ظاهرة التسول في العراق: أطفال وعصابات في بلد يعوم فوق بحيرة نفط

الحديث عن هذه الظاهرة ورصدها يبدأ هذه المرة من إحدى المدن التركية التي تضم لاجئين عراقيين وسوريين فارين من مناطق الصراع المسلح في البلدين.
قالت ان اسمها تمارا، سبعة أعوام، من أم سورية وأب عراقي. تزوج من أمها بعد مغادرته العراق إلى سوريا عام 2006 إثر اندلاع موجة الحرب الأهلية الأولى التي أعقبت تفجيرات سامراء شتاء العام 2006.
تقول تمارا، انها وصلت إلى تركيا مع أبيها وأمها وأخويها محمد وعمر قادمين من العراق، «أبي لا يعمل وأمي تقوم بجمع بعض الحاجات ليلا من أكوام النفايات قبل ان يأتي عمال النظافة لينقلوها خارج المدينة».
لا تفكر تمارا بشيء اسمه المدرسة. قالت، سمعت من أمي انها «فقط للأغنياء».
تمارا ترى انها تعيل أمها وأبيها وأخويها محمد 5 سنوات وعمر ثلاث سنوات. وقالت ان معدل حصولها على المال في شهر رمضان يزداد إلى الضعف، قبل شهر رمضان كان معدل «إيرادها اليومي 13 إلى 15 ليرة تركية، أما في رمضان فيصل في بعض الأيام إلى 40 ليرة تركية»، أي بحدود 14 دولارا أمريكيا.
«القدس العربي» سألت تمارا عن سر وجودها في مدينة صغيرة بدلا من التواجد في مدن كبرى، ردت بعفوية، «هذه المدينة ناسها طيبين مثل ناس الغوطة في دمشق».
رفضت تمارا التعريف عن اسم أبيها، لكنها قالت يمكن لـكم التحدث مع أمي، تتواجد أمها كما أشارت باصبعها في زاوية أخرى من شارع طويل يكتظ بالمحال التجارية والمتسوقين، فيما لا يُسمح بمرور السيارات خلال النهار.
في أوائل الثلاثينيات من عمرها، قالت انها حصلت على دبلوم تعليم ابتدائي من جامعة دمشق؛ لا تبدو سمات «المتسولات» واضحة عليها من حيث نظافة البدن والملابس التي ترتديها؛ أم تمارا التي رفضت في البداية التحدث إلى «غرباء» لا تعرفهم خشية ان يكونوا من «مافيات كبيرة ترغم المتسولين على العمل معهم تحت التهديد بإبلاغ السلطات عن إقامتهم غير الشرعية أو اختطاف أبنائهم»، كما قالت.
جاءت أم تمارا إلى تركيا قبل عامين فقط قادمة من أربيل حيث كانت تعيش مع أطفالها الثلاثة في أحد مخيمات النازحين السوريين في إقليم كردستان بعد ان ادعت «ان زوجها سوري قتل في دمشق على يد قوات النظام خلال احدى التظاهرات».
تحدثت عن سوء طالعها الذي ساقها إلى هذا المصير المأساوي فيما يتنعم لاجئون آخرون بالعيش الكريم في أوروبا، كما هو الحال مع شقيقاتها وبنات عمها اللواتي وصلن إلى الدول الأوروبية قبل عام ونصف، على حد قولها.
ولدى سؤالها عن زوجها قالت، انها تزوجت منه عام 2006 حين كان يعمل في قطاع البناء في احدى بلدات غوطة دمشق الشرقية حيث «تعاطفت مع حالته كإنسان جاء إلى سوريا هاربا من القتل في العراق بعد ان فقد جميع أفراد عائلته ونجى هو فقط من مجزرة حلّت بعائلته»؛ ورفضت الحديث عن أسباب قتل عائلة زوجها والجهة المسؤولة عنها؛ لكنها قالت «كان يعمل مع ابن عمي ويتردد إلى بيته باستمرار بعد ان لاحظت عليه انه غارق في الحزن إلى حد بعيد».
كما رفضت ام تمارا الحديث عن مكان إقامة زوجها وعمله وطبيعة العلاقة بينهما؛ لكن «تمارا» كانت قد قالت «ابي ما يفيق لا ليل ولا نهار وبيظل سكران».
الحديث عن ظاهرة التسول يتعدى حدود جغرافية البلدان إلى ما هو أبعد منها بما يعطيها صفة إنسانية تكاد تصطبغ بلون واحد بصرف النظر عن المكان.
ففي حي المنصور، أحد ارقى أحياء العاصمة العراقية، وعند مدخل شارع الأميرات الذي كان ذات يوم يضم مساكن أميرات العائلة المالكة التي أطاحت بها ثورة 14 تموز 1958، ثمة قصة أخرى لطفل قال ان اسمه أحمد، يبلغ من العمر أحد عشر عاما، يقف عند إشارة المرور وهو يحمل علب مناديل ورقية سعر الواحد 500 دينار عراقي، أقل من نصف دولار أمريكي، قال أحمد ان لديه «عشر علب من المناديل الورقية لم يبع منها أي علبة منذ أكثر من أسبوعين»، لكنه حسب قوله، «يحصل من خلال عرضها على سائقي السيارات المتوقفين عند الإشارة الضوئية على الكثير من المال، هم يدفعون لكن يرفضون أخذ العلبة».
يرفض أحمد تحديد ما يحصل عليه من مال خلال يوم عمل يبدأ «عند السابعة صباحا حيث يقدم له صاحب البيت كوب حليب مع قطعة خبز وينتهي مع آذان العشاء حيث يعود إلى البيت ليقدم ما حصل عليه من مال إلى صاحب البيت».
كما يرفض تحديد صلة القرابة أو أي صلة أخرى تربطه بصاحب البيت الذي يأويه؛ لكنه قال «منذ فتحت عيني على الدنيا أعيش في هذا البيت مع سبعة آخرين كلنا نناديه (أبي)، ونحن نعرف اننا بلا أب ولا أم»، قالها بحزن فيما انقطع عن الكلام معنا ليعود ثانية إلى «رزقه» حيث ترغم إشارة المرور سائقي السيارات على التوقف.
قال أحمد ان «هذا المكان خاص بي، وهو مؤجر مقابل مبلغ كبير يدفعه أبي كايجار سنوي لأناس آخرين».
يتعرض أحمد لإهانات بشكل مستمر لانه لا يحصل على مال كثير كما يحصل عليه زملاؤه في البيت «حيث ان أبي دائما يصرخ بوجهي وأحيانا يضربني».
لم يتعرف في البداية على طبيعة عملنا، كان خائفا من الحديث عن أي شيء يتعلق بمهنته، لكنه انفتح بالحديث بعض الشيء عندما عرف انه يتحدث حديثا سيتم نشره في الصحافة غير العراقية.
يقول أحمد، انه منذ البداية «كان يعرف بأنه يتحدث إلى ناس محترمين وليسوا من العصابات التي تريد خطفنا لنعمل معهم».
ومع هذا فقد، انه كذب علينا حين اخفى عنا اسمه الحقيقي «خوفا من معرفة صاحب البيت بانني تحدثت إليكم وأعطيتكم اسمي الحقيقي».
توسل ان نصطحبه معنا، لكن إلى اين؟ قال أحمد أي مكان في العالم «حتى السجن هو أرحم لي من هذه العيشة مع هذه العصابات»، كما يسميها.
وتساءل عن «إهمال الحكومة لنا وعدم تقديم معونات نستطيع العيش بها أو توفير فرص عمل وسكن في مصانع الحكومة»، كما قال.
وفي حديث لـ «القدس العربي»، تحدث من أربيل في العراق، الدكتور اسامة النعيمي، الاختصاصي في الطب النفسي عن هذه الظاهرة قائلا: «لا علاقة لها بالحالة النفسية للمتسول كما كان يشاع بانها مرض نفسي. فقد أصبحت مهنة تغطي معيشة عشرات آلاف العوائل على مستوى البلد؛ وهناك حالات قد تكون مبررة بسبب غياب برنامج حكومي يهتم بالقضاء على الظاهرة التي لجأ إليها بعض ضحايا التفجيرات من ذوي الإعاقات الدائمة، أو الأرامل أو الأيتام فاقدي الأبوين؛ لكن هناك حالات بحاجة إلى معالجات أمنية للقضاء على هذه الظاهرة عند فئة من المستفيدين الذين يعملون بشكل منظم شبيه بعمل العصابات المنظمة أو المافيات التي يديرها مقاولو التسول»، كما سماهم.
يذكر ان إحصائيات صدرت عن وزارات التخطيط والعمل والشؤون الاجتماعية ومنظمات دولية في العام 2015 تحدثت عن أن «نسبة 20 إلى 25 في المئة من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر بينما تجاوز عدد العاطلين عن العمل 1.5 مليون شخص، وهي أرقام قال عنها الرفاعي انها: «أمر مؤسف في بلد يعوم فوق بحيرة من النفط»، ودعا إلى «إيجاد فرص عمل لائقة تضمن العيش الكريم لجميع العراقيين».

التشريعات العراقية ذات العلاقة بظاهرة التسول

من المؤثرات المهمة في معالجة ظاهرة التسول والانحراف عند الأطفال الوضع القانوني الذي تتبناه الدولة للحد من هذه الظاهرة، مع التأكيد ان القوانين قد تنظم وضع ظاهرة ما ولكن يصعب معالجتها قانونيا. فقد أثبت أن التشريعات وحدها لا تفي بالمعالجة ما لم تسبقها استعدادات تعبوية شعبية في التوعية بمفهوم الظاهرة وأثرها الاجتماعي، علما أن السلطات الحكومية لم تأخذ بعين الاعتبار استخدام القانون للحد من هذه الظاهرة، وإنما اعتمدت على تعليمات أو توجهات وقتية سرعان ما كانت تهمل بمرور الوقت، ولم يتم العثور إلا على القانون الصادر في الوقائع العراقية من قانون العقوبات العام رقم 111 لسنة 1969 المعدل كذلك فان المعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الأطفال والمصادق عليها من قبل العراق لم تفعل بالشكل المطلوب مع توفر الإمكانيات المادية والمعنوية لذلك.
التشريع الوحيد للحد من هذه الظاهرة كان في عام 1969 من قانون العقوبات العام المرقم 111 المعدل والمتضمن المواد التالية: المادة ـ 290 ـ 1ـ يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر واحد ولا تزيد على ثلاثة أشهر كل شخص أتم الثامنة عشرة من عمره وجد متسولا في الطريق العام أو في المحلات العراقية أو دخل دون إذن منزلا أو محلا لغرض التسول، وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنة إذا تصنع المتسول الإصابة بجروح أو عاهة أو استعمل أية وسيلة أخرى من وسائل الخداع لكسب إحسان الجمهور أو كشف عن جرح أو عاهة أو الخ في الاستجداء. 2 ـ إذا كان مرتكب هذه الأفعال لم يتم الثامنة عشرة من عمره تطبق بشأنه أحكام مسؤولية الأحداث في حالة ارتكاب مخالفة. المادة ـ 291 ـ يجوز للمحكمة بدلا من الحكم على التسول بالعقوبة المنصوص عليها في المادة السابقة، أن تأمر بإيداعه مدة لا تزيد على سنة دارا للتشغيل من كان قادرا على العمل أو إيداعه ملجأ أو دارا للعجزة أو مؤسسة خيرية معترفا بها إذا كان عاجزا عن العمل ولا مال لديه يقتات منه، متى كان التحاقه بالمحل الملائم له ممكنا . المادة ـ 292 ـ يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر وبغرامة لا تزيد على خمسين دينارا أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أغرى شخصا لم يتم الثامنة عشرة من عمره على التسول، وتكون عقوبة حبس مدة لا تزيد على ستة أشهر والغرامة لا تزيد على مئة دينار أو إحدى هاتين العقوبتين إذا كان الجاني وليا أو وصيا أو مكلفا برعاية أو ملاحظة ذلك الشخص . مع أن المواد القانونية عالجت مشكلة التسول من عدة جوانب وكان يمكن أن تساهم في الحد منه، وكذلك إصدار الكثير من التعليمات والأوامر الخاصة حسب الظروف الآنية والمستعجلة، إلا أن صعوبة تفعيلها بسبب ضعف الأجهزة التنفيذية وعدم الجدية في التنفيذ جعل من هذه المواد حبرا على ورق، كما أن عملية التقادم على هذه القوانين وعدم سن قوانين وتعليمات مواكبة لتطور هذه الظاهرة أفرغها من كل فاعلية أو أهمية، وما زالت هذه المعالجات تخضع للظروف الآنية في تفعيلها أو العكس مما أدى إلى انتشار ظاهرة التسول بشكل غير مسبوق، وقد ساهم تعاطف الرأي العام مع ظاهرة التسول في إخفاق تفعيل هذه القوانين باعتبار التعرض لهم عملا غير إنساني.

ظاهرة التسول في العراق: أطفال وعصابات في بلد يعوم فوق بحيرة نفط

رائد الحامد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية