لهذه الأسباب فشل الانقلاب في تركيا ونجح في مصر

حجم الخط
10

لا شك أنَّ ثمة تدابير إلهية استثنائية أقرب إلى المعجزات ساهمت في إفشال الانقلاب العسكري في تركيا؛ فالمعلومات تشير إلى أنَّ الرئيس رجب طيب أردوغان أفلت من ثلاث محاولات اغتيال خلال ليلة واحدة، بل خلال أربع ساعات فقط.
أول هذه المحاولات كانت في فندقه بمرمريس، والثانية وهو في الجو متجهاً إلى اســطنبول، والثالثة فور وصوله مطار أتاتــــورك، إلا أن كل هذه التدابير لا تنفي وجود عوامل موضوعية أدت الى فشل الانقلاب، وعدم نجاح الانقلابيين الأتراك في استنساخ النموذج المصري.
محاولة الانقلاب في تركيا كانت محكمة التدبير، والمتورطون فيها كانوا على أعلى المستويات في البلاد، بمن فيهم السكرتير العسكري لأردوغان ذاته، كما أن عدداً كبيراً من كبار المسؤولين في الدولة أبدوا موافقتهم على الانقلاب شريطة نجاحه، أي أنهم انتهازيون مع القوي الذي يصل الى الحكم بدون النظر إلى هويته، ورغم ذلك كله فإنها فشلت بسبب جملة من الأسباب والعوامل الموضوعية التي لم ينجح عسكر تركيا في تقديرها.
أهم عوامل فشل الانقلاب التركي هو أن حزب «العدالة والتنمية» كان يحكم تركيا فعلاً خلال السنوات الماضية، ولم يكن أردوغان مجرد ضيف على القصر الرئاسي، كما كان الحال بالنسبة لمحمد مرسي الذي ظل عاماً كاملاً لم يحكم خلاله مصر ولو لدقيقة واحدة. العامل الأهم الذي أفشل انقلاب تركيا هو أن الحزب الحاكم كان يحكم فعلاً، وكان يبسط نفوذه على مختلف مؤسسات الدولة، بما في ذلك أجهزة الشرطة والمخابرات والقوات الخاصة، وقطاع كبير من الجيش، وهكذا نفهم كيف أن طائرة (أف 16) كانت في طريقها لإسقاط طائرة الرئيس أردوغان وقتله فاعترضتها مقاتلة عسكرية أخرى من الطراز نفسه وقدمت له الحماية في الجو، أي أن الجيش أيضاً لم يكن كله في يد الانقلابيين، بل كان قطاع واسع منه يدين بالولاء للنظام الديمقراطي المنتخب.
في الحالة المصرية ظل الحزب الحاكم (الحرية والعدالة) خارج المؤسسات السيادية طوال عام كامل من وجود مرسي في القصر الرئاسي (وجوده في القصر وليس في الحكم لأنه لم يحكم أصلاً)، وكان الإخوان المسلمون طوال ذلك العام يحاولون إقناع الناس بأنهم لا يريدون «أخونة» الدولة، والحقيقة أن الخطأ الفادح الذي ارتكبوه والذي أسهم في نجاح الانقلاب هو أنهم لم «يُأخونوا» الــــدولة، وتركــــوها لدولة مبارك العميـــقة، وعندما قرر الجيــش الإطاحة بهم لم يكن أي منهم موجوداً في أي مكان من الدولـــة.. كانوا فقط في الشارع وفي ميدان «رابعة» الذي نزلوا إليه يوم 28 يونيو 2013.
العامل الآخر الذي لعب دوراً مهماً في إفشال انقلاب تركيا أن الناس – عموم الناس- تؤيد أردوغان ونظامه، ومن زار تركيا أو تردد عليها يعرف كم يحب الأتراك رئيسهم، وكيف ينظرون إليه على أنه مجدد الدولة التركية، وأنه المنافس لمصطفى كمال أتاتورك في إعادة بناء دولتهم، ولذلك استجاب مئات الآلاف من الأتراك لنداء الرئيس عندما أطل عليهم برأسه من نافذة هاتف نقال لمذيعة «سي أن أن التركية».
أما في التجربة المصرية فقد كان مرسي منتخباً، ولا أحد يشك في ذلك، لكنه كان ضحية لعام كامل من الضخ الإعلامي الهائل الذي أقنع كثيراً من المصريين في النهاية بأنه لم ينجح، وأنه أدى بهم الى ما هو أسوأ مما كانوا عليه، وما ساعد على الترويج لهذه الفكرة أن الرجل فعلاً لم يحكم، وأن عامه كان «سنة كبيسة» شهدت من الناحية العملية فراغاً في الحكم، وأن أوضاع الناس ساءت فعلاً ولم تتحسن.
أخيراً، فإن العامل الثالث لفشل الانقلاب في تركيا كان قوى المعارضة التي كانت واضحة في أنها تُعارض أردوغان، لكن هذا ليس معناه أنها تقبل بأحذية العسكر فوق رؤوسها، أو تقبل بالانقلاب على الحكم الديمقراطي والإطاحة بصناديق الاقتراع ونتائجها، وهذا ما لم يكن متوافراً – للأسف- في مصر، عندما اصطفت المعارضة السياسية خلف وزير الدفاع (آنذاك) عبد الفتاح السيسي، مرتدياً ملابسه العسكرية، وهو يتلو بيان الانقلاب، ويُعلن تعطيل الدستور، ويلغي نتائج الانتخابات بالقوة.
خلاصة القول، هو أن الفوارق بين تركيا ومصر كبيرة، وأن ما نجح في مصر لم يكن نجاحه في تركيا قدراً مقدورا، كما أن فشل الانقلاب العسكري في تركيا يُثبت أيضاً أن الدبابة ليست دوماً قادرة على سحق إرادة الناس، وأنها ليست قادرة دوماً على هزيمة الشعب، وأن الاستعانة بالقوى السلمية ضد القمع المسلح ممكن وقابل للتطبيق، وهذه نظرية «الارادة العامة» التي تحدث عنها المفكر الفرنسي الشهير جان جاك روسو ولم يفهمها كثير من الساسة وعلماء الاجتماع.. «الارادة العامة» للأمة لا يمكن أن تُقهر لا بالدبابات ولا بطائرات الـ(F16).

٭ كاتب فلسطيني

لهذه الأسباب فشل الانقلاب في تركيا ونجح في مصر

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية