مضى على الإنقلاب الذي أطاح بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي ثلاث سنوات ولم يتغير شيء في ملف الحريات الشخصية والعامة، فلم تتوقف عمليات القمع ولا الملاحقة للمعارضة فيما تم تدجين الصحافة المصرية وخلق معارضة موالية، ولم يتغير الكثير على الوضع الاقتصادي في البلاد رغم المشاريع الضخمة التي أعلن عنها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. ولا تخرج من مصر سوى الأخبار السيئة، عن الإختفاء والموت والسجن وليس غريبا أن يبحث السيسي عن ملجأ من مشاكله في إسرائيل ومحاولة إحياء عملية سلمية ميتة بين الفلسطينيين والإسرائيليين عندما قام سامح شكري بأول زيارة يقوم بها وزير خارجية مصري لإسرائيل منذ عدة سنين، في محاولة للخروج من المشاكل الداخلية وتركيز النظر على الدبلوماسية المصرية التي تأثرت بسلسلة من النكسات سواء عبر إسقاط الطائرة الروسية في العام الماضي فوق سيناء وسقوط طائرة مصر للطيران فوق البحر المتوسط في أيار/مايو واستمرار التمرد في سيناء الذي يقوده فرع تنظيم الدولة الإسلامية وتداعيات ملف طالب الدراسات العليا غويليو روجيني الذي اختفى عشية الذكرى الخامسة لثورة يناير 2011 وعثر على جثته في شباط/فبراير على الطريق الصحراوي في القاهرة وقد شوهت وتعرضت للتعذيب بدرجة وجدت عائلته صعوبة في التعرف عليه.
وقد وردت حالة روجيني في تقرير صدر عن منظمة العفو الدولية «أمنستي» يوم الأربعاء 14/7/2016 وركز على ملف المفقودين في مصر. وجاء في التقرير أن قضية روجيني هي رأس كرة الجليد. وأن هناك مئات الحالات ممن اختفوا وعذبوا ضمن ما تقول المنظمة الحقوقية أنها حملة «شريرة» لسحق المعارضة السلمية في أكبر الدول العربية سكانا. واختفى أطفال لا تتجاوز أعمارهم الـ14 عاما واختفى طلاب وناشطون سياسيون ومحتجون بدون أثر بعدما قامت القوات الأمنية بمداهمة بيوتهم. وتعترف الحكومة بوجود 34.000 معتقل في السجون، إلا أن معظم الذين اختفوا هم من أتباع الرئيس المعزول محمد مرسي. وفي حديث التقرير عن حالة روجيني يقول إن «الجراح الرهيبة التي تعرض لها روجيني تشبه ما تعرض له أشخاص حققت معهم قوات الأمن وتمثل حالته طرف كرة الثلج». ونقلت صحيفة «الغارديان» (14/7/2016) عن فليكس جيكنز قوله «نخشى ان سلطات الأمن قامت باختطاف روجيني وعذبته حتى الموت، وحتى نحصل على تحقيق واف حول وفاته فستظل هذه الشكوك قائمة». ويعتقد ان السلطات قامت باحتجاز المئات في مقر المخابرات العامة في لازغولي وفي مقر وزارة الداخلية القريبة من ميدان التحرير الذي شهد تظاهرات عارمة أدت للإطاحة بالرئيس حسني مبارك في كانون الثاني/يناير 2011. وقالت منظمة «أمنستي» إن هناك زيادة في حالات الإختفاء منذ تولي مجدي عبدالغفار وزارة الداخلية في آذار/مارس 2015. وعمل عبد الغفار سابقا في جهاز تحقيقات أمن الدولة في عهد مبارك. وذكر فيليب لوثر، مدير مكتب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن «الغياب القسري أصبح أداة في يد الدولة بمصر»، و ان»أي شخص يتجرأ على الحديث يتعرض لخطر استخدام قانون مكافحة الإرهاب، حيث يختطف ويحقق معه ويعذب فقط لأنه تحدى السلطات». ولا يكشف التقرير عن الوحشية التي يتعرض لها من اختفوا، بل وعن التعاون بين الأجهزة الأمنية والنظام القضائي حيث استعد للكذب أو فشل في التحقيق باتهامات التعذيب مما جعله متواطئا في انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان». وكشف التقرير عن محاكمة أشخاص بناء على «اعترافات» تم انتزاعها تحت التعذيب. وفي الحالات النادرة التي سمح فيها لطبيب مستقل كي يكشف عن السجناء الذين تعرضوا للتعذيب منع محاميهم من مشاهدة نتائج الفحص. ووثق تقرير «امنستي» فإن 17 شخصا تم اعتقالهم لفترات تتراوح من أيام لأشهر ولم يسمح فيها للمحامين بالإتصال بهم. ويقول الضحايا والشهود إن عملية الإختفاء تبدأ عادة بظهور ضباط الأمن بالزي المدني يدعمهم أفراد من القوات الخاصة المدججين بالسلاح أمام منزل المشتبه به حيث يتم تقييده وعصب عينيه وتفتيش البيت ومصادرة هاتفه وأجهزة الكمبيوتر الخاصة به. وقال أحد رجال الأمن لمعتقل «هل تعتقد أن لك ثمن؟» مضيفا «يمكننا قتلك ووضعك في بطانية ورميك في النفايات ولن يسأل أحد عنك». وهو ما حدث فعلا لروجيني، الذي كان عند اختفائه يقوم بدراسة النقابات العمالية المصرية. ولا تزال ظروف مقتله تخيم على العلاقات المصرية ـ الإيطالية نظرا لعدم الكشف عن ظروف مقتله والمتورطين في قتله.
الترحيل
وإذا كان الإختفاء القسري هو علامة ضد كل من يتحدى النظام وإن بطريقة سلمية، فهناك طرق أخرى لإسكات المعارضة بدفعها للهروب من البلاد وترحيل من يتجرأ على الدولة كما في حالة المذيعة اللبنانية ليليان داود. ففي تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» (13/7/2016) أشارت فيه إلى أن داوود، اللبنانية- البريطانية التي كانت تقدم من البرامج القليلة التي تنتقد الحكومة وجدت نفسها في مطار القاهرة يوم 27 حزيران/يونيو بعدما داهمت شرطة بالزي المدني مقر سكنها وأكرهتها على ترك ابنتها البالغة من العمر 11 عاما تبكي. وقيل لداود إن الرئيس السيسي نفسه أمر بإبعادها. وقالت داود: «قالوا لي لا يهم بمن تتصلين لأن الأمر رئاسي». وأشارت الصحيفة إلى أن داود هي واحدة من 500 شخص ما بين ناشط ومحام ومراسل تم ابعادهم أو منعوا من السفر أو تم احتجازهم مؤقتا في المطارات المصرية منذ قدوم السيسي للحكم عام 2013 بحسب جمعية «دفتر أحوال»، وهي جمعية حقوقية محلية ترصد هذه التجاوزات. وفي العادة لا يكتشف الشخص أنه ممنوع من السفر خارج مصر إلا عندما يصل المطار. ويقول محمد لطفي، المدير التنفيذي المفوضية المصرية للحقوق والحريات: «المطار هو المكان الذي تكتشف فيه ماذا تخبئ السلطات لك». وبحسب الصحافي المخضرم فهمي هويدي والذي منع من ركوب طائرة إلى إسبانيا العام الماضي: «الهدف منه هو الإهانة.. الناس يحدقون بالشخص وموظفو المطار الآخرون الذين لا يعرفون ماذا يحصل يأتون للسؤال عن سبب الوقوف والانتظار». ويعتقد الناشطون الذين منعوا من السفر أن ديكتاتورية السيسي ترفض السماح لهم حتى ولو بهامش للنقد مقارنة مع فترة حكم مبارك الذي كان اتبع حالة من «الدفء والبرود» مع معارضيه. وتضيف الصحيفة أن بعض الذين منعوا من السفر ليسوا من معارضي النظام ولكنهم اختلفوا مع عناصر في الجهاز الحكومي. وتضيق دائرة الحرية في كل يوم في مصر حيث يجد النظام تهما جاهزة لمن يريد تضييق سبل الحياة عليه وهو اتهامه بنشر أخبار كاذبة. وكانت داود قد فصلت من عملها في قناة «اون تي في» بعدما اشتراها رجل الأعمال أحمد أبو هاشم، الموالي للسيسي وهددت بالإبعاد عدة مرات في السنة الماضية.
المؤيدون ينتقدون
ومع ذلك فغياب حرية التعبير وسطوة الإعلاميين المذعنين على ساعات الذروة في القنوات التلفزيونية لم تمنع أصواتا ناقدة للرئيس من الظهور، وبدا هذا واضحا في طريقة تغطية مقتل روجيني وتسليم جزيرتي صنافير وتيران للسعودية. ولأول مرة منذ 3 سنوات خرج متظاهرون وإن كان عددهم قليلا احتجاجا على ما اعتقدوا أنه بيع لقطعة من البلاد. وقد هزت التظاهرات النظام ولام السيسي القوى الخارجية التي تكره الخير لمصر بنشر ما يراه الأخبار الكاذبة. وفي قراءة لعلاقة السيسي مع الإعلام نشرها معهد كارنيغي في 29 نيسان/إبريل للباحث محمد المشد وحلل فيها الكيفية التي بدأت الأصوات المؤيدة للنظام تتساءل عن مساره. وكتب المشد قائلا إن السياسات العشوائية وتكميم الأفواه ومنع عدد من الأصوات الإعلامية والمواجهة مع نقابة الصحافيين، تشي أن المنظومة الإعلامية المرتبطة عادة بمصلحة مالكي القنوات والمؤسسات الإعلامية ورجال الأعمال والمعلنين فيها باتت أقل التزاما وطوعا للنظام، مع أنها لا تزال تقف إلى جانبه. وفي غياب الصحافة الحقيقية في مصر وإغلاق الوسائل الإعلامية المؤيدة لمرسي، فالمنظومة الإعلامية أصبحت رهن النظرة الأمنية التي تحرم الحديث عن الجيش والمس بالأمن القومي. ومن هنا يرسي النظام الحالي فكرة استبدادية تحرم إبداء الرأي وتجرد الصحافة من دورها كمراقب ومحاسب للنظام.
معارضة موالية
والحالة المصرية لا تقتصر في استبداديتها على الإعلام والحريات، فقد أقام السيسي ما أسماه الباحث كريستوفر كوكس «المعارضة الموالية» ونشره موقع كارنيغي للسلام في 29 حزيران/يونيو 2016. فبعد التضييق على الإخوان المسلمين وحظر نشاطهم لم يتبق في مصر سوى أحزاب صغيرة ضعيفة خائفة وهو ما سمح للسيسي بتهميشها. بالإضافة لذلك فإن رفض هذه الأحزاب رص صفوفها وعدم مبادرتها إلى تنسيق حملات ضد النظام يقضي أكثر فأكثر على إمكانات تحقيق تغيير سياسي جوهري. ويرى الكاتب أن بداية العام الحالي لم يحمل الكثير من الأخبار الجيدة للأحزاب السياسية العلمانية الصغيرة في مصر. فقد فشل عدد كبير منها في الفوز بمقاعد في الانتخابات البرلمانية في العام 2015.
وتعود إخفاقات هذه الأحزاب، في جزء منها إلى نزعة أوسع نطاقاً تتمثل في غياب الالتزام السياسي. وعدم اللامبالاة من المشاركة في العملية الانتخابية بشكل عام. وكل هذا ناجم عن الاستياء العام من إدارة السيسي بسبب تزايد قمع الدولة وسوء الإدارة الاقتصادية والمشكلات الأمنية المستمرة. كما فشلت الأحزاب في ترجمة التململ الشعبي إلى أصوات. ولهذا السبب باتت أحزاب المعارضة تمارس إلى حد كبير دور «المعارضة الموالية في مصر كما كانت تفعل في عهد مبارك. فهي تسهم في تعزيز منطق الدولة التي تقبل بالأحزاب المعارضة القانونية ولا تسمح لها بالوصول إلى السلطة أو تهديد الوضع القائم. وبدورها تقر هذه الأحزاب بضعفها وتتجنب شن حملات ضد النظام. مما لا شك فيه أن البرلمان المصري الجديد يخدم أهداف السيسي بهذه الطريقة. فهو يتيح له مأسسة بعض الأحزاب عبر إشراكها في الميدان السياسي الرسمي، وإلهاء المعارضة اليسارية التي فشلت في تحقيق اختراق انتخابي، وتشتيت صفوفها. ولهذا السبب فشلت حملة «مصر مش للبيع» التي تعارض نقل صنافير وتيران للسعودية بسبب خوف الأحزاب وخلافاتها التي تحول الأنظار عن إخفاقات السيسي في الحكم، ما يسمح له بزرع مزيد من التفرقة في صفوف المعارضة السياسية المحتملة والسيطرة عليها، الأمر الذي يعود بفائدة كبيرة على النظام، لا سيما وأن الرئيس لا يملك حزبا سياسيا خاصا به. وفي حال استمرت هذه الأحزاب بلعب الدور المرسوم لها فسوف تساهم في تعزيز الصورة الوهمية التي يحاول السيسي بثها عن ديمقراطية نابضة بالحياة فيما يبقى الإصلاح غائباً كما يقول كوكس.
البحث عن مخرج
في ضوء الحالة التي يعيشها النظام يمكننا فهم الزيارة التي قام بها سامح شكري لإسرائيل واجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وعلقت صحيفة «واشنطن بوست» (12/7/2016) أن زيارة شكري لإسرائيل تعتبر انجازا في حد ذاته في الشرق الأوسط اليوم. وفي الوقت الذي قرأت الصحيفة أن السيسي مهتم بدفع الجانب الإسرائيلي والفلسطيني لاتخاذ خطوات لبناء ثقة، إلا أن زيارة شكري تمثل في بعد آخر تتويجا للتعاون العسكري الذي لم يسبق له مثيل بين الجيش المصري والإسرائيلي منذ الإنقلاب العسكري عام 2013. ولا أحد يدري إلى أين ستصل محاولة مصر؟ فمن الممكن أن تكون تجديدا للعلاقات بين مصر وإسرائيل ولها بالتالي علاقة بالبلدين أكثر منها بالقضية الفلسطينية.
إبراهيم درويش