ما بين «الكرادة» و«نيس»

حجم الخط
0

اعترتني حالة ذهول منذ سماعي بحادثة الكرادة ببغداد. ذكريات طفولتي كانت بمنطقة ألكرادة، هنالك نشأت وتعلمت العطاء واحترام الآخرين. حبي الاول كان في الكرادة فهنالك إنكسر قلبي وفرحت بما منحتني الحياة بعدها من نعم. كانت السماء مليئة بالنجوم وكان القمر كبيرا كأحلامنا وتمنياتنا. رائحة القداح كانت تملأ الشارع الذي سكنت به، أما الطيور فلم تكف عن التغريد خلال المواسم الأربعة.
زرت بغداد بعد الاحتلال سنة 2003. فقدت بغداد جمالها بعد أن شنت أمريكا حربها على العراق، تلك الحرب التي شنت بناء على كذبه ملفقة. رفضت الذهاب إلى شارع أبو قلام ، لم أرغب بمحو تلك الصورة الجميلة لشارع أبو قلام من مخيلتي. أغراني الأقارب بالذهاب ولكني قاومت.
سمعت أخبار الانفجار في منتصف الليل في تورنتو. أتصلت بأقاربي الذين يسكنون في منطقة الكرادة، أكدوا لي بأن الجميع بخير ولكن الاخبار التي سمعوها كانت مخيفة. حاولت الاتصال بصديق عزيز عدة مرات ولم يرد، قلقت. أرسلت له رسائل عدة وحاولت الاتصال مرارا وباءت محاولاتي بالفشل. أخيرا رد علي بالآتي:
« كنت بمحل الانفجار. سحبت جثة صديقي بيدي. سحبت جثثا أخرى ودفنتهم. أعتذر عن عدم تمكني من الكتابة. لا زالت رائحة الموت بأنفي. لم يعد هنالك معنى لحياتي. هل أنا حي؟ ليست لدي رغبة بالعيش. «
لم أجد كلمات للرد عليه. كم كان بودي أن أجلس بجانب هذا الصديق، أمسك يده ونبكي معا موت صديقه والأبرياء الذين تمنوا أن يحتفلوا بالعيد. لم تسمع أصوات الألعاب النارية بمناسبة العيد، بل سمع أصوات نحيب نساء فقدوا أعزاءهم. هدرت حياة أكثر من 250 شخصا في هذه الحادثة.
أول أمس جلست ليلا قرب بحيرة في بلدة هاملتون في اونتاريو. كانت السماء مليئة بالنجوم، انعكس ضوء النجوم على سطح البحيرة ولم يكن أجمل من ذلك المنظر. تذكرت نهر دجلة القريب من بيتنا. فكرت بمعاناة العراقيين اليومية منذ الاحتلال. يموت العراقيون بمعدل 100 عراقي في اليوم ويضطر الآلاف لترك منازلهم. الحياة لا تطاق بالنسبة للعراقيين بسبب العنف المتواصل، انقطاع التيار الكهربائي ونقص المياه.
عدت من هاملتون بعدها بليلة وسمعت أخبار الهجوم في نيس. لم أصدق ما شاهدت وسمعت. صديقة عزيزة كانت في نيس قبل أسبوع، أرعبتني فكرة وجودها وسط الحشد. تذكرت صديقي في بغداد.. أرتجفت. واصلت متابعة الأخبار وبكيت كما لم أبك من قبل.
قبل أسبوع سحبت جثثا متفحمة من وسط الأنقاض، وفي نيس جثث الأطفال التحفت بأغطية بيضاء وبجانب تلك الجثث دمى مبعثرة … ما المشترك بين العراقيين الذين رغبوا في الاحتفال بالعيد وذلك الحشد في نيس الذين رغبوا في الاحتفال بمناسبة وطنية؟ كيف يمنح القتلة أنفسهم صلاحية قتل الآخرين؟ كيف؟
إنه الحقد والكراهية ذلك القاسم المشترك الذي يجمع بين القاتل الذي نشأ في بلد يعلم كره الآخرين باسم الدين والقائد الذي يحتل بلدا آخر ويقتل الأبرياء.
اللعنة عليكم أنتم الذين سرقتم الفرح من ألعراقيين، من الحشد في نيس ومن قلوبنا بحروبكم المستمرة. اللعنة عليكم يا من جعلتم الخوف يعشش في نفوسنا، اللعنة على كل من ساند القتلة .. اللعنة عليكم جميعا.
لنبك موت الأبرياء أينما كانوا وليوحدنا حبنا للإنسانية كي نوقف الكراهية وإلا ستدمرنا جميعا.

كاتبة عراقية

ما بين «الكرادة» و«نيس»

نسرين ملك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية