في معظم الروايات العراقية التي صدرت بعد التغيير عام 2003 اتهامات وضعت الوطن موضع تساؤل ومساءلة، وبعضها الآخر يتحرى الغربة داخل الوطن، وعمق الأزمة التي يعيشها الإنسان في وطن لا يحميه، ومن هذه الروايات رواية «ملف بروك» وراقون للنشر والتوزيع ط1 2015. وهي الرواية الثانية للروائي ياسين شامل حيث يبني الروائي عالمها، من وقائع تنتمي إلى زمن ما بعد التغيير في العراق، ويطرح فيها أسئلة وإشكالات الحياة المعاصرة فيه، ومن أهم هذه الأسئلة أسئلة الهوية المزدوجة والانتماء للماضي، وعلاقة كل ذلك بالتغيرات في الحياة العراقية المعاصرة.
الهوية في وطن بديل
لقد أصبح من المعتاد أن يعلن الفرد هويته المزدوجة، في عراق ما بعد التغيير، بل أن يتصدر المسؤولية السياسية كوزير او نائب، بعلاقة مباشرة بالتغيير العاصف في البنية التحتية لصالح الاستثمار الخاص والأجنبي في معظم المرافق الاقتصادية في البلد، وعلى خلفية من التردي للأوضاع الأمنية وتجاوزات على الحريات الفردية، التي وضعت الفرد على مفترق طرق، ما عمق الغربة داخل الوطن وطرح خيارات الهجرة عنه إلى بلاد توفر الحماية والأمن والحياة الكريمة.
كل ذلك يجسده الروائي ياسين شامل في روايته بعالمين مترابطين بشكل دقيق: ماض بكل انكساراته ورعبه وعسفه، وحاضر ملتبس غائم الملامح بلا ضمانات بحياة مستقرة وكريمة، وفق صيغة سؤال يطرحه السارد/ الشخصية في نهاية الرواية، يقول السؤال «هل تقبل (آنا) أن تعود إلى البلد الذي مزقها؟ وهل لي القدرة على ترك كل شيء في بلدي والبقاء مع آنا في هذا البلد الذي أعطاها الكثير؟» نهاية الرواية، لتبدأ الرواية سيرتها من جديد في عالم المتلقي هذه المرة الذي سيكتب رواية ثانية تستفيد من شخوص هذه الرواية وأحداثها وهي تقنية تستحث مخيلة القارئ كي يجد جوابا أو واقعا جديدا لحياة يطمح أن يجدها صادق عادل المانع وحبيبته (حياة / آنا) بعد أن انتهى بحثه الطويل عن ماضيه الغائب. السؤال يعيدنا إلى بدايات الرواية وحركة الشخوص فيها، من أجل ترتيب الأحداث والشخصيات بشكل يسهم في تأويلها وصياغتها وفق هذا التاويل.
وتبدو شخصية صادق منزوعة من تاريخها الشخصي فهو بلا «أهل ولا أقارب وقلة الأصدقاء» وهو لا يتذكر «شيئا أو لعلي محوت كل ذكرياتي» وهو يعيش في بيت أنيق، فيه كل متطلبات الحياة المدنية، ولا يحتاج إلى أي شيء.
وبهذا المعنى فإن صادق، يعيش يومه مكتفيا بسعادة يومه من دون هموم أو تساؤلات، وهو نموذج لفئة عريضة من الشباب تحمل رغباتها، من دون علاقة بالعالم الذي يحيطها، وهي فئة عريضة نشأت في ظروف الفترة السابقة للتغيير، ثم جاء التغيير بأخلاقياته ليؤكد مذهبها في الحياة «الانغلاق على الذات والمصلحة الأنانية لها دون العلاقة بالآخر». وصادق المانع مخلص لولي نعمته من دون شكوك او حتى أسئلة عن ثروات هذا الولي، ويرفع شعارا يقول «تغيرت المصالح، وتغير الزمن، وتغير البشر وتغير العمل».
أما إشكالية حياته فتبدأ من الرسالة الإلكترونية التي تصله عبر بريده الإلكتروني، التي تشعره بوجود ملف يهمه، مودع في عنوان خارج وطنه، ليعيش حالة استنفار ويبدأ رحلة بحث تنتهي بسؤال معلق موجه لمتلق يستطيع أن يشركه في حياته التي اهتزت وتزعزعت وتلعب المصادفة والافتراض على تحقيق وصوله إلى ذلك الملف الذي يطلق عليه (ملف بروك) وهو ما يشير إليه عنوان الرواية .
يمهد المؤلف طريقا لشخصيته الرئيسة، للسفر والحصول على الملف بتسهيلات وخطط تبدو منطقية ضمن حياتنا المعاصرة، حين يضعه موظفا مهما في شركة أجنبية لها مصالح مع الشركات الأجنبية، وهي إشارة ذكية لارتباط الرأسمال المحلي بالأجنبي منذ بداية التغيير فزمن الأحداث عام 2004، وبهذا المعنى يسافر صادق ويبحث، ويتعرف على شخصيات نسائية ورجالية.
ملف بروك / العلاقة بالآخر الأجنبي
يستثمر الروائي تقنية الملف وهو على شكل يوميات كتبها بتريلا أكرمان الأجنبي العامل في الصليب الأحمر إبان حرب الخليج الثانية التي أدت إلى احتلال العراق، وهو عبارة عن رسائل يخاطب فيها أكرمان صادق المانع، مستعيدا له ذاكرته التي مسحها ولم يعد إليها، بتفاصيل متنوعة عن شخصيته في الأسر وقبل الأسر وكأنه سارد عليم بشؤون صادق، أو هو ذاكرته الشخصية التي تسرد يومياته وتعلمه عن عالم الماضي الذي انمحى من ذاكرته، وهي تقنية، تتوفر على المقومات الموضوعية والصدق، لأنها خارج وعي السارد الرئيسي صادق المانع، وهي تتمتع باستقلالية عنه، وتسرد من قبل شخصية حيادية ليست لها علاقة بالحكاية التي يرويها وكأنه مشاهد من خارج الكواليس، يشاهد ويسجل، وهدفه الجمع بين شخصيتين فرقت بينهما ظروف عصيبة.
غير أن دخول صوت أكرمان في السرد كتقنية بديلة عن تداعي الذاكرة واحتيازه على مساحة واسعة فيه يثير العديد من الأسئلة: فهو ملف كتبه أجنبي، يمثل تقنية لإيقاظ الذاكرة وإعادة العلاقة بين (حياة) وصادق بديلا عن الذاكرة المعطوبة للسارد صادق المانع، لكنه يثير سؤالا يتعلق بكتابة تاريخنا من قبل الأجنبي، أولا، وثانيا يلقي أسئلة أخرى حول العلاقة بالأجنبي الذي حفلت الروايات العراقية بالتشكيك فيه وبنواياه، فهو في هذه الرواية يمتلك صوتا مؤثرا، سواء من خلال إعادة ترتيب حياة صادق المانع العبثية أو باحتضان العراقية (حياة) بعد هجرتها واعتبارها ابنته وإعطائها حرية التصرف بثروته باعتبارها وريثة شرعية له، مما يثير أسئلة جادة عن ماهية الهوية التي يبحث عنها صادق المانع في توجيه سؤاله إلى المتلقي بعد أن اتضح صوت أكرمان وما يريده من صادق المانع.
جدارية الانتماء والهوية المزدوجة
يسرد صادق عادل المائع جدوى حياته بجملة قصيرة دالة يسعى إلى تحقيقها «جئت إلى الحياة من دون إرادتي، لا مفر، لكنني أرى أنني استحق العيش بإرادتي كأي مخلوق بشري في هذا الوجود. مهما كانت الرؤى مختلفة، لعلي أستطيع أن أطوع معطياتها من أجل جدوى الاستمرار».
ووفق إرادته وإمكانياته في تطويع الرؤى المختلفة لهذا الهدف، يعمد السارد ومن ورائه الكاتب إلى إنشاء جدارية، ستكتمل خلال منعطفات السرد، أساسها جملة فعلية طويلة يقودها وينظم فقراتها الفعل المضارع الذي يصاحب صوت السارد، في كل ما يسرده بضمير المتكلم وهو يستمر حتى حين يظهر صوت أكرمان في الملف المصاحب للشخصية باعتباره ماضيا منزوعا من ذاكرته، وبضمير المخاطب الذي يجعل المتخاطبين وجها لوجه، غير أن صوت أكرمان يبقى صوتا آخر وليس صوته الداخلي، لأن صادق المانع لم يعترف من خلال صوته المباشر بالأحداث التي يرويها أكرمان وكأنها لا تخصه أو أنه انتهى منها وركنها جانبا. هل تكتمل الجدارية بالانتماء إلى الماضي أم إلى الحاضر الذي أثثه ورعاه الأجنبي أكرمان؟
في نهاية الرواية يستثمر الروائي لغة مجازية محملة بالاستعارات بديلا عن الأحداث ليعبر الهوة بين الماضي والحاضر وليؤسس جداريته الجديدة من موزاييك الحياة المعاصرة مستغلا التغيير في بلده والانفتاح على الآخر الأجنبي بإنجازاته وحضارته وحرية أفراده الشخصية، طاردا منها عناصر البناء القديمة المتمثلة في رمال الصحراء التي كانت تغشي بصره ولينتمي إلى (آنا) البديلة الجديدة من (حياة) القديمة، وبهذا المعنى يستكمل جداريته حيث يرى وجه (آنا) المشرق «وهي تلوح لي بالمنديل الأبيض وقد أخذت حيزا وترسخت في جداريتي الجديدة التي تشكلت بصورة مختلفة».
٭ كاتب عراقي
جميل الشبيبي