أصيلة ـ من محمد جليد: هل تعيش أفريقيا سياقا تاريخيا صعبا؟ ذاك هو السؤال الذي اختلف بشأنه عدد من المشاركين المغاربة والعرب والأفارقة في أولى ندوات جامعة المعتمد بن عباد الصيفية، التي انطلقت مساء الجمعة الماضية في مدينة أصيلة تحت عنوان «الوحدة الترابية والأمن الوطني: أي مآل لأفريقيا؟».
إذ رغم وجود شبه إجماع على واقعية هذا السياق التاريخي الصعب، إلا أن زوايا المعالجة تباينت واختلفت من حيث منطلقاتها ومداخلها، وكذا نتائجها، بين من ينظر إلى أوضاعها الاقتصادية المتردية، ومن يرد الأمر إلى اختلال الأداء السياسي والحكومي في بلدان القارة، ومن مازال يلصق تهمة التمزق الأفريقي بالمرحلة الاستعمارية، وطرف آخر يعتبر أن الظاهرة الإرهابية، التي تضرب العالم منذ ثلاثة عقود على الأقل، باتت تزيد من أعباء القارة الثقيلة أصلا. في هذا السياق، يعتبر يوسف العمراني، الوزير المنتدب السابق لدى وزارة الشؤون الخارجية والتعاون في الحكومة المغربية، أن أفريقيا تعيش سياقا تاريخيا صعبا فعلا يستدعي تحديد العديد من الخيارات في ما يتعلق بقضايا التسامح والحوار بين الحضارات والثقافات والأديان. وفي هذا الباب، يرى الوزير المغربي أن المغرب قد يلعب، داخل هذا السياق التاريخي الصعب، دورا مهما انطلاقا من وضعه كبلد إسلامي أفريقي وعربي متعدد اللغات والأعراق والهويات، حيث يشير هنا إلى أن نجاح هذه المكونات يمكن أن يكون ملهما للدول الأفريقية. كما يؤكد أن نجاح تلاقح هذه المكونات تعززه تجربة الانتقال الديمقراطي ودعم الحكامة وتوسيع هامش الحريات والحقوق ومحاربة الفقر والتهميش والإقصاء، فضلا عن قدرته ونجاحه في محاربة الإرهاب وتفكيك خلاياه الفاعلة والنائمة. غير أن العمراني يطرح كذلك، في مقابل هذه المكونات، خيارا آخر يتمثل في ضرورة عمل البلدان الأفريقية على ضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
من جهة أخرى، تحدث يوسف ودراووغو، رئيس الوزراء السابق في بوركينافاسو، عن ظاهرة البلقنة المتواصلة داخل القارة الأفريقية منذ ما قبل الاستعمار إلى اليوم. إذ يعتبر أن المستعمر لم يعمل على بلقنة أفريقيا فحسب، بل فرض على أهلها أن يواصلوا تقسيم القارة بأيديهم. ويستشهد في هذا السياق بما يجري في السودان وليبيا ومالي والسنغال وبلدان أخرى، حيث يقول إن الأفارقة انتقلوا من بلقنة عادية إلى بلقنة مفرطة، مشيرا إلى أن العملية الأولى فرضها الاستعمار، والثانية ولدت بأيدي ومعاول الأفارقة أنفسهم.
ومن جانب ثان، يؤكد ودراووغو أن نموذج الإصلاح الذي فرضه الغربيون على الأفارقة فشل، لأنه يعتمد على لغة الآخر وإجراءاته ومعاييره، ولا يأخذ بعين الاعتبار المعطيات المحلية، ولا اقتراحات الإنسان الأفريقي.
أما المؤرخ المالي دولاي كوناتي، رئيس جمعية المؤرخين الأفارقة، فيدعو بعض البلدان الأفريقية إلى ضرورة فهم مشكلات الحدود بينها حتى تستطيع تجاوزها. إذ يقول معلقا على ودراووغو إن البلقنة مرتبطة أساسا بالنزاعات الإثنية، ولا يمكن ربطها بالاستعمار كلية، مشيرا على سبيل التمثيل إلى مشكلة الطوارق. كما يذكر كوناتي أن أفريقيا لم توجد إلا مع الاستعمار، رغم أنها تملك تاريخا طويلا وقديما (لكنه يستثنى هنا المغرب ومالي اللذين يوجدان منذ ألفي سنة، حسب تعبيره). ويتساءل في هذا الباب عن هوية المستفيد من البلقنة والتشرذم الأفريقي، حيث يشير بأصابع الاتهام إلى اقتصاد السوق والرأسمالية العالمية التي تعيش أزمة خانقة في الوقت الراهن، بحسب عبارته. غير أن السفيرة الطوغولية فرجيني أموكو كوفاح ترى رأيا مغايرا لمقولة البلقنة، حيث تنفي وجود أي شكل من أشكال هذه الظاهرة، موضحة أن جزءا من الواقع الأفريقي المتباين مرتبط أساسا بتباين الأجندات السياسية والاقتصادية التي تتلاقى أحيانا وتختلف أحايين أخرى بين 54 دولة أفريقية فوق أرض تمتد على مساحة 30 مليون كيلومتر مربع، وبين ساكنة يتجاوز تعدادها مليارا و200 مليون نسمة.
وفي الجلسات الأخيرة من الندوة ذاتها، لم تخرج الاقتراحات التي قدمها العديد من المشاركين عن إطار الاقتراحات التقليدية التي تهم مجالات السياسة والاقتصاد والدين والأمن. في هذا السياق، يرى المحلل السياسي الغابوني غي نانغ بكال أن الدول الأفريقية مطالبة بولوج الحداثة عبر البوابة القانونية، داعيا الدول الأفريقية إلى تحديث ترساناتها القانونية. كما أوضح أن تحديث المداخل القانونية من شأنه أن يحدد المعالم الأساسية للتعامل مع قضايا شائكة، مثل المشكلات الإثنية والعرقية والإرهاب. فهو يعتبر أن هذه المشكلات هي نتاج اختلال أداء الدولة.
ورغم أن المغربية أسماء الصبار، عضو المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية، تقر بأهمية المدخل القانوني، لكنها ترى أن أي بلد أفريقي مطالب باعتماد دينامية متعددة المقاربات، منها ما هو سياسي واقتصادي وتنموي وأمني وديني. إذ تقدم التجربة المغربية بعد أحداث 16 مايو/أيار 2003 كتعبير عن هذه الدينامية المتعددة المداخل، مشيرة إلى أن مقاربات التنمية البشرية وإعادة هيكلة الحقل الديني والتناوب على السلطة السياسية والإنصاف والمصالحة، فضلا عن المقاربة الأمنية الوقائية، استطاعت أن تجعل من المغرب نموذجا يحتذى عند مجموعة من الدول العربية والأفريقية. غير أن أليون سال، المدير التنفيذي لمعهد مستقبل الأفارقة في جنوب أفريقيا، يرى أن أمّ المشكلات الأفريقية تكمن في الطائفية والتشظيات الإثنية والعرقية. هنا تكمن مشكلة الدولة في القارة الأفريقية، وهنا نقطة الضعف التي يستغلها الإرهابيون لضرب الكيانات الأفريقية، كما يرى لامين كابا باجو، وزير الخارجية السابق في غامبيا. ذلك أن الجماعات الإرهابية، مثل بوكو حرام وتنظيم «القاعدة» في المغرب الإسلامي، نجحت في تنفيذ مشاريعها الإرهابية العنيفة، انطلاقا من هذا المعطى المتعلق بالنزعات الطائفية والعرقية. لكن الباحث المغربي عبد السلام بوطيب، رئيس مركز الذاكرة المشتركة، يرى أن الدولة والإرهاب ظاهرتان مستمرتان في المكان، وتحتاجان إلى الطاقة على الدوام، موضحا أنهما يمثلان ظاهرتين في طور البناء المستمر. وهنا يتساءل: كيف يمكن أن نبني دولا محمية من ظاهرة الإرهاب؟ غير أن الغريب في الأمر أن بوطيب يعتبر أن الديمقراطية في حد ذاتها لا تستطيع أن تحمي الدولة من الإرهاب، حيث يرى بوطيب أن الكفيل بذلك هو ثقافة الديمقراطية، وكذا ثقافة حقوق الإنسان التي ينبغي أن تكون سائدة في المجتمع. كما يرى أن هاتين الثقافتين قادرتان، باعتبارهما مجموعة من الآليات والطرائق، على حماية الإنسان من الإغراء الإرهابي. أما الشرط الأساسي لذلك، فهو ضرورة التعاون بين الثقافتين، مع العمل على مأسسة الاختلاف (على غرار ما تم بالنسبة للثقافة الأمازيغية في المغرب)، وكذا مأسسة العلاقة بين الأجيال، وأيضا ثقافة حرية الرأي. ويضاف إلى ذلك، كما يقول بوطيب، ضرورة إعادة النظر في التربية الوطنية: أي وطن تحتاجه الأجيال، والشباب خصوصا؟ لا شك أن الجميع يحتاج إلى وطن الكرامة، كما يقول المتدخل، لكن الأفارقة يحتاجون، في واقع الأمر، إلى وطن الحق أولا، وإن كان ذلك يتطلب سيرورة زمنية طويلة وتأملا فكريا عميقا. ثمة مقاربة أخرى تكمن فيما توقفت عنده الكاتبة المصرية أماني الطويل، الباحثة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وهي المقاربة التي تعتمد على الفاعل غير الرسمي. وتقصد بهذه المقاربة جميع المبادرات التي يمكن أن تنشأ عن الشركات المتعددة الجنسيات وأحلاف المنظمات غير الحكومية الدولية، الخ.
لكن الطويل تشترط أن يكون انخراط هؤلاء الفاعلين مبنيا على شروط ومعايير محددة تفرضها الدول الأفريقية.