أسفير شبْ ، المرأة الحديدية ذات الجمال السلافي والوجه الحزين، مخرجة روسية طواها النسيان، أو كادَ. عملت في عشرينيات القرن الماضي مخرجة على إعادة توليف مواد مصورة مسبقاً أو مأخوذة من مخزونات الأرشيف السينمائي الروسي، وهي أول من استعمل الصوت في السينما السوفييتية.
لكي نفهم حقيقة الدور الذي لعبته شبْ، يتعين علينا أن ندرك أن الفيلم الوثائقي لم يكن يحظى في ذلك التاريخ من بداية القرن العشرين باهتمام الجمهور فحسب، بل ولم يتبلور بعد بالمعنى الاصطلاحي المعروف عن الفيلم الوثائقي راهناً. وكان على محبي «سينما الواقع» انتظار صدور فيلم «نانوك الأسكيمو» وهو واحد من أجمل الأفلام الوثائقية للمخرج الأمريكي روبرت فلاهيرتي عام 1922، وعلى هذا الفيلم تحديدا أطلق جورن غريرسون تسمية «الوثائقي» في إحدى كتاباته النقدية، حيث أعتبره جنسا سينمائيا منفصلا عن أفلام الخيال أو الأفلام الروائية.
وقفت شبْ في بداياتها الفنية مع التيار اليساري الذي حارب السينما الروائية باعتبارها إرثا برجوازيا لا قيمة له ودافعت عن سينما الواقع.
في مقال لها ظهر في جريدة «ليف» وهي جبهة الفن اليساري كتبت شبْ: «لسنا بحاجة إلى ممثلين أو ديكور ولا إلى ورشات الرسم، لسنا بحاجة إلى مسرح ولا إلى أدب الخيال أو تكوينات وألوان فطاحلة فن الرسم».
من المهم أن نسجل أن الزمن الذي عاشت فيه صانعة الأفلام الروسية وهو (العقد الثاني من القرن العشرين) كان زمنا ثوريا بامتياز لا يقبل بالحلول الوسطى. والزمن الثوري ليس مؤشّرا لمرحلة تاريخية فحسب، وإنما هو مفهوم سياسي وجمالي يحمل في طياته خيارات أيديولوجية ومواقف جمالية للقوى المنضوية تحت لوائه. فما حصل في روسيا مطلع الثورة الاشتراكية هو أن النخب اليسارية في المجتمع الروسي طالبت بسحق وتحطيم القديم، بما في ذلك تقاليد الفن ومرجعياته ووجهت أسلحتها التدميرية مأخوذة بصرخات «أورا» الحماسية، نحو كل الأهداف التي وقعت تحت زاوية نظرها، في حالة من العماء والتدمير والغضب الثوري العارم.
لقد راح ضحية هذا الغليان الجماهيري والحماس الثوري في بدايات الثورة الكثير من المخطوطات المهمة وروائع الفن الروسي، إضافة إلى الكنائس ذات العمارة الروسية الفريدة بجدارياتها البهية التي تعود إلى بدايات المسيحية في روسيا، التي سُويت بالأرض باعتبارها أشياء تعود إلى العصر القديم الذي يجب أن يذهب غير مأسوف عليه.
هذا ما حصل إبان ثورة أكتوبر/تشرين الأول الأشتراكية العظمى. رغم أن الثورة قضت على النظام القيصري المتخلف وبدعم من النخب الثقافية الروسية في حماس منقطع النظير، لكن جموع المثقفين الذين دافعوا عنها وبضمنهم كوكبة مهمة من السينمائيين سرعان ما احترقوا بنار الثورة نفسها، كالشاعر الروسي فلاديمير ماياكوفسكي الذي كان ممثلا وكاتب سيناريو أيضا، والمخرج المسرحي العالمي سيفولود مارهولد وسيرغي أيزنشتاين ودزيغا فيرتوف… والقائمة تطول؛ بعضهم من قتل وآخرون انتحروا أو قضوا في السجون السوفييتية والباقون كنستهم الثورة إلى قبو النسيان.
في مذكراتها التي نُشرت في اللغة الروسية، تتحدث المخرجة الروسية عن علاقاتها الشخصية مع أهم رموز الثقافة والفن في الاتحاد السوفييتي في زمن الثورة البلشفية وعلى رأسهم صاحب فيـــلم «المدرعة بوتومكين»- سيرغي أيزنشـــتاين الذي تعرفــــت عليه عام 1018 أثناء عملها في أحد مسارح موسكو عندما كانت ســكرتيرة شخصية للمخرج العالمي سيفولود ميرهولد.
ارتبطت شبْ بصداقة حميمة مع أيزنشتاين قبل أن تلتهمه هو أيضا نار الثورة التي أخرج لها مجموعة من أجمل الأفلام العالمية كفيلم «المدرعة بوتومكين» و»إيفان الرهيب». (غضبَ ستالين على أيزنشتاين بسبب الجزء الثاني من فيلمه إيفان الرهيب ومات المخرج بعد ذلك بفترة قصيرة معزولا في شقته في موسكو وكان في الخمسين من عمره تماما كما أخبرته عرافة مكسيكية أثناء إقامته في المكسيك بأنه سيموت في هذا العمر)، ووحيدا انتظر ساعة موته التي حددتها له تلك العرافة.
جمعت أيزنشتاين وشبْ لقاءات عديدة، عملا خلالها في شقتها على تقطيع ولصق أطراف الأشرطة التي تعود لأفلام مختلفة وصنعا أفلاماً جديدة. والطريف في الأمر أن أيزنشتاين بدأ أولى تجاربه السينمائية والمونتاجية في تلك الشقة مع أسفير شبْ، هذا الفن الذي أصبح لاحقاً واحداً من مبدعيه ومنظريه في العالم.
كان أيزنشتاين يرغب أن تتعاون معه شبْ في فيلمه «الإضراب» وعرض عليها العمل معه ولكن لم تكن السينما الروائية من أولوياتها فرفضت العرض مفضلة العمل في السينما الوثائقية، فتصوير الحياة بكل تفاصيلها الصغيرة من دون ممثلين ولا إستديو كان يمثل قمة شغفها وولعها السينمائي، وهذا موقف يحسب لها باعتبار أن دفاعها عن سينما الواقع في ذلك الزمن، عندما لم يكن للسينما الوثائقية حينذاك قاموس خاص بها، كان موقفا جريئا وفيه الكثير من بعد النظر. وسرعان ما أصبح تأثيرها في السينما على الصعيد العالمي كبيرا، خاصة في استخدامها لمواد أرشيفية في الأفلام الدعائية والروائية. وهذا يعتبر من أهم إنجازات شبْ السينمائية وإضافاتها في إخراج الفيلم الوثائقي والأرشيفي.
سافرت المخرجة شب إلى سان بترسبورغ بسبب ما أشيع عن أن آخر قياصرة روسيا كان يهوى التصوير، حتى أنه أمتلك كاميرا سينمائية، ومن هناك، فقد بحثت في الأرشيف السينمائي الشخصي لنيقولاي الثاني. (بفضل جهدها ذاك، أصبح لدينا راهنا أرشيف ثمين يحتوي على لقطات ولحظات تاريخية تصور عائلة رومانوف والحياة في روسيا إبان العصر القيصري).
شاهدت شبْ قبل أن تعمل على فيلمها «سقوط عائلة رومانوف»، إنتاج عام 1927، أكثر من 60 ألف متر من الأشرطة الوثائقية وهي مواد متنوعة تعود لفترات زمنية مختلفة مبعثرة ومن دون رابط. لكن نجاح الفيلم جاء بفضل ريادته وتركيب مشاهده التي أبرزت حياة الرفاهية التي كان يعيشها القيصر نيقولاي الثاني وحاشيته من الأرستقراطيين الروس وكبار الإقطاعيين في حين كان الشعب يعيش حياة البؤس والفقر المدقع. وهو فيلم ثوري كما العديد من أفلامها التي تميزت بعناوينها الداخلية التهكمية، وذلك لأعطاء أفكار ثورية ساخنة.
أما فيلمها المهـــم الآخــــر وهو «إســبانيا» فيعود تاريخ إنتاجه إلى عام 1939 ويتحدث عن الحرب الأهلية الإسبانية وسقوط مدريد على يد الجنرال فرانكو. إنه فيلم أرشيفي مهم من أفلام البروبوغاندا والدعاية السياسية التي كانت في أوجها في ذلك الوقت قبل بداية الحرب العالمية الثانية.
فهذا العصر الذي أصبح عصرا لسينما البروبوغاندا انتقلت فيه حلبة الصراع السياسي والأيديولوجي إلى الشاشة البيضاء وتوارت «سينما الواقع» خلف بهرجة أضواء إعلام الدولة المهيمن على الصورة ومضامينها. ويا للمفارقة، أننا نعيش حاليا عودة سينما البروبوغاند تلك إلى شاشات العرض فقد أصبحت في متناول أيدينا بفضل تقنيات العرض الرقمية.
فالسينما (وبضمنها الصورة) كانت ومازالت أداة سياسية قوية في الصراع الأيديولوجي العالمي بين نظامين متناحرين والكاميرا لم تكن سوى سلاح فعال في هذا الصراع ورمز قوي يشير إلى فوهة بندقية.
٭ مخرج وأكاديمي عراقي