ما بين مصر وإسرائيل خلوة غير شرعية

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: لم تعدم إسرائيل الحيلة في العثور على مزيد من الكنوز لها في مصر بعد رحيل كنزها التاريخي مبارك عن سدة الحكم، فقبل مرور عامين على مولد ثورة يناير كان في الأفق يولد كنز جديد اعتبره الإسرائيليون هدية السماء إليهم. وفي الوقت الذي كان فيه زعماء تل أبيب يضعون أياديهم على قلوبهم خشية ان تظل سفارتهم التي دشنوها على نيل القاهرة بعد اتفاقية كامب ديفيد موصدة للأبد إذ بالنظام الوليد يمهد لإسرائيل الأجواء لإعادة افتتاحها في يوم ذكرى اقتحامها. وتوالى موسم «الاوكازيونات» التي يقدمها معسكر 30 يونيو يمنح تل أبيب ما لا تتوقع، فقد عينت مصر الدبلوماسي حازم خيرت سفيرا لها لدى تل أبيب، جاء ذلك عقب 3 سنوات من استدعاء السفير السابق عاطف سالم خلال 2012 احتجاجا على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والتي تعرف إسرائيلياً بعملية «عامود السحاب». كما أحكمت القاهرة حصارها على أعداء إسرائيل التاريخيين وبات مليون فلسطيني في قطاع غزة أسرى قفص لا يفتح إلا نادرا، الأمر الذي يمثل لإسرائيل ورقة ضغط على فرسان القضية بحسب رأي القوى الرافضة للتطبيع.

وجبة عشاء مقابل قضية

ربما يذكر التاريخ ان اللقاء الذي جرى مؤخراً بين وزير الخارجية المصري سامح شكري ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس، على مائدة عشاء أقامها نتنياهو في منزله لشكري، كان باهظ الثمن بالنسبة للقضية الفلسطينية والحلم الإسلامي والعربي. إذ لم يلتفت كل من هاجموا شكري بسبب انحناءة مفرطة أمام نتنياهو ان اسوأ ما في الأمر ليس في الانحناء الذي نفاه أنصار النظام مؤكدين فبركة الصورة التي تم بثها، بل أن هذا اللقاء بعث أيضا عدة رسائل هامة للغاية، أبرزها أنه جرى في القدس وليس في تل أبيب، وهو ما اعتبره اعترافا بحكومة إسرائيل التي تقيم في القدس وليس في تل أبيب. هذا تطور درامي في مصير القضية التي أهدرت أجيال أرواحها في الدفاع عنها، وغريب في المشهد الإقليمي العام، فقد ظلت القاهرة تصر على ان القدس عاصمة لفلسطين. عقد اللقاء في القدس مؤشر أيضا على دفء العلاقات ودخولها منعطفاً تاريخيا جديدا، كما يكشف مستوى التنسيق بين الجانبين في مجالات إقليمية ذات اهتمام مشترك. وفي تعليقه على نشر صورة تجمع شكري ونتنياهو وهما يشاهدان المباراة النهائية لكأس الأمم الأوروبية، قال شاكيد «إن هذه الصورة أكبر دليل على أن العلاقات بين مصر وإسرائيل طبيعية».

سمن على عسل

السفير الإسرائيلي في مصر حاييم كوربين كشف عن ان إسرائيل لم تكن يوماً أقرب لمصر كما هي الآن، وتابع في أكثر من مناسبة على مدار الأسابيع الماضية أن إسرائيل ومصر لديهما تفاهمات فيما يتعلق بالوضع في سيناء، وهما يتعاونان بشكل يومي، مؤكدا أن مصر لن تعود بعد اليوم عدوة لإسرائيل.
ودعا كوربين إلى نشر اتفاقيات السلام في مناهج التعليم المصرية وأشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتحادثان مرة كل أسبوعين على الأقل لوجود مصلحة مشتركة بينهما لمحاربة الإرهاب.
وعلى الرغم من حالة الحميمية التي يبديها النظام لإسرائيل وفق رأي الكثير من المراقبين، فإن الشارع المصري ما زال على حاله القديم من العداء لذلك الكيان المغتصب للحقوق العربية وبمجرد ذكر كلمة تعاطف أو حتى اعجاب بإسرائيل في مقهى وسط القاهرة ستواجه حتماً بما لا يحمد عقباه من نقد بالغ. غير ان بعض المراقبين ومن بينهم أستاذ العلوم السياسية جهاد عودة، يشير في تصريحات خاصة لـ «القدس العربي» أن العلاقات بين مصر وإسرائيل في الوقت الراهن تمر بما يعرف عالمياً بـ «دبلوماسية الاحتياج» المتبادل فيما بينهما في قضايا شديدة الأهمية ومن أبرزها الإرهاب الذي اكتوت به مصر لعقود. مشدداً على ان الأوضاع على الأرض في سيناء اختلفت بعد ان تمكنت مصر من إدخال أنواع من الأسلحة الجوية والبرية لم تكن من قبل موجودة هناك فأسفر الأمر عن تحقيق انتصارات هائلة في مجال تلك المعركة. ولفت عودة للمؤامرة التي تعرضت لها مصر خلال حكم الرئيس محمد مرسي والتي أسفرت عن تهديدات أمنية من قبل قوى الإرهاب وشدد على الوضع الآن اختلف جذريا.
وبالنسبة لما تروج له بعض الأصوات حول حاجة مصر للنفوذ الإسرائيلي المتنامي لها في افريقيا للمساعدة في إدارة ملف سد النهضة، شدد عودة على ان ملف الأمن القومي لمصر لا يمكن في حال من الأحوال ان يخضع للمساومة، مشيراً إلى ان كل ما يتردد في هذا الشأن مجرد أوهام، حيث لا توجد معلومة واحدة موثقة عن طلب مصر لإسرائيل المساهمة في مثل هذا الملف، كما نفى استاذ العلوم السياسية ان تكون العلاقات مع إسرائيل دافئة لا في زمن مبارك ولا حتى في الزمن الراهن، ولكن الأمر كله يرجع لما يحتاجه كلا الطرفين، مشدداً على ان البلدين «مصر وإسرائيل» في مرحلة الاحتياج للتعاون فيما بينهما كما حدث خلال المرحلة الماضية. وفي تصريحات سابقة قال جهاد بشأن ملف العلاقات بين مصر وإسرائيل: يجب ألا تدار بشكل عدائي، فـ»إسرائيل من الناحية الدبلوماسية دولة معترف بها، ومعاهدة كامب ديفيد تنص على قدر من التعاون الملزم للطرفين». ويرى عوده ان إعلان الدولة الفلسطينية وإقامة سلام عادل من شأنه ان يبدد حالة الاحباط المتنامي بين شعوب المنطقة. ويوافق على رأي جهاد عودة مكرم محمد احمد نقيب الصحافيين الأسبق نافياً ان تكون مصر بحاجة لنفوذ إسرائيل وعلاقتها في افريقيا وتحديداً مع اثيوبيا وقال لـ «القدس العربي» ان قضية المياه تعني بالنسبة للإنسانية جمعاء الحق في الحياة، ولهذا فبالرغم من لغة اللين التي يستخدمها نظام السيسي في التعامل مع اثيوبيا فإن المصريين سيحاربون بأظافرهم لأنتزاع حقهم إذا لزم الأمر. وأضاف مكرم «اعتقد ان اثيوبيا تتعامل مع سد النهضة بالمنطق نفسه الذي تعاملت به مصر مع ملف مشروع السد العالي الذي فرضته مصر فرضاً». وتابع نقيب الصحافيين: الحرب على الإرهاب هو سر التقارب المصري الإسرائيلي. مشدداً على ان إسرائيل قدمت لمصر تنازلات كبرى حيث استجابت لكل طلباتها بشأن الأوضاع في سيناء وتغاضت عن العديد من البنود بشأن اتفاقية كامب ديفيد وذلك لأن من مصلحتها دحر قوى الإرهاب التي تشكل خطورة كبيرة عليها. واثنى مكرم على ما يقوم به الرئيس السيسي من انجازات ضخمة في مجالات التنمية خاصة في مجال الاسكان الشعبي متهماً قوى اليسار بأنها هي التي تشن عليه الحرب والتشويه وذلك لأنه يهتم بالفئات الشعبية الفقيره مما يعني ان ركائز حكمه تتوطد يوماً بعد يوم وهو ما يعني ان مستقبله محفوف بالنجاحات والانجازات على عكس ما يروج له خصومه بالرغم من التراجع المحدود لشعبيته بنسبة تصل لـ 18٪ بحسب بعض الإحصاءات الموثوق بها وهي نسبة لا يراها نقيب الصحافيين الأسبق تهدد الرئيس مستقبلاً.

هرتزل لم يكن يحلم بهذا

في المقابل يقف خصوم السيسي في الجهة المقابلة لمن ينفون وجود تقارب بين مصر وإسرائيل في عهده، ويصل هؤلاء الخصوم لحد الاعتراف بأن سادة إسرائيل التاريخيين الذين ينامون في قبورهم الآن وعلى رأسهم هرتزل الذي نادى بوطن قومي لليهود، لم يكن يحلم أن تصل العلاقات مع أكبر بلد عربي إلى مثل ما هي عليه الآن. حيث باتت إسرائيل كيانا محتملا ومرغوبا فيه، بل وتسعى الكثير من البلدان العربية والإسلامية للتقرب منها. احمد قناوي مؤسس لجنة القدس في نقابة المحامين ما زال يصر على أن معاهدة كامب ديفيد وراء ما حل من الكوارث على مصر وأبرزها تراجع دورها عربيا، فضلاً عن غياب كل أشكال التنمية في سيناء خلال زمن مبارك.
وأكد قناوي ان الشعب المصري ينظر لإسرائيل باعتبارها سرطانا ينهش في جسد العرب والمسلمين وأن «التطبيع خيانة»، غير ان قناوى يعترف أن القوى المناهضة للتطبيع اصيبت بالوهن لوجود انقسام سياسي وخوض الجماهير معركة يومية من أجل حقها في الغذاء.
ومؤخراً قال السيسي إن «علاقات مصر مع إسرائيل يمكن أن تكون أكثر دفئا إذا تمكنا من صنع السلام مع الفلسطينيين». وفي هذا السياق يرى الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، إن زيارة سامح شكرى وزير الخارجية لإسرائيل تشير إلى ان القاهرة باتت متأهبة لعلاقات حميمية وغير مسبوقة مع إسرائيل بغض النظر عن موقفها من القضية الفلسطينية. ووصف نافعة الزيارة بأنها لا تخدم القضية الفلسطينية على الاطلاق حيث تبدو إسرائيل متعجرفة وشديدة الاصرار على المضي قدماً في اسلوبها الهمجي تجاه الفلسطينيين وتسطو على مزيد من الأراضي لبناء مستوطنات فيما يبدو الموقف مأساوياً فيما يخص تعامل العرب معها.
وتابع: إذا كانت زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري لإسرائيل الهدف منها التصدي للغطرسة الاثيوبية من خلال الاستعانة بـ «العدو» لمواجهة أزمة سد النهضة، فهي كارثة كبرى، مستنكرا أن تلجأ مصر الدولة المؤسسة للاتحاد الافريقي ولمنظمة الوحدة الأفريقية لدولة الاحتلال، مؤكدا أن هذا التصرف يعطي مؤشرا عن غياب تام لدور مصر المؤسس والرائد في أفريقيا.
ويبقى السؤال يبحث عن إجابة إلى أي مدى ستتطور علاقة مصر مع إسرائيل في المستقبل؟ هل ستسفر عن مزيد من التعاون في المجالات كافة أم ان الأمر سيعود لسابق عهده من الجفاء؟ المؤشرات على الأرض تؤكد ان ما بين القاهرة وتل أبيب مجرد نزوة لا تزيد عن مجرد خلوة غير شرعية بين خصمين اجبرتهما الظروف على استقلال قارب مشترك وتبقى الضمانة الوحيدة في شعب يرفض التصالح ولو منحوه الذهب.

ما بين مصر وإسرائيل خلوة غير شرعية

حسام عبد البصير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية