدود سنة 1292، أي حوالي قرنين من الزمان ظهرت فيه الموهبة الفردية عند كل شاعر جوال بما يميزه عن أقرانه وعن التراث الشعري الذي بدأ بالتطور. لكن هذا الازدهار الشعري لم يكتب له الإستمرار، لأن بابا باريس (البريء) قاد حملة للقضاء على حضارة الجنوب الفرنسي «الوثني» وحقيقة الأمر هو الطمع بثروات الجنوب الفرنسي. وكان من نتائج حملة إنوسنت الثالث الذي لم يكن بريئا كما يشير اسمه، أن هرب الكثير من الشعراء التروبادور بعد تلك الحملة عام 1209، فتوجه أغلبهم إلى صقليا في رعاية الملك فريدريك الثاني (1194 ـ 1250) ورعاية ابنه من بعده. كان الملك شاعراً، وفي بلاطه ثلاثون من الشعراء يحسنون اللهجة الاوكستانية إلى جانب لهجة صقليا الإيطالية، وينظمون شعراً غنائياً على غرار شعراء بروفنس. كان الملك يطوف بشعرائه في أنحاء الجنوب الإيطالي بشكل دوري، وكان لمجيء شعراء بروفنس الأثر الكبير لانتشار أساليبهم في إيطاليا حتى نهايات القرن الثالث عشر.
هنا كان شاعر إيطاليا الأكبر دانتي ألليجيري (1265 ـ 1321) جاهزاً لالتقاط هذا الأسلوب الجديد في كتابة أغاني الحب، فكتب «الحياة الجديدة» وفيها 25 غنائية حب (1294) بما دعي لاحقاً: الأسلوب العذب الجديد، الذي طور فيه بوكاجيو وبخاصة بتراركا (1304 ـ 1374) الذي سار بالغنائية أطواراً جديدة، بعد أن «اخترعها» الشاعر الصقلي جياكومو دالنتيني (ت 1246) وهي غنائية بأربعة عشر بيتا وقوافي دقيقة التنظيم. وما لبث بتراركا أن دفع بهذه الغنائية ﺇلى مراقي الشهرة، حتى جاء الشاعران الدبلوماسيان الإنكليزيان دايات وسري فنقلاها ﺇلى اللغة الإنكليزية في القرن السادس عشر، وقدماها على طبق من ذهب أمام شكسبير.
دراسة تطور الشعر الغنائي الأوروبي عند التروبادور في القرن الثاني عشر، ومقارنة موضوعاته وأسلوبه مع الموشح والزجل، وتطوره عند شعراء صقليا وإيطاليا في القرن الرابع عشر من أصحاب الاسلوب العذب الجديد يبين أمام الباحث المنصف الأشعة الأولى في أطياف الشعر الغنائي وقصائد الحب، في بذور الموشح والزجل في الأندلس.
W

من قصائد الإغريق إلى أشعار البروفانس وموشحات الأندلس: بدايات الشعر الغنائي الأوروبي

عبد الواحد لؤلؤة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية