محمية الدوسري في الخريب القطرية: معالم عريقة لبيئة خلابة وحيوانات برية طليقة ومقتنيات نفيسة من تراث البلد 

حجم الخط
0

الدوحة ـ«القدس العربي»: على بعد نحو 45 كيلومترا غرب العاصمة القطرية الدوحة، وفي منطقة تتوسط ميدان الهجن في الشحانية، الذي يستقطب اهتمام هواة هذه الرياضة المنتشرة في دول الخليج، وحيث مساحات شاسعة تغطيها الأشجار الخجولة، والغطاء النباتي المزدهر الذي يسعى أصحابه لمقاومة ظروف الطبيعة القاسية، تبزغ على مرمى الناظر ومن بعيد محمية طبيعية في قلب البيداء، تستقبل زوارها الوافدين من دول عدة للوقوف على سرها الذي يستقطب اهتمام كل من يفد إلى قطر ويكتشف عمق منطقة الخريب وتاريخها الممتد عبر مئات السنين.
محمية الدوسري التي هي حديث كل مهتم بالمناطق الأثرية والبرية، والمولع بالقطع التراثية التي تعبق بأريج التاريخ المتوائم مع طبيعته الخلابة، والمتناغم مع البيئة التي تستوعبه، تشرع أبوابها ومجانا لكل راغب وافد إليها لاكتشاف هذا المعلم الفريد التي نال شهرة واسعة لكونه مشروع انطلق من العدم وتحول إلى أيقونة في مجال الإصرار على تطويع الظروف الطبيعية القاسية.
مهندس طيار متخرج من جامعات بريطانية وأمريكية في مجالات الهندسة الالكترونية يطلق تخصصه التقني، ومجال عمله الأساسي، ليتفرغ لتحقيق حلم طفولته بترويض أرضه الجرداء، وتحويلها لجنة غناء ومكانا يستهوي عشاق الطبيعة والمغرمين بالتاريخ والمهتمين بالبيئة، ليجمع العناصر جميعها في محمية فريدة صرف عليها من مدخراته وإمكانياته المادية حتى يجعلها مزارا لكل مهتم بالتراث والطبيعة.

بداية صعبة

المشروع تم الشروع في تنفيذه وترميم المساحة الجرداء الواقعة في منطقة استراتيجية غرب الدولة سنة 1980 حيث بدأ صاحب المحمية بجمع بعض الحيوانات والطيور البرية من غزلان ونعام وبعض حيوانات البيئة القطرية، ولم يقف عند جمعها بل أصبح يستخدم معارفه العلمية ومداركه في المجال، لتحنيطها وتنظيفها للاحتفاظ بها ويضمها في معرض خاص يحوي عينات من كافة أنواع الحيوانات الموجودة في البيئة القطرية.
بعد المحاولات الأولى التي كانت جدا صعبة لتأسيس المحمية وتنفيذ المخططات الأساسية، وإنهاء الأعمال الإنشائية اللازمة، شرع ابتداء من سنة 1988 في السفر إلى عدة دول أفريقية، في مغامرات عجيبة لا يزال يتذكر تفاصيلها، بهدف جمع بعض الحيوانات البرية النادرة، قبل أن تصبح في عداد المهددة بالانقراض، للاحتفاظ بها في محميته، في سبيل حمايتها، ولإدراكها أنها ثورة مهددة بالهدر، معتبر ذلك خدمة يمكن أن يقدمها في سبيل هذه الحيوانات التي تعتبر ذات قيمة عالية ولا تعوض.
خلال الرحلة التي قامت بها «القدس العربي» إلى هذه المنطقة غرب الدوحة، في سبيل استكشاف هذه الأماكن وإبراز غناها، وجوانبها التراثية، وتاريخها الضارب بجذوره في عمق الأرض التي تروي قصصا لا يزال المعمرين وكبار السن ممن عايشوها يحتفظون بتفاصيلها، حاولنا الوقوف على آثار وأطلال المنطقة واستكشاف جوانب من تراثها.
منطقة الخريب حيث تقع المحمية تبعد بنحو 7 كيلومتر عن الشحانية التي تعتبر من أكبر المدن غرب الدولة يقطن فيها أفراد من قبيلة الدواسر، وسميت بهذا الاسم لكثرة أمطارها التي لا تجف سريعا، وتمتد لمدة شهر وتصل في بعض الأحيان إلى ثلاثة أشهر إلى أن تصبح التربة الطينية لزجه جداً ما جعل الأهالي يصفون الأمر بأن التربة ـ تخترب. وهناك من يعتبر أن الاسم مستوحى من كثرة وجود طائر الحبارى فيها وتحديدا من نوع (الخرب) وهو من بين الحيوانات التي تضمها محمية الدوسري التي تفتخر أنها جزء من تاريخ المنطقة التي يحاول أهلها بكل ما أوتوا من عزم أن يطوروا بنيانها وعمارتها ويحافظوا على القديم منها ليظــل شــامخا ورمزا يعتز به الأهالي على مر العصور.
قبل وصولنا إلى المحمية مررنا عبر طرق برية لا يزال الكثير من الأهالي يستخدمونها بالرغم من ازدهار البنية التحتية في هذه الجهة ومد الدولة لخطوط سريعة تربطها مع العاصمة الدوحة، ويفضل البعض هذه المسالك في تنقلاته في المنطقة للمرور على عزب وواحات غناء منتشرة بكثرة يهرب إليها السكان من أجواء المدن ويندمجون مع طبيعتها الآسرة ويسترجعون برفقة آبائهم سيرة أجدادهم والأولين حينما كانت هذه المعالم سكنهم الدائم وفيها لمحات من تراثهم.

زوار ووافدون من دول العالم

تزامنت زيارتنا للمنطقة مع احتفالات الدولة بمناسبة العيد وهي فرصة لتوافد الآلاف من الزوار من دول الخليج وحتى من دول العالم وجدنا مئات منهم هنا بسياراتهم ولوحات ترقيمهم وهي تمر أمامنا في خط سيرها.
كان في استقبالنا محمد مطر الدوسري ابن المنطقة الذي أسس المحمية التي تحمل اسمه لينقلنا في سيارة مكشوفة في رحلة سفاري في أجواء البيئة القطرية.
وخلال تنقلنا إلى الداخل استرعى انتباهنا عدد الحضور المميز الذي لم يكن بالحجم نفسه، ليخبرنا مرافقنا أن المنطقة استقبلت خلال يوم واحد قرابة 5 آلاف زائر، والعدد يقفز إلى نحو 50 ألفا خلال فترة إجازة العيد مع قدوم الكثيرين من دول الجوار الذين استمتعوا بالمهرجانات الترفيهية والتنزه ومشاهدة الحيوانات التي تقيمها المحمية الطبيعية لجميع الجاليات في الدوحة بالمجان.
اقترح علينا الدوسري أن نسكتشف أولا المعرض التراثي في المحمية الذي يضم مقتنيات نفيسة من سيارات عريقة جدا ومركبات قديمة وبعض المشغولات النادرة لأهله وآبائه لا يزال محتفظا بها ويجعلها متاحة لكل زواره. ويضم قسم التراث والمعلومات، ما يقرب من 100 قطعة من التراث القديم والذي تم جمعه من قطر ودول مجلس التعاون ويحتوي على بيت للشعر، والجلسة الشعبية، وقام بتخصيص هذا القسم لتقديم صورة عن الحياة الطبيعية في قطر خصوصا عند استقبال ضيوف الدولة للترحيب بهم في خيمة التراث وتقديم القهوة العربية مع تزويدهم بشروح عن بعض الأدوات القديمة التراثية، وتصل المتعة لبعضهم حتى الحصول على تجربة الرماية بالبندقية الهوائية للوقوف على أهم ميزة للرجل البدوي في المنطقة التي تعتبر البندقية رمزا لا يمكن الاستغناء عنه وركنا أساسيا في إعداد الرجال. كما يطلع الأجانب بالتحديد على عالم الصقور الذي يشكل رمزية خاصة لأهل المنطقة حيث تتاح لهم فرصة التعرف على كيفية التعامل مع صقور الصيد وحملها وأخذ الصور التذكارية مع الحيوانات البرية. وإلى جانب ذلك يضم القسم العديد من المجسمات لبعض الآثار التي تشتهر بها المنطقة وصولا إلى أهرام مصر بالإضافة إلى نماذج من السفن التراثية التي تميز بها أهل الخليج مع قلعة تقدم نموذجا عن المدن القطرية القديمة التي الخريب إحداها وحافظ أهلها على الطابع العمراني نفسه وتمسكوا بعراقته وأصالته.
عند مغادرة قسم التراث يجد الزائر نفسه في ركن المحنطات الذي يخاف البعض من دخوله بسبب أشكال الحيوانات خصوصا المفترسة منها التي تستقبل الوافد بأنيابها المكشرة ووجوهها المفزعة، ويشمل القسم العديد من المحنطات المختلفة كالغزلان والنعام والطيور والزواحف وتم التركيز على حيوانات البيئة القطرية، والمكان هو وجهة الكثير من المدارس القطرية طيلة أيام السنة حيث تنظم رحلات خاصة للطلبة لتقدم لهم شروحا حول هذه المحنطات وطريقة إنجازها ويقوم بعضم بإجراء بحوثهم على بعض الحيوانات للاستفادة من هذه الإمكانيات المتاحة.

رحلة سفاري

أخبرنا مرافقنا أننا على وشك الانتقال إلى العنصر الأهم في المكان، هو القيام برحلة سفاري في أجواء البيئة القطرية حيث لا تزال الحيوانات طليقة من دون قيد أو قفص يحد من انطلاقها في البرية لتستمتع بحياتها في أجواء طبيعية حقيقية.
العدة الوحيدة التي يحتاجها المغامر لولوج المنطقة المحمية واقتحام عالم الحيوانات الطليقة عمود حديدي خفيف يبعد به طيور النعام التي قد تقترب كثيرا من العربة المكشوفة لتفادي أي ردة فعل قد تكون عنيفة، وهذا أمر نادر الحدوث لكن ذلك من باب الاحتياط كما أخبرنا المشرف على الرحلة.
تنطلق العربة الهادئة التي لا يصدر محركها ضجيجا ينفر الحيوانات لتشق دربها وسط واحة خضراء ومرتفعات رملية وكثبان عالية مع بعض المسطحات العالية إلى جانب المياه الراكدة في أجزاء منها تتجمع حولها أنواع من الحيوانات الحرة التي تجد ضالتها بالعيش في هذه البيئة المثالية التي لم تعبث بها اليد البشرية وتركتها على طبيعتها الآسرة مع رياح ونسمات هادئة تنعش المكان الذي ينسي الزائر أنه وسط بيداء مترامية الأطراف تنبت في أجزاء منها نباتات وأشجار تقاوم بصعوبة قساوة الأرض وينجح ابن المنطقة مرات في التغلب عليها ويكبر زرعه ويعمر.

غزلان طليقة وسط الصحراء

على امتداد رحلة السفاري وفي أجواء البيئة القطرية كانت قطعان الغزلان تسير جنبنا في دعة وأمن وطمأنينة وتنطلق سريعا وهي تستعرض مشيتها التي تميزها عن الحيوانات الأخرى وكانت لذلك رمزا للتغزل بهذا الحسن الآسر.
إلى جانب الغزال كانت في المحمية مجموعات من طيور النعام والإبل وهي ترعى حرة طليقة وغير بعيد عنها أقفاص الحيوانات المفترسة التي تستقطب اهتمام زوار كثر خصوصا وأن بعضهم يراها لأول مرة مثل الضباع والنمور التي انقرضت من البيئة المحلية وغيرها من الحيوانات التي تستوي زوارا كثر.

ملتقى الجاليات

الكثير من أبناء الجاليات وعند عقد اجتماعاتهم ولقاءاتهم السنوية تكون الخريب وجهتهم المفضلة، حيث يتم التنسيق مع محمد الدوسري لتنظيم هذه الفعاليات وهو سخر المكان لخدمة الأشخاص مع ما وفره من جلسات تسع للمئات ومسرحا للفعاليات وملتقى للعائلات يتميز بخدماته الأساسية مع إمكانية تنظيم جلسات شواء على الطبيعة.
وكشف أنه بالتنسيق مع الهيئة العامة للسياحة القطرية فقد أدرج في السنوات الأخيرة محميته ضمن جدول الفعاليات التي تنظم في مختلف المناسبات مع فعاليات ومهرجانات تشارك فيها مختلف الجاليات في الدولة تستعرض جوانب من تراثها وتمتزج مع الأخرى. وتجد خلال المناسبات الجاليات الهندية والآسيوية عموما تتنافس في برامج ومسابقات استعراضية مع مختلف أبناء الجاليات العربية خصوصا السودانية والسورية التي يفد أفرادها بكثرة إلى جانب القطريين وزوار كثر من مختلف الدول.
الدوسري يؤكد في حديثه أنه يسعى إلى أن يرتقي بالخدمات التي تقدمها محميته (والدخول إليها مجانا) والاستفادة من كافة الخدمات الأساسية وهذا لتحقيق الأفضل بالرغم من أنها تعتمد على الجهود الشخصية، فقد تم هذا العام تدشين قسم خاص لكبار الشخصيات، وآخر للمخيمات مزود بالمظلات والأكواخ الافريقية، ما شجع الكثير من الأسر على إقامة الولائم، وسط جلسات القهوة والشاي، كما تم توسعة المسرح.

ربع مليون زائر سنويا

وهو يكشف أن المحمية تستقبل أعدادا متزايدة من الزوار يصلون مرات إلى نحو 200 ألف زائر في السنة وهو رقم كبير مقارنة بعدد سكان قطر، ويرتفع الرقم أكثر خلال مواسم الأعياد والمناسبات وعطل نهاية الأسبوع ومع انطلاق الموسم الدراسي حيث تخصص رحلات منظمة للطلاب بالإضافة إلى الوفود الرسمية والشخصيات الهامة التي تزور الدولة وتهتم بالوقوف على إمكانيات هذا المعلم التراثي المحوري في قطر.
العديد من المسؤولين الذين مروا من المنطقة ترسخت في أذهانهم قصة محمد الدوسري، المواطن القطري الذي درس الهندسة وعلوم الطيران في الخارج واستغل كفاءته وموهبته في المجال للقيام برحلات للقنص بحثاً عن الحيوانات البرية وإجراء فحوصات لها ونقلها إلى قطر لتأسيس معلم فريد في منطقة الخريب التي يسعى أهلها على المحافظة على نمط حياتهم الذي يعشقونه والاجتهاد للاستقرار في بيئتهم العريقة من دون مغادرتها أو الهرب منها إلى المدن وتعميرها لتظل شاهدة على تاريخ آبائهم وأجدادهم.

محمية الدوسري في الخريب القطرية: معالم عريقة لبيئة خلابة وحيوانات برية طليقة ومقتنيات نفيسة من تراث البلد 

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية