الاشتراطات المفاهيمية والأخلاقية للفلسفة المعاصرة

حجم الخط
0

يأتي كتاب «الفلسفة في الحاضر» من تحرير بيتر إنغلمان بوصفه محاولة لتقديم آراء الفيلسوفين الفرنسي آلان باديو والسلوفيني سلافوي جيجك في ما يتعلق بأثر الفلسفة، وبما أن الحاضر يحيل إلى مجال زمني، غير أنه حقيقة يعني توصيفاً مراوغاً، أو بعبارة أخرى رهين قيمة تجاورية تتصل بالسياقات التي تحفّز إشكاليات تختص بمشكلات الواقع، وموقف الفلسفة منها. والأخيرة تخضع لمنطق مفاهيمي من قبل هذين الفيلسوفين في قراءتهما لقدرة الفلسفة على ممارسة منهجيتها في تحليل مكامن الخلل في الحاضر، وإشكالياته التي تبدو عرضة للانطواء، والتلاشي في زمن ما، غير أن القيمة الجوهرية للفلسفة تبقى مع ذلك قائمة، ولاسيما في كيفية فهم وتفسير التداخل بين المجالين، أي الواقع والفلسفة، حيث يحاول هذان الفيلسوفان تقديم طروحاتهما الجدلية، والأشد معاصرة، فضلاً عن قدرتهما على اكتناه مجموعة كبيرة من القضايا والموضوعات، والإشكاليات الفلسفية.
ينهض الكتاب الذي ترجمه يزن الحاج، ونشرته دار التنوير على محاضرتين لكلا الفيلسوفين، يعقبهما حوار بالإضافة إلى ملحقين: الأول عبارة عن مداخلتين يقدمهما كل من الناقد الإنكليزي تيري إيغلتون حول سلافوي جيجيك، والثانية يعلق فيه الباحث سايمون كريتشلي على آراء آلان باديو، في حين يأتي الملحق الثاني ليكون تعليقاً على تجربة الفيلسوفين بعنوان «حياة في الكتابة»، إذ يصف الباحث ستيورات جيفريز تجربة باديو في الكتابة عبر مجموعة من الكتب التي تتناول معنى الحب والجنس والتحرر والسياسة، التي تتمحور حول مركزية الذات كما الاستجابة للتيار الوجودي السارتري، وإمكانية الاختيار بالمعنى الفلسفي، من منطلق أن فرنسا كانت دوماً بلد الاستثناءات. في حين ينظر ستيوارت إلى كتابة سلافوي جيجك من خلال تجربته التي تتقاطع غالباً مع السّيرة الذاتية، بالتوازي مع ما تمتع به من إثارة يحضر من خلالها بعض مشاهير الفن والغناء. فجيجك الذي بشّر في كتاباته بانهيار الرأسمالية يبدو متطرفاً وساخراً إلى حد كبير، فالرجل كما هو شائع، لا يدعو إلى تخريب الأحداث، ونقدها فحسب، بل إلى اختبارها إلى درجة كبيرة من العمق، ولا سيما في تركيزه وبوجه خاص في كتاباته الأولى على الثقافتين العليا والدنيا، علاوة على قدرته على اتخاذ أداة التحليل النفسي منهجية لكتاباته العميقة، والشديدة التأثير.
نعود للمحاضرة الأولى التي يقدمها آلان باديو حول تموضع الفلسفة في الحاضر، أو في الحدث المعاين، وهنا لا بد من الإشارة إلى ما جاء عليه هذا الفيلسوف من خلال تقديم عدد من الأمثلة التي تحاول أن تحدد المفهوم الفلسفي، وقدرته على الامتداد في تكوين أسئلة تتعلق بحياتنا، أو بمعنى الاختيار، كما الموقف؛ ولهذا فإنه ينطلق من محاورة سقراط وكاليكليس التي وضعها أفلاطون، والتي توضح بطريقة أو بأخرى أثر الجدل الفلسفي، حيث يشير كاليكليس إلى أن الطاغية هو السعيد؛ لأنه يغلب الآخرين، في حين أن سقراط يرى أن الصادق هو السعيد لأنه عادل، وبذلك، فإن باديو يرى أنه ليس ثمة نقاش هنا، أو تعارض نظراً للبون الشاسع بين الطرحين، فقط ثمة دعوة للاختيار، أي أن يكون هنالك موقف حاسم بين الفكرين، أو التصورين، وهنا تحضر الفلسفة بوصفها مجالاً واسعاً، ولكن ليس للتنظير، إنما لتبني موقف واضح، وحاسم، كما للتفسير، ولهذا يستعين باديو بأمثلة أخرى، ومنها قصة أرخميدس.. ذلك العالم الذي يطلبه الإمبراطور الروماني، ولكن أرخميدس يأبي أن يستجيب حتى ينتهي من حل برهانه، فيقوم الجندي الروماني بقتله، ليس ثمة تصور فلسفي في هذا الوضع، فقط تظهر السلطة التي تبرز عن وجهها العنيف تجاه العقل، فقد أمسى أرخميدس خارج مجال السلطة. وهكذا نقع على مسافة واضحة كما يقول باديو بين «السلطة والحقائق»، في حين يأتي المثال الثالث من خلال فيلم ياباني يتمحور حول قصة عاشقين يابانيين يحكم عليهما المجتمع بالصلب، فتهرب المرأة المتزوجة مع عشيقها، ولكن بغطاء من الزوج المتسامح الذي يبرهن من خلال هذا التصرف غير المتوقع على حبه لزوجته، غير أن المجتمع يقبض على العاشقين، ويصلبهما حتى الموت، ومع الابتسامة الأخيرة التي تظهر على وجه العاشقين، نخرج بوضع فلسفي، قوامه أن الحب يقاوم الموت، ولعل هذا التوصيف يبدو مغرقاً بالمجازية، والطموحات المتعالية بهدف توصيف ظاهرة ما، وبذلك يتحول كل من الفن والفكر والفلسفة إلى أفعال مقاومة للموت والبطش والقمع، وسائر المتتاليات المجتمعية المناهضة لهذه القيم الإنسانية. لا شك بأن هذه الأمثلة تبدو مجالاً لباديو كي يقارب حضور الفلسفي في عالم اليوم، ولاسيما في أوروبا التي ترتهن لمواقف من الاختيار والالتزام في طبيعة التكوين السياسي والاجتماعي، كما تتجلى في مواقف من الانتخابات، والحرب على العراق، ومدى ما يلتمسه الفيلسوف من اغتراب في مجتمعه نتيجة مواقفه من بعض القضايا، وانحيازه لكل من الحب والعقل والفن والجمال، فلا جرم أن يستشهد باديو بعبارة للشاعر جون بيرس حيث يقول «الغريب متسربل بأفكاره الجديدة، تكتسب المزيد من الحراب في طَرق الصمت».
ولعل هذه الأمثلة تدفعنا إلى تفهم مواقف باديو من معاني الالتزام السياسي، ومنها نظرية التعاقب الديمقراطي التي تعني فعل استبدال أو تبادل بين المعارضة والغالبية، ولكن بحكم القانون، وبذلك تصبح العلاقة اعتيادية لا تخضع لمعنى الاستثناء الراديكالي، حسب تعبير باديو الذي يصرّ على فردية الالتزام السياسي، علاوة على نقد مفهوم الكوني، أو الكونية التي تبدو مقولة نسبية، لا تخضع لبعض الآراء الكلية والشمولية، وهنا نصل إلى تنظير عميق الصلة بمفاهيم يتبناها باديو من أجل نقض هذا المفهوم المراوغ، وغير الناجز للكونية، فيضع منظومة واضحة تنهض على عدد من النقاط المحددة في توصيف الكوني، ومنها على سبيل المثال أن الموضوع يتصل بالقرار، ومنها الإشارة إلى مظاهرات العمال غير الشرعيين في فرنسا، وموقفهم تجاه عملية التخلي عنهم، وإقصائهم في المجتمع. ومما يتصل بالكوني المعطيات التي تحدد هذا المفهوم، ولكن في ظل القصور في التكوين المعرفي، أو النسق المغلوط، علاوة على قيمة الفكر، والفردية، والحدث، وأهمية أن ينبثق قرار واضح اعتماداً على مبدأ المعرفة التي تعني أنه بالإمكان اتخاذ قرار شجاع تجاه موضوع ما، وهذا يتعالق بحدث يحدد القيمة الموجبة. إن مفاهيم الكوني التي أتي عليها باديو تغرق في اللغة الاصطلاحية، كما الشديدة التكثيف، غير أنها تبدو معنية بالمقام الأول باختزال مفهوم الكوني الذي يصر الباحث على أهمية الحدث من أجل تقرير القيمة، كأن نتبنى موقفاً ثورياً، أو رفضاً صريحاً، أو مطالبة ما، من أجل إحداث التغيير اللازم، أو التعديل الراديكالي، وبذلك فإن الكوني على ما يبدو غير قابل للاكتمال حيث تبقى مفتوحة على كل الاتجاهات.
في حين تأتي المحاضرة الثانية لسلافوي جيجك في سياق الفلسفة، وتموضعها في الحاضر، وهي تنطلق من تحديد الفلسفة عبر نسف المقولات التي شابتها سابقاً، بل إنها اعتبرت في بعض الأحيان متلازمة معرفية، تؤطر المفهوم، أو الموقف الفلسفي، ومنها قضية الحوار الذي ينفي جيجك أي أهمية له في تكوين الفلسفة، ولهذا يستدعي نموذج محاورات أفلاطون التي تمتد بدون أي مقاطعة، فمحاوره يسارع إلى قول عبارات «أنت محق تماما»، و»واضح كلياً»، و»الأمر كما تقول»، وغير ذلك. إذن يتوصل جيجك إلى نتيجة مفادها أنه ليس ثمة حوار فلسفي ناجح، ويستدل على ذلك بان أرسطو لم يفهم أفلاطون، وبأن هيغل لم يفهم كانط، وهنا تبدو المقاربة متصلة بشكل مباشر بقدرة المثقف على الانخراط في المجال العام، وقدرته على تقديم أطروحة جامعة فارقة تختص بقضايا أو إشكاليات، تعاني منها أوروبا تحديداً، ومنها الإرهاب، والحريّة الفردية، والواقع الافتراضي، والمتعة، والذاتية، وغير ذلك، وهكذا يأتي جيجك على أطروحات جوديث بتلر، وطرحها في ما يتعلق بالعنف الأخلاقي والحدود المصاحبة، ما يعني بعث المزيد من الأسئلة في المفهوم، وآلية التطبيق، وبوجه خاص في أوروبا ما بعد الحداثية التي بدأت تنزاح أو بدأت تبتعد في نهجها عن الفلسفة نحو قضايا كشاكلة ما بعد الحداثة، وتبعاتها كالحكمة، والتنوير، والعصر الجديد.
هكذا يسعى جيجك إلى التشكيك في إمكانية المقاربة الفلسفية التي تفقد وضعها في الزمن الحاضر، الذي يتعرض إلى تحولات مفاهيمية وإجرائية في التأسيس لخطاب نقدي لمشكلات العالم اليوم، ولاسيما من حيث الأثر السياسي، والنسق الرأسمالي الربحي، ومفاهيم السوق، وقيم الانتشار الجديدة للثقافة، أي أننا أمام ارتباك فلسفي كما يصفه جيجك، فالعالم من وجهة نظره غير تام، وعلينا أن نتعلم أن نتعايش معه، غير أن الرجل سرعان ما يوجه نقده لبعض الفلاسفة الذين تخلوا عن دورهم ليتحولوا إلى فلاسفة الدولة القادرين على التنظير لممارسات الدول، وتبريرها ، ومن ذلك طرق التفكير الفلسفي، أو حتى المبدأ القيمي حيث تظهر ممارسات البزنس والتكنولوجيا، وقضايا أخرى في هذا العصر، ومنها علم الجينات الحيوية، وهنا نقرأ نقداً للفيلسوف يورغن هابرماس، وأسئلة تتصل بالأخلاق، وبعض القيم التي تعنى بالحرية، والاستقلال الفردي للبشر، فبعض الفلاسفة أصبحت تنحصر مهمتهم بترويج هذه التطورات، وتبرير عقابيلها الأخلاقية، ما يدفع إلى أسئلة غاية في الأهمية من حيث الفلسفة ودورها في تأسيس مبدأ التسامح الضمني مع قضية المعرفة والتطور التقني، بالتراصف مع تكوين العالم الثيولوجي، ومستقبله، وهذا يعيدنا إلى الإشكاليات عينها التي ناقشها كانط كما يشير جيجك، ولاسيما في غياب مشاريع نقدية حقيقية كالتي مارستها مدرسة فرانكفورت.
وهكذا يمضي جيجك في اختبار الفلسفة ودورها المحتمل في صوغ عالمنا اليوم، والتأثير فيه، قياساً على أدوارها في السابق، وعلاقتها مع حقول أخرى، ومن ذلك الأدب كما كان في بعض الدول الأوروبية، ولاسيما الشرقية منها، وبذلك فإن ثمة تداخلات جلية بين الفلسفة ومستويات أخرى، ما يعني الحاجة إلى الأجنبة أو التغريب، حيث لابد من أن تتصل الفلسفة بالشروط الخارجية، ما يعني المزيد من طرح الأسئلة حول المجتمع الكوني، وهكذا يظهر جيجك قدرته على اكتناه طيف واسع من القضايا المركبة فلا عجب بأن يصفه تيري إيغلتون قائلاً «بأنه لا شيء في السماء ولا الأرض، وإلا كان قمحاً لمطحنة جيجك الثقافية» وهذا تبعاً لما يتمتع به جيجك من قدرة على مناقشة كافة القضايا والموضوعات حتى تلك التي تبدو تافهة، غير أنه قادر على توصيفها، واكتناه أبعادها الخارجية والمؤثرة.
الكتاب لا ريب يبدو حاملا للكثير من المستويات التي تعنى بالبحث في خيارات الفلسفة، وقدرتها على أن تكون فاعلة وحيوية في توجيه العالم اليوم، ولكن الأهم من ذلك سؤال يتمثل بكيف يمكن للفلاسفة أن يتخذوا موقفاً؟ علاوة على التحليل والبحث في البدائل الأخرى في عالم اليوم المتسارع، كما ثمة علامات استفهام كبيرة حول ظاهرة انتشار بعض الفلاسفة اليوم، حيث إن مهمتهم الوحيدة المصادقة على التطور الذي ترتضيه الدولة، وتبريره، غير أن هذا يتخذ قيمة مضاعفة في العالم العربي، كون الفلاسفة والمثقفين يضطلعون بأدوار أشد خطورة من حيث الترويج والمصادقة على طمس الآلية المعرفية، والتضليل فضلاً عن تكريس أنساق السلطوية، والهيمنة كما الفساد الثقافي، ومجانبة الحرية، وغير ذلك.

٭ كاتب فلسطيني أردني

الاشتراطات المفاهيمية والأخلاقية للفلسفة المعاصرة

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية