بات من الواضح أن المتابعة الحثيثة لعشرات الملايين من العرب لأحداث الانقلاب الفاشل في تركيا، حتى ساعات الصباح الأولى، تخفي وراءها أكثر من مغزى، وتطرح أكثر من تساؤل. فلماذا كل هذا الاهتمام؟ وما الذي يدور في أذهان العرب؟ فدقات القلوب تسارعت، والعيون تترقب، والأطفال أخرجوا من غرفة التلفزيون تحت ضغط التوتر وتسارع الأحداث.
لاشك أن فشل الانقلاب في تركيا أنعش آمال الشعوب العربية في استئناف الحراك الشعبي الكبير الذي بدأ منذ أكثر من خمس سنوات في الساحات العامة، وأنهى ، في حينه، حالة الركود المقيتة التي سيطرت على المنطقة منذ مرحلة الاستقلال في خمسينات القرن العشرين. تقول الأمثال: رب ضارة نافعة، فالانقلاب دفع بالألوف من الأتراك إلى النزول للشوارع، ومساندة الديمقراطية، في مشاهد ذكّرت العرب بمشاهد الملايين في ميادين وساحات المدن العربية، كأنما أحيت فيهم أشياء عزيزة على قلوبهم.
فشل الانقلاب في تركيا نبش الجمر من تحت الرماد، وأعاد شحذ الهمم، وجعل القلوب تدق من جديد، أملاً بعودة الشارع إلى الواجهة، بعد التعثّر الذي واجهه بسبب الثورات المضادة التي شارك فيها القاصي قبل الداني. ثورات مضادة قادها المثقفون قبل العسكر، ورجال الدين قبل رجال المخابرات، وقوى الممانعة قبل القوى المعتدلة، وتسابق في خدمتها كل من اليمين واليسار.
فشل الانقلاب في تركيا بيّن، وبوضوح، أن شعوب العالم العربي، ما زالت تشعر بداخلها، أنها تستطيع القيام بالكثير ، وأن لها دوراً عليها القيام به، وكل ما هنالك أنها تتحين الفرص المناسبة للعودة من جيد.
فشل الانقلاب، بيّن، وبوضوح سافر هذه المرة، أن لا أحد يريد للديمقراطية أن تستقر في المنطقة سوى شعوبها، التي تعاني الأمرين.
فشل الانقلاب في تركيا وضّح، وبشكل سافر جداً مرة أخرى، أن الحرب على الديمقراطية أقوى بأضعاف مضاعفة من الحرب على الإرهاب، وأن الجميع يغمض عينيه، وبشكل مقصود، عن حقيقة أن الدين الحقيقي للإرهاب هو غياب الديمقراطية.
فشل الانقلاب في تركيا، والألوف التي نزلت إلى الشوارع وساهمت، إلى حد كبير، في دحر الانقلاب، وأعادت وضع أيدي حكام المنطقة على قلوبهم من جديد، وأعطت دفعة للربيع العربي، من الواضح أنه بحاجة ماسة لها، أكثر من أي وقت آخر.
فشل الانقلاب في تركيا بيّن أن تجربة « المزاوجة « بين: الديمقراطية والإسلام، بين الحداثة والدين، بين العلمانية والشريعة، تجربة قابلة للحياة والنجاح، حتى في أحلك الظروف. وهذا يعني أن فشل الانقلاب وجه ضربة أخرى للقوى التي تسهر الليالي لدق الأسافين بين الديمقراطية والمسلمين. استمرار ونجاح تركيا ديمقراطية علمانية إسلامية بنفس الوقت، أعتقد أنه يشكل أكبر خطر على القوى النافذة في المنطقة، سواءً كانت قوى علمانية مزيفة أو القوى التي تسييس الإسلام.
فشل الانقلاب في تركيا فضح أدونيس من جديد، وبيّن أن الجوامع تريد الديمقراطية أكثر مما يريدها هو.
كاتب سوري
رشيد الحاج صالح