لطالما ظلت جدلية الصحافة والسلطة حبيسة مفترق طرق علاقة أخلاقية مضنية.
ولطالما اقترنت الصحافة عموما والصحافة السياسية خصوصا بالسلطات الرئيسية الثلاث المشكلة للدولة، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وربما من هنا جاءت تسمية صاحبة الجلالة بالسلطة الرابعة، في علاقة جدلية وبنية تفاعلية تجمع بين المكونات الأربعة في بوتقة واحدة لا فصام في عراها، تتغذى على بعضها أو تغذي إحداها الأخرى وتصوغها على شاكلتها، وتحدد مساراتها صعودا أو هبوطا على مستوى الأداء الوظيفي وحرية التعبير وإبداء الرأي وحق الجمهور المستهدف في الحصول على المعلومة الصحيحة والرأي الحر.
ولعله من نافلة القول إن غياب إحدى السلطات الثلاث أو جميعها ينعكس بالضرورة على طبيعة أداء وسائل الإعلام وفي القلب منها الصحافة، ولاسيما في النظم الاستبدادية، التي تختزل سائر تلك السلطات في سلطة واحدة، أو في قبضة شخص واحد يسمى الطاغية.
في هذه الحالة المنتشرة كالطاعون في مشرقنا العربي، الذي يشهد منذ تشكل النظام الرسمي العربي في أعقاب موجة الاستقلالات الوطنية الشكلية في النصف الأول من القرن الماضي، حالة محتدمة من الصراع والمد والجزر بين طرفي المعادلة، المشتغلين في ميدان الصحافة التواقين إلى الاستقلال من جهة، وأجهزة الدولة القمعية الساعية دوما إلى تشذيب وتكميم الأفواه من الجهة الأخرى.
وكان من الطبيعي أن تتصاعد وتيرة هذا الصراع وما يرافقها من محاولات لاستقطاب الصحافيين إثر اندلاع ثورات الربيع العربي، من خلال اعتماد كافة الوسائل والأدوات الممكنة، المشروعة وغير المشروعة منها، بل أن الأخيرة كانت على الدوام السمة الأبرز في تلك المحاولات، التي جاءت معبرة بإخلاص منقطع النظير عن نظرية الترغيب والترهيب المعروفة، فمن لا يسمح لنفسه من الصحافيين بالوقوع فريسة الإغواء المادي أو الرفاه البيولوجي، سيجد نفسه منفيا هائما على وجهه خارج حدود الأوطان أو مجردا من إنسانيته ومهنته خلف القضبان، حيث تنعدم المساومات والحلول الوسط في إطار معادلة تقول «إما معي أو ضدي»،» إما صديقي أو عدوي»، وتجربة نقابة الصحافيين المصريين الأخيرة في مواجهة شطط السلطة السياسية خير دليل على حسن نفاذ هذه المعادلة، فبعد أن ساندت قطاعات واسعة من الصحافيين المصريين الانقلاب الذي قاده السيسي، ها هم يلفظون على يد من منحوه دعما لا يستحقه في غفلة من الواقع السياسي، الذي كانت تعيشه مصر عشية الانقلاب، الذي شكل رأس حربة الثورات المضادة في سائر تجارب ثورات الربيع العربي.
المتابع لحركة الصحافيين المصريين وحراكهم إثر ثورة 25 يناير 2011، يدرك معنى العودة الجماعية للكثير منهم إلى ربوع الوطن، وتخليهم عن حيواتهم الرغيدة واستقرارهم الوظيفي خارج البلاد، الأمر الذي أثار استغراب ودهشة الكثيرين في تلك اللحظة السياسية الفارقة من عمر الثورة المصرية المعاصرة ـ ودفع البعض إلى التفاؤل حيال عودة الأمور إلى نصابها في الخريطة الجيوسياسية العربية الجديدة من حيث توزع مراكز القوى وصناعة القرار، في سياق تأرجحها بين مركز مصطنع وأطراف لطالما لعبت دور ذلك المركز بصورة طبيعية تفرضها حقائق تاريخية وجغرافية دامغة، لكن سرعان ما اتضحت الصورة وتمظهرت تفاصيل المشهد الجديد عندما تصدرت أسماء هذه المجموعة من الصحافيين وسائل الاعلام المصرية عموما، والمكتوبة منها على وجه الخصوص، وانخرطت أصواتهم وأقلامهم في بوتقة المدافعين عن الحركة الانقلابية التي قادها السيسي، وتمكنت بالتحالف مع بقية قوى الثورة المضادة من كسر إحدى أهم حلقات الربيع العربي ولو إلى حين، فهل كانت موجة العودة هذه مجرد صدفة أم أنها نوع من الوعي بتاريخية اللحظة وضرورة المشاركة في رسم معالم مصر الجديدة؟
ليست صدفة بالتأكيد، لكنها أشرعة الصحافة التي تتراقص، عادة أو في هذه الحالة على أقل تقدير، على ايقاع مصادر التمويل، التي تقبض بيد من حديد على مصائر المشتغلين في الميدان الصحافي وتتحكم بمصادر رزقهم واسترزاقهم في صيغة لا ترحم ولا تلين، وربما في هذا السياق وحده يمكن تفسير غياب تلك الأسماء عن هبة نقابة الصحافيين المصريين الحالية، التي جاءت اثر اقتحام قوات الأمن المصري النقابة وسط القاهرة والاعتداء على عدد من الصحافيين المعتصمين داخلها والقاء القبض على اثنين منهم هما عمرو بدر ومحمود السقا بتهمة التحريض على التظاهر، التي لا تشكل سوى رأس جبل الجمر المتراكم تحت الرماد الذي يخفي تحته غليان حراك جماهيري مصري قادم لا محالة.
الصحافة مهنة، وهذه المهنة تقود أولئك الذين يمارسونها إلى الحفاظ على تواصل دائم مع السلطة. ومسألة اظهار الحقيقة أو إعادة صياغتها تفترض الالتزام بهذا الواقع وتبني موقف أيديولوجي لعكسه على صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات، في حين تجاوز الزمن ذلك النقاش البيزنطي الطويل حول ما إذا كان من الممكن أن تتصف الصحافة بالموضوعية، مثلما تخطى محاولة الاجابة على السؤال المؤرق «ضد من أنت محايد؟»، الذي طرحه مارك توين، فالتحدي يرتكز هنا على ضرورة اتخاذ موقف ذاتي مبني على الصدق الفكري، مع التأكيد على أن الأخلاق في عالم الصحافة ليست مشروعا بعيد المنال، ولكنها شرط لا غنى عنه لتحقيق أو استرجاع الضمانة الوحيدة لاستمرارية وبقاء الصحافة: ثقة الجمهور، ذلك أن مصداقية وسائل الاعلام لدى الناس تعتمد إلى حد كبير على مدى التزام الصحافيين بقضاياهم الحيوية.
الصحافة والسلطة وجهان لعملة واحدة. فكلما كان الصحافي ملتزما بوصف الواقع، كان عليه بالضرورة مواجهة السلطة. وهما يمثلان خطابان متباينان وقد يصبحا عدائيين عند نقطة معينة. وهذه المواجهة، على عكس ما كان متوقعا، لا تحدث فقط في حالة ما يسمى بالصحافة السياسية، حيث العلاقة مع السلطة هي أكثر إلحاحا. فالذين يكتــــبون تقارير الشرطة ويغطون صفحات الحوادث يتعين عليهم أيضا التعــــامل مع «روح العمل الجماعي» الخاص بأصحاب الزي الموحد، فضلا عن أولئك الذين يمارسون النقد السينمائي والذين يتعرضون لضغوط من جماعات نشر أو صناعة السينما، وأولئك الذين يكتبون عن كرة القدم الذين يتعين عليهم رفع رايات أقوى لوبيات الأندية الرياضية الكبرى.
إن تعقيد المجتمع الحديث وتراجع سمعة المؤسسات الرئيسية في المجتمع مثل القضاء والبرلمان والحكومة، قد وضعت على كاهل الصحافة مسؤوليات اضافية وحولتها إلى مرجعية لا غنى عنها عندما يتعلق الأمر في إعادة تأمين ثقة الناس بالعمل المؤسسي والاشتغال في ميدان الشأن العام في الديمقراطيات الشابة المتعثرة. الصحافة اليوم هي المهمة الأساسية للبحث والتمحيص والاستقصاء، حيث تفترض المهنية دائما رفض الإصدار الأول من الحقائق والقصص الخبرية والأخبار، مشككة بالكلام الرسمي مهما كان مصدره تناغما مع حالة انعدام الثقة الاجتماعية بالطبقات الحاكمة في سائر النظم السياسية في المشرق العربي.
كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة