نلتمس كينونتنا كسائر الكائنات الحية من سعينا وراء الرزق والبحث بكل الطرق المتاحة والممكنة عن مصادر عيشنا لضمان استمرارنا كمخلوقات تحكمها غريزة البقاء.
الخوف من المجهول والدفاع عن الحياة، سر وجودنا نحن البشر. وبحكم كوننا حيوانات عاقلة، فإننا نحكم تفكيرنا لنبسط سلطتنا ونفوذنا بدهاء وتدبير، للخروج من المخاطر المتوقعة بأقل الاضرار.
تقاطع المصالح وتضاربها بحثا عن النجاح والتفوق والنفوذ. واكبته صراعات وتطاحنات وفوضى عارمة في بداية الحياة البشرية. فكان من الضروري خلق ضوابط وقوانين تسري على الجميع لضبط آليات التواصل بين البشر ووضع الحدود للتحكم في العلاقات والمسار حفاظا على الوجود ودرء للهلاك.
ان الإنسان لا تحده حدود، والقوانين تلعب دورها في تقنين العلاقات وفي التحكم في العيش المشترك بهدف خلق الأمن والراحة الجماعية. غير أن نزوعاتنا للتطاول وانتهاك الآخر وتغليب مصالحنا وحاجاتنا تتحكم في وعينا ولا وعينا لتكون النتائج مضرة بحياة الجماعة وراحتها. فالإنسان كائن اجتماعي يعيش داخل الجماعة ويستظل بظلها ويتصارع فيها. وكما يحصل في عالم الحيوان فالغلبة للأقوى والأفضل.
عرفت البشرية منذ بداياتها -وستبقى إلى الأبد -حروبا صغيرة وكبيرة على جميع المستويات. فالدولة تأسست لتحمي الجماعة وتضمن امنها وراحتها، وتسير أحوالها، وفق ضوابط وقواعد خلقها البشر لضمان الراحة والنظام، والحد من التطاحن وتحسين مستوى العيش. غير ان حاجة الناس للتدافع وغريزة البقاء والسيطرة تملي عليهم القتال والاقتتال.
لا جدال ان للإنسان عقلا جبارا، فقد استطاع عبر مسيرته التاريخية على الأرض ان يخلق طفرات نوعية، ويحسن من قدراته ويغير عالمه نحو الأفضل. الا أن قدراتنا على البناء، تضاهيها بالمقابل قدراتنا على التدمير ونشر الفساد.
ان الأنانية وحب الذات من الغرائز الإنسانية التي هي جزء من طبيعتنا. فلا يمكن ان ننسى ابدا اننا حيوانات تتعارك من اجل فرض الذات وحمايتها.
الدول الغنية تستنزف الفقيرة ماديا ومعنويا، تستهلك خيراتها وتستغل قصورها وحاجتها. المستخدم يستغل الأجير بكل ما اوتي من قوة وسلطة. يتحايل على القانون ويمارس كل نفوذه لامتصاص عرق العامل وهدر حقه. الكبير يتحكم في الصغير بلارحمة. كل من واتته فرصة التسلط لا يألو جهدا من اجل فرض مكانته وضرب الاخرين عرض الحائط.
تلعب القوانين دورا هاما في الضبط التقويم، في التقليل من التسلط ومحاربة الطغيان. تحد كثيرا من جشع البشر.
العنف بكل أشكاله ظاهرة إنسانية ملازمة، يتجلى في جميع المجالات والفضاءات وعلى جميع الصعد. البشر يتعاركون وسيتعاركون إلى ما لا نهاية. قدر دون رجعة ولا مفر . لسنا حملانا ولسنا خيرا مطلقا. اننا وحوش آدمية تتقاتل بالعقل والقانون وخارج القانون أيضا. الغلبة لمن بيده السلطة والمفاتيح والسيادة.
إن العنف بكل اشكاله هو انعكاس لذهنية ونفسية البشر. والعنف داخل المجتمعات يعبر عن ذهنية متصلبة وعقلية منغلقة غير قادرة على التفاعل والإنتاج، ونفسية مدمرة فاقدة للتوازن والراحة، فاقدة للأمل.
تعرف بلادنا علاقات إنسانية ومظاهر اجتماعية مرضية. ظواهر العنف متجلية بشكل ساطع وهي تعبير عن احتقان عام، وعن بؤس وجودي ومادي يخلق متاعب في العلاقات والنفسيات، ويضر بقواعد العيش المشترك.
الشروط الضرورية للاستقرار المادي والنفسي في بلادنا شبه منعدمة. يعرف التعليم وضعا كارثيا. من حيث الجودة والتنظيم والتحيين والملاءمة. فالسياسة التعليمية تعيش ارتباكا وفقرا مدقعا على المستوى الكمي والكيفي، وشروط الجودة ضعيفة، إضافة إلى عدم موافقة التعليم لسوق الشغل بالشكل المطلوب. الإمكانات التي توفر لمجال التعليم قليلة مقارنة مع متطلباته ودوره الأساسي والحاسم في نمو المجتمع. المدرس قائد النهضة ومنارة الأوطان يهان في جيبه وكرامته وروحه وجسده، ويساق إلى المجزرة. خوفي على وطن لا يحترم اهله سادته العلماء، بينما ينحني الناس إجلالا للوجوه الملوثة، للقلوب المقفلة والأرواح القذرة. المجالات الاجتماعية الأخرى ركيزة صحة ورفاه البشر كالصحة والشغل والطفولة تعرف جميعها إهمالا واستسهالا. ناهيك عن بادية نسيا منسيا يعيش أهلها حياة القرون الوسطى ومعالجة مشاكلها ليست من أولويات سياسة حكامنا وحكوماتنا
نشتغل في المغرب على الواجهة والمظاهر للدعاية والإثارة، بحثا عن عن زبائن مفترضين وعن قروض تنهك كاهل الوطن. نغدق الأموال على المتحكمين في تسيير دواليب الدولة والسياسة والاقتصاد ونتغاضى عن خروقاتهم.
يتحكم في اقتصادنا منطق الريع، ونسوق للناس وهم المساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان. إن الوضع الكارثي الاجتماعي يولد شقاء ودمارا نفسيا عند المواطن. تنعدم ثقته في بلاده وعشيرته في أسرته في روحه وجسده. يجلد نفسه ويصرخ في وجه الجميع يساق إلى العدم. الجحيم الروحي يخلق العنف والاحقاد والتدمير. العبارة الاثيرة -علي وعلى أعدائي -أضحت قاعدة تحكم العقول والنفوس. أي وطن نبني وأي بشر نؤهل؟ ما جدوى العيش في وطن بلا سكن؟
ماذا ننتظر من مواطن غير محصن بالعلم، غير مؤهل، غير محم ماديا ومعنويا؟ ما السبيل ايتها العقول الكبيرة؟ ما بال عيشنا نكد وأهالينا أجسادهم وأرواحهم تغتصب؟
مظاهر العنف تعكس مستوى العيش والوعي ودرجة التوازن النفسي والاجتماعي لدى المواطنين. إنها التجليات البارزة التي تعبر عن طباع الشخصية ومدى رضاها او سخطها، اندماجها أو انفلاتها، قبولها أو مقتها لنفسها ومحيطها وبلادها.
لننهض من سباتنا وبؤسنا فالعالم يتغير بسرعة فائقة ونحن نضيع طاقاتنا هدرا. الشعوب بلغت مستويات رفيعة من التحضر والرقي. ونحن نخوض جدالا عقيما عن هل وجه المرأة عورة أم لا؟ هل اليد اليمنى الأفضل أم اليد اليسرى؟ من يدخل فينا إلى الجنة هل الذي يقطع الخبز بالسكين أم الذي يقطعه بيده؟ أين روحنا؟ أين مجدنا؟ هل نحن أمة سحقتها آلة الجهل والعطب.
لما يطغى العنف والجهل في المجتمع ليصبح ظاهرة متحكمة، فلا شك أننا نعيش وضعا كارثيا ينذر بالخطر.
كاتب من المغرب
منصف بندحمان