تقارير غربية: الأتراك ضحكوا عندما سمعوا عن تحرك الجيش فقد ولى زمن العسكر

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: في تاريخ الانقلابات السودانية وما أكثرها منذ استقلاله قصة جندي ركب دبابته وانطلق بها نحو القصر الجمهوري على نهر النيل للإطاحة بالنظام القائم ولم ينجح بالطبع.
استبدل البيل بمضيق البوسفور لتعثر على انقلاب «سخيف» حاول فيه الانقلابيون الإطاحة بزعيم شعبي لم يحظ زعيم مثله بالدعم والشعبية منذ المؤسس الأول لتركيا الحديثة، رجب طيب أردوغان.
لكل هذا ستدخل المحاولة الانقلابية يوم الجمعة التاريخ كدراسة حالة «في السخافة» كما يرى المعلق روجر كوهين في «نيويورك تايمز» فلم يقم الانقلابيون بمحاولة لاعتقال أو تكميم القيادة السياسية التركية القائمة ولم يكن هناك قائد مستعد لتولي القيادة ولا استراتيجية تواصل أو معرفة بأثر وسائل التواصل الإجتماعي ولا قدرة على التعبئة الجماهيرية سواء داخل الجيش أو المجتمع.
فقط مجموعة من الجنود الذين احتلوا جسرين في اسطنبول وهاجموا بعض المباني الحكومية في العاصمة أنقرة. ولم يحتج أردوغان إلا إلى مكالمة عبر هاتف «آي فون» مستخدماً تطبيق «فيستايم» لكي يحبط المحاولة الانقلابية التي أدخلت تركيا في مرحلة من الفوضى وعدم الاستقرار.

تحديات

وجاءت في وقت تواجه فيه أنقرة تحديات من الانفصاليين الأكراد وتنظيم «الدولة» في العراق وسوريا وتدفق ملايين المهاجرين من سوريا التي تعيش حرباً أهلية في عامها السادس وتحديات محلية تتعلق بالحريات العامة وتكميم الصحافة واتهامات لأردوغان بميول استبدادية ومحاولة لتعديل الدستور التركي بشكل يمنحه سلطات تنفيذية أوسع.
ويضاف إلى هذا كله حزمة من المشاكل الاقتصادية النابعة من تراجع السياحة بسبب تدهور العلاقات التركية مع الجيران والمقاطعة الاقتصادية الروسية على خلفية إسقاط الطيران التركي مقاتلة روسية العام الماضي.
ومن هنا تأتي المحاولة التي اتهم رئيس الوزراء بن علي يلدريم وأردوغان رجل الدين المنعزل والغامض الذي يعيش في بنسلفانيا فتح الله غولن بالوقوف وراءها في وقت نسي فيه الأتراك الانقلابات التي عانت منها البلاد منذ عام 1960 و 1973 و 1980 والانقلاب الناعم عام 1997.
ولاحظ باتريك كينغزلي مراسل صحيفة «أوبزيرفر» الموقف اللامبالي للسكان من وجود الجيش على الجسر.
وسجل قائلاً «عندما قام الجيش بإغلاق جسر البوسفور في اسطنبول في الساعة 10.30 لم يشك أحد في التحرك وظن الناس أن له علاقة بتهديد إرهابي، ثم جاءت الأخبار بعد 20 دقيقة عن اقتتال في أنقرة، وكان الرئيس غائباً ورفض المتحدث باسمه التعليق»، وفي اسطنبول ضحك الناس من فكرة الانقلاب واعتقدوا أن عصرها انتهى.

فاشل

إلا أن الانقلاب منذ البداية كان محكوماً عليه بالفشل كما يرى إدوارد لوتوولك في مجلة «فورين بوليسي» حيث خرق المتآمرون القاعدة الأولى والثانية من التخطيط للانقلابات، فالثانية هي أنهم لم يجهزوا قوات برية متحركة لدعم القوات التي تقوم بالمهام العسكرية من أسراب طائرات وقوات دعم قريبة من مسرح العمليات.
أما القاعدة الأولى في خطط الانقلابات فهي أنهم تركوا رأس الدولة والقيادة السياسية حرة، فلم يتم اعتقالهم أو حتى قتلهم بشكل يفضي لنجاح العملية الانقلابية.
وبدلاً من ذلك فقد منح المتآمرون أردوغان وحزبه فرصة للحصول على تفويض شعبي أوسع والتف الجميع حوله من المعارضة التي طالما اشتكت من قمعه وإلى الصحافة المستقلة التي عانت من الرقابة والتضييق على حرية التعبير ومنحته فرصة للحياة وكذا الشعب الذي أفشل المحاولة الانقلابية.
ومع ذلك تركزت التعليقات الأجنبية على النزعة الاستبدادية عند أردوغان والمخاوف من زيادتها بعد الانقلاب الفاشل وتأثر الحرب ضد الجهاديين في سوريا بسبب «التقلقل» السياسي في بلد يعتبر من أعضاء الناتو ولديه أكبر جيش في المنطقة.
فقد أعلنت الولايات المتحدة يوم السبت عن إغلاق القاعدة الجوية في انجرليك التي تستخدمها المقاتلات الأمريكية للغارات ضد تنظيم «الدولة»، وذلك بسبب إغلاق المجال الجوي التركي.

المستفيد الأول

وفي هذا السياق يرى كوهين في «نيويورك تايمز» أن أردوغان يعتبر المستفيد الوحيد من الاضطرابات حيث سيستخدمها لتوسيع حكمه الأوتوقراطي لتركيا.
ويستبعد الكاتب أن يكون أردوغان قد نظم الانقلاب، كما ورد في تصريحات غولين لعدد من الصحافيين ومنهم مراسل صحيفة «الغارديان» في الولايات المتحدة حيث اتهم رجل الدين النظام التركي بالوقوف وراء المحاولة، في دفاع واضح عن نفسه.
ومع أن الدوافع وراء الانقلاب وهوية الانقلابيين غير معروفة إلا أن المجموعة ربما انتهزت فرصة غياب الرئيس عن العاصمة وحاولت الاستفادة من التذمر داخل المجتمع والانقسام فيه والقضاء على الرئيس وفي وهذه النقطة كانت حسابات الانقلابيين مخطئة وأدت لمقتل أكثر من 260 شخصاً.
ويعتقد كوهين أن الغموض وعدم الاستقرار أصبحا عملة في تركيا أردوغان، فمنذ نكسة انتخابات حزيران/يونيو 2015 يقود الرئيس بلداً أصبح فيه العنف حالة طبيعية. وساعده هذا على العودة وبقوة في انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2015 .
ويرى الكاتب أن اتهام رجل الدين غولين بدون ان يقدم أدلة هو جزء من الأشكال التي يحكم عبرها أردوغان.
ويضيف أن فشل الانقلاب ينبع من رفض الاتراك لفكرة تدخل العسكر في السياسة، فتمسكهم بالمؤسسات الديمقراطية والنظام الدستوري هو الذي قضى على طموحات الانقلابيين «فمهما كان غضبهم على الرئيس لم يرد الأتراك العودة إلى الوراء».
وفي المقابل يرى الكاتب ان انقلاباً سيكون كارثة خاصة أن أردوغان يحظى بدعم واسع في مناطق الأناضول، خاصة بين القطاعات المحافظة «وأضيئت المساجد طوال الليل حيث ردد الأئمة دعوة الرئيس الخروج للشوارع.
ودون شك فأي إدارة للعسكر كانت ستواجه تمرداً شعبياً للإسلاميين وغيرهم كما حدث في سوريا. ولكان ضربة قوية لما تبقى من مؤسسات ديمقراطية وحكم القانون في منطقة الشرق الأوسط».
ولهذا السبب سارع الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري إلى دعوة كل الأطراف في تركيا لدعم الحكومة المنتخبة في تركيا وضبط النفس وتجنب العنف وحمام الدم. ولكن المشكلة كما يقول كوهين هي أن «ضبط» النفس ليس جزءًا من لغة أردوغان. وكما لاحظ فيليب غوردون، المساعد الخاص السابق للرئيس أباما في شؤون الشرق الأوسط «بدلاً من استخدام هذه الفرصة لرأب الإنقسام سيتصرف أردوغان العكس: سيلاحق أعداءه ويضيق على الإعلام والحريات الأخرى ويراكم سلطات أكثر».
وكدليل على هذا يشير الكاتب إلى اعتقال 3000 جندياً متهمين بالضلوع في المؤامرة الانقلابية وعزل 2745 قاضياً.
ويتوقع الكاتب حملة طويلة ضد «الغولينيين» أو حركة «حزمت» والنظام الموازي من الكماليين العلمانيين. وستؤثر هذه الحملات على تماسك المجتمع «ولن ينسى العلمانيون هتافات «الله أكبر» وهي تتردد الليلة الماضية من المساجد ومن الجماهير في الشوارع».
ولا يستبعد الكاتب وغيره من المراقبين دفع أردوغان باتجاه تعديل الدستور من خلال عرضه على استفتاء عام «فلديه مبرر الآن فقوة رئاسية واسعة هي الكفيلة بمنع الأعداء». ويقول جوناثان إيال إن «الديمقراطية التي انتصرت في تركيا سيتم خنقها وببطء».

بين مصر وتركيا

ويقارن الكاتب بين موقف إدارة اوباما من الرئيس المصري محمد مرسي الذي أطاح به الجيش في 3 أيلول/سبتمبر 2013 والمحاولة الانقلابية الحالية. فلم تعبر الإدارة عن دعم لمرسي بل وتجنبت استخدام كلمة «انقلاب» وفي النهاية وقف الرئيس أوباما مع الجنرالات في مصر باسم الإستقرار.
ورغم عدم شعبية مرسي والدعم الذي حظي به الانقلابيون إلا ان المبادئ لم تكن مهمة بالنسبة للإدارة، لأن السياسة في الشرق الأوسط تعني اختيار الأقل سوءا. ففي تركيا فالأقل سوءا هو نجاة نظام أردوغان ولا يعني أن لا يأتي شيء أسوأ بعده. ففشل انقلاب لا يعني انتصار الديمقراطية في تركيا.
ولم تغادر نبرة الشك في المرحلة المقبلة والطريقة التي سيتصرف فيها أردوغان معظم التعليقات الصحافية الأمريكية والبريطانية.
فباتريك كينغزلي انهى تقريره الطويل عن يوميات الانقلاب الفاشل في «أوبزيرفر» بتعليق معلق تركي إن الانقلاب أعطى أردوغان الفرصة لخلق حكومة تشريعية وتنفيذية في الوقت نفسه. وفي تعليقه بالصحيفة توقع سايمون تيسدال ان يكون رد أردوغان قاسياً ووحشياً. ويحلل الكاتب كغيره من المعلقين قسوة أردوغان بأنها نتاج طفولته القاسية في حي فقير باسطنبول وانتخابه عمدة لها وصعوده كنجم في المعارضة حيث لوحق وسجن ومنع من الترشح لرئاسة الوزراء.
وأشار الكاتب إلى حديث أردوغان المستمر عن نظريات المؤامرة والنظام الموازي وحركة غولين. ويعتقد الكاتب أن المؤامرة او «المنحة» ستعطي أردوغان الفرصة للرد. ورغم حديث الكاتب عن عدم شعبية أردوغان بين القادة الغربيين إلا أن فكرة الإطاحة به واستبداله بنخبة عسكرية تظل فكرة سيئة جداً.
وقال إن فترة قصيرة من التعاطف مع الرئيس ستعقب المحاولة الفاشلة. «وسيكون حكيماً ويستخدم هذه اللحظة من التضامن ويتصرف بأخلاقية عالية، ومن الأحسن ان تظهر كرجل دولة هادئ يوحد أمة مصدومة بدلاً من زيادة عدم الإستقرار».
إلا أن الخوف هو من استخدام هذه المحاولة لتصعيد الحرب ضد الأكراد في الجنوب والمعارضة السياسية وتوسيع سلطاته التنفيذية.
و«لو مضى أردوغان في هذا الطريق فسيخسر التعاطف الذي حصل عليه في الخارج وسيتبدد تعاطف الشارع معه. ولو استمر بلوم «الغزاة» واستخدام منظور القوى الأجنبية الشريرة فسيبذر الرأسمال الأخلاقي الذي بناه». ويقول الكاتب إن المبالغة في ردة الفعل هي الآن عدو أردوغان وتركيا.

مفارقة

وتقول صحيفة «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها «من المفارقة لجوء الرئيس التركي طيب رجب أردوغان لحرب العصابات الإعلامية عندما شن الجيش انقلابا ضده يوم الجمعة- بث خطابا من خلال تطبيق «فيستايم» على جهازه أي فون- وطلب من الأتراك معارضة المتآمرين.
ولم يكن السيد أردوغان مؤيدا لحرية التعبير. فقد سيطر وبقسوة على الإعلام وقيد حقوق الإنسان وحرية التعبير» وتضيف «ومع ذلك فقد استجاب الألوف لدعوته وواجهوا المتمردين وتظاهروا مؤكدين أنهم لا يزالون يؤمنون بالديقمراطية رغم تراجع معانيها في ظل أردوغان».
ولم تبتعد الصحيفة عن النبرة المتشائمة التي سادت تعليقات الصحف وتوقعت تراجع الحريات بثمن باهظ سيدفعه الأتراك مما يشكل تحد للمجتمع الدولي الذي يواجه «الدولة الإسلامية» في سوريا. وقالت إن الانقلاب الفاشل سيجعل من أردوغان قوياً وسينتقم وسيستغل الأزمة لسحق ليس المتآمرين من الجنود بل المعارضين من اليسار. وحذرت قائلة إن الشرق الأوسط المشتعل لا يمكنه تحمل دولة جديدة تتفكك، خاصة دولة تعتبر حيوية وحاجزاً للناتو ولديها أكبر جيش في المنطقة وتقول إن حركة الجيش أو قطاع منه هي تعبير عن استعادته لبعض نفوذه حيث يدير حرباً شرسة مع الإنفصاليين الأكراد. ولم تستبعد «نيويورك تايمز» تأُثر الحملة ضد تنظيم «الدولة» في العراق وسوريا من خلال إغلاق القاعدة الجوية أنجرليك.
وفي ضوء الإنقسام داخل الجيش التركي التركي حول أردوغان، فإن إدارة العلاقة بين الجيش الأمريكي ونظيره التركي ستكون صعبة وتؤثر على العلاقات بين البلدين. وسيعرقل هذا الوضع التعاون حول سوريا وقضايا أخرى حسب مسؤولين أمريكيين. وتعترف الصحيفة أن أردوغان يحظى بدعم واسع داخل تركيا وبين الـ80 مليون نسمة كما يظهر الرد على المؤامرة الانقلابية.
ولهذا تأمل ان يفتح الرئيس ذراعيه للمعارضة. مع أنها تختم بالملاحظة أن العكس هو الصحيح مما سيضعف الديمقراطية التركية وقدرة تركيا كعضو مستقر في حلف الناتو.

وقفوا معه

وفي المقام نفسه دعت صحيفة «واشنطن بوست» في افتتاحيتها الرئيس أردوغان إلى تجنب النزعة الإستبدادية وقالت إن أردوغان «المغرور والإستبدادي» نجا من محاولة انقلابية بعد أن وقفت المؤسسات الوطنية الديمقراطية خلفه واصطفت الأحزاب المعارضة التي اضطهدها إلى جانبه وأصدرت بيانات تشجب الانقلاب. وعندما احتل الجنود التلفزيون الرسمي منحت محطات التلفزيون الخاصة الرئيس الفرصة للتحدث مع الأمة، وهي المحطات نفسها التي فرض الرقابة عليها.
وقامت وسائل التواصل الإجتماعي التي كانت عرضة للإغلاق بسبب انتقاده بنشر رسائله.
لكل هذا فعلى أردوغان الذي لقي دعما من القوى الديمقراطية التخلي عن نزعته لتحييد وتدمير المعارضين السلميين والصحافة الناقدة والقضاة المستقلين. لكنها تشك بحدوث هذا. فقد يترك الانقلاب دولة عضواً في الناتو أقل استقراراً وليبرالية يقودها رجل قوي ذو نزعة «بوتينية».
ولا تستبعد تعقيداً جديداً في العلاقات مع الولايات المتحدة. وفي النهاية يعتمد استقرار تركيا في المدى الطويل على الحفاظ على المؤسسات الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني. وعليه يجب على واشنطن أن تفعل ما تستطيع لضبط أردوغان من الرد على الانقلاب من خلال عملية قمع ضد القوى الليبرالية والديمقراطية التي جاءت لنجدته.

مدهش

وعلى العموم تظل المحاولة الانقلابية الفاشلة مثيرة لدهشة المراقبين. وذلك لأن الأحداث في تداعيها وطريقة تخطيطها جاءت على عكس دراسات الباحثون في العلوم السياسية حول الطريقة التي تحدث فيها الانقلابات، فهي عادة تحدث في الصباح وانقلاب تركيا الفاشل حدث في ليلة نهاية الأسبوع حيث يخرج الناس للسهر. وكان جون كيري أول المندهشين «لقد فاجأ الجميع بمن فيهم سكان تركيا»، «وعلي القول، لا يبدو انه مخطط له ونفذ بطريقة ماهرة».
وفي تحليل كتبه ماكس فيشر وأماندا تواب بـ «نيويورك تايمز» جاء فيه أن المحاولة جاءت ضد التيار العام للانقلابات.
فتركيا لم تكن مرشحة لانقلاب حسب جي أولفيلدر الذي يعمل في مجال التنبؤ السياسي ويأخذ في نموذجه الذي طوره عوامل اقتصادية والحريات السياسية والصحة العامة كعوامل تسهم في الانقلابات.
وقال إن احتمال حدوث انقلاب في تركيا حسب الأرقام المتوفرة لا يزيد عن نسبة 25% وهو ما يضعها في المرتبة 56 من بين 160 دولة تواجه مخاطر عدم استقرار سياسي، وما بين لاوس وإيران. وتعتبر تركيا بشكل نسبي بلداً مستقراً.
فالدولة المرشحة لانقلابات عادة ما تعاني من مستوى عال من وفيات الأطفال ومستويات فقر عالية وأداء اقتصادي فقير. وبخلاف هذا فاقتصاد تركيا في نمو مطرد ونسبة وفيات الأطفال في تراجع مستمر.
ويرى أولفيلدر أن مخاطر حدوث انقلاب في تركيا متدنية بسبب الحروب الجارية بالدول القريبة منها. بشكل يدفع سكان البلد للوحدة تحت راية واحدة.
كما تغيرت تركيا منذ عام 1997 وآخر انقلاب حدث منذ 20 عاما. ويضيف الخبراء عاملاً آخر مساعداً في الانقلابات العسكرية وهو ما يطلقون عليه تفكك النخبةـ ففي حالة حدوث انقسام بين النخب القوية، سواء كانت قيادات منتخبة او رجال أعمال وجنرلات أو قضاة فسيحدث تنافس بينها على المصادر بشكل يعجل بحدوث انقلاب. ولم يحدث انقسام كهذا في تركيا. فازدهار الإقتصاد يعطي النخبة سبباً للحفاظ على الوضع القائم.
ورغم وجود نسب من الفساد داخل المؤسسات إلا أن العوامل التي تقود للانقلابات ليست متوفرة.
ولا تعاني تركيا أيضاً من حالة استقطاب تدفع النخب المحرومة للقيام بانقلابات. فقد يكون أردوغان شخصية مثيرة للإستقطاب إلا أنه لا يوجد ذلك النوع من الإستقطاب العميق داخل المجتمع المدني.
ويرى الباحثون بعيداً عن الظروف المؤدية للانقلاب وعدم توفرها في الحالة التركية أن التخطيط لانقلاب مثل وصفة لصناعة كعكة وفي حالة نسيت خطوة واحدة في الوصفة فالكعكة لن تخرج جيدة.
وفي الحالة التركية لم يتبع المتآمرون الخطوات كما يقول نوهينال سينغ المحاضر في كلية الحرب الجوية الذي قال إن الانقلابات الناجحة هي عبارة عن «ألعاب تنسيق». ويتم تحقيق الانقلاب الناجح بإظهار القوة العسكرية الضخمة وبيان يقرأه قيادي برتبة عالية ليعطي صورة أن الجيش كله وراء العملية.
ويسيطر المتآمرون على الإعلام ويعاقبون أي جهة تخرج عن سيطرتهم. وفي دول مثل تركيا لا ينجح فيها سوى «الانقلاب المؤسساتي» حسب بريان كلاس من مدرسة لندن للإقتصاد، فتركيا لديها مؤسسات عسكرية وسياسية قوية.
ومن هنا فنجاح الانقلاب فيها يعتمد على دعم مؤسساتي للمتآمرين. كما حدث في انقلاب عام 1980 حيث تم التنسيق بين مؤسسات الجيش قبل التحرك بحيث لم يترك مجالاً للنخب الأخرى إلا الدعم.
وعندما تقود التحرك جماعة من الضباط فيجب عليهم التحرك واعتقال القادة الكبار لإعطاء مظهر لنجاح العملية وإقناع القادة الكبار في الجيش لدعم التحرك. وفي الحالة الأخيرة حاول الانقلابيون اتخاذ بعض الخطوات ولم ينجحوا في أي منها. فلم يظهروا إلا قوة في أنقرة واسطنبول.
ولم تكن كافية لتخويف بقية قطاعات الجيش. بالإضافة لذك لم يكن للانقلاب له قائد واضح. ومع أنهم حاولوا السيطرة على التلفزيون إلا أن أردوغان استطاع سحب المبادرة منهم بمكالمة هاتفية واحدة حشد فيها الدعم له ولحكومته. ولأن الإنترنت ومواقع التواصل الإجتماعي ظلت تعمل بدون توقف فقد استطاعت الحكومة التواصل مع مؤيديها.
وهناك عامل آخر هو غياب القاعدة الداعمة للانقلابيين فلم تخرج تظاهرات داعمة لهم، ففي عام 1997 عمل الجيش مع منظمات مجتمع مدني وغيرها عارضت الحكومة. وفي انقلاب الجيش المصري عام 2013 تعاون مع حركة تمرد.
وفي حالة تركيا لم يكن لدى الانقلابيين على ما يبدو حليفاً سياسياً ولم تصدر بيانات دعم لهم. كل هذا يطرح أسئلة حول الدوافع التي دفعتهم للانقلاب ومع من تعاونوا ولصالح من قاموا به، ولماذا كانت لديهم ثقة بالنجاح. وإذا كان التاريخ دليلاً فما حدث هو سوء تخطيط وسخافة.

تقارير غربية: الأتراك ضحكوا عندما سمعوا عن تحرك الجيش فقد ولى زمن العسكر
أردوغان هو المستفيد الأول من المحاولة فهل سينتقم بلا رحمة أم يعفو ويوِّحد شعبه في وجه التحديات؟
إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية