تركيا: فاصل انقلابي ونعود

أبدأ بالقول بأنني استعرت عنوان المقال من أحد الاصدقاء حين علق على الحدث التركي في صفحته على الفيسبوك، فوجدت التعليق أوجز ما يمكن أن تقوله مقالات.
صدم البعيدون عن متابعة الشأن التركي بخبر تحرك وحدات من الجيش بعد ظهر الخامس عشر من يوليو الجاري، لتسيطر على النقاط الرئيسة والحساسة في اكبر مدينتين انقرة واسطنبول وبعض المدن التركية، كما فرض الانقلابيون سيطرتهم على وسائل الاعلام وقنوات التلفزة ومطار اتاتورك في اسطنبول وقطعوا الجسر الرئيس على البسفور الذي يربط شطري مدينة اسطنبول.
ومع كل هذه التحركات كان رئيس الوزراء بن علي يلدريم هو الذي في الصورة متصديا للانقلابين، ومؤكدا عدم شرعية الانقلاب وأن الحكومة الشرعية ما زالت مستمرة وممسكة بالبلد، وقد أثار خبر الانقلاب تداعيات وصور من عقود مضت، صور لقطعات عسكرية تتحرك لتطيح بنظام الحكم وتعلن بيان رقم واحد، لكن تحرك العسكر في تركيا الحديثة لم يكن مشهدا غريبا، بل كاد أن يكون مشهدا متكررا مع بداية كل عقد، منذ انقلاب عام 1960 ثم اعقبه انقلاب 1971، وبعد ذلك الانقلاب الأعنف في تاريخ تركيا عام 1980، ثم انقلاب 1997 الذي وصف في الادبيات السياسية التركية بأنه (انقلاب ما بعد الحداثة) الذي اختتم به القرن، الانقلاب الذي تم دون تحريك قطعات عسكرية وانما تتم بتوجيه مذكرة من الجنرال إسماعيل حقي قرضاي رئيس الأركان العامة إلى رئيس الحكومة نجم الدين اربكان رئيس حزب الرفاه الاسلامي، الذي خضع لرغبة العسكر وقدم استقالته، ليكون بذلك انقلاب يوليو الجاري الانقلاب الخامس في التاريخ التركي المعاصر.
ولتلمس خصوصية الانقلابات العسكرية التركية نقول، انها تمتاز بسمات مشتركة تكاد تجمع بينها جميعا، حيث مثل الجيش التركي روح الدولة ومحورها و (حامي النظام العلماني الاتاتوركي) كما يصف جنرالات الجيش انفسهم منذ تأسيس الجمهورية التركية ودمغها بالخصوصية الاتاتوركية عام1924، ونلاحظ أنه لا ميول سياسية للجنرالات الذين قاموا بالانقلابات، اذ لا يمكن حسابهم على اليمين أو اليسار أو قريبين من الاسلاميين أو الشيوعيين، بل أن كل الانقلابات تمت على يد جنرالات ولاؤهم للمؤسسة العسكرية ذات الهوية العلمانية بصبغتها الاتاتوركية، كما أن ثلاثة من الانقلابات الماضية، لم يمارس قادتها السلطة سوى لفترة انتقالية بسيطة، تعقبها انتخابات وعودة للحياة الديمقراطية التي يحكمها الدستور، ويشذ عن ذلك قائد الانقلاب الرابع عام 1980 الجنرال كنعان ايفرين، الذي قاد حكومة انتقالية لمدة سنتين، ثم ترشح لرئاسة الجمهورية وبقي رئيسا لدورة رئاسية واحدة حتى عام 1989.
وتجدر الاشارة إلى مفهوم ذي صلة بالمؤسسة العسكرية وعلاقتها بالدولة التركية من خلال ما عرف في الادبيات السياسية بـ (الدولة العميقة) في اشارة إلى نوع من النواة الصلبة قوامها المؤسسة العسكرية التي تتداخل سطوتها مع القضاء والمؤسسة الأمنية، لتشكل دولة داخل الدولة لا تطالها التغيرات أو قيادة الاحزاب للحكومات المتعاقبة، سواء من أحزاب اليمـــين أو اليسار، وأن هذه (الدولة العميقة) هي التي تنقض على الحكومات المدنية متى ما استشعرت تهديدا لنفوذها وسطوتها أو تعديلا دستوريا قد يحد من قوتها، وكان أول من اطلق هذه التسمية رئيس الوزراء التركي بولنت اجاويد في سبعينيات القرن العشرين، ورغم أن العديد من المختصين بالشأن التركي يرون أن (الدولة العميقة) نوع من نظرية المؤامرة التي يتعاطى معها الساسة الترك، إلا أن السمات المشتركة تمنحنا مقاربة من ذلك، فكما قدمنا من أنه لا ميول سياسية للعسكر في تركيا، إلا أن القيادات المؤثرة كانت دائما من مجموعات الضباط التي درست في الاكاديميات الامريكية ضمن برنامج المساعدات الامريكية لتركيا، وأن الجنرالات الذين يصعد نجمهم في الحياة العسكرية والسياسية هم ممن لهم ولاء ظاهر لحلف شمال الاطلسي، خصوصا ابان حقبة الحرب الباردة.
لنأتي للسؤال المهم؛ هل كان الانقلاب الاخير متوقعا؟ أم انه كما ادعى البعض سيناريو مرسوم قام بتنفيذه اردوغان لفرض مزيد من سطوته وتفرده بالسلطة، عبر تحويل النظام إلى رئاسي بدلا من برلماني؟
فيما يخص السؤال الاول كتب الصحافي الامريكي جاي تايلور في صحيفة «واشنطن تايمز» في 7 ابريل الماضي مقالا تحت عنوان «أردوغان سيستخدم ضجة انقلاب عسكري لتوسيع سلطاته، وكبح جماح المعارضة» يقرأ فيه احتمالية تحرك الجيش وقراءة تململه من سياسيات اردوغان، التي وصفها في هذا المقال مايكل روبين، المسؤول السابق في البنتاغون ومحلل الدفاع والأمن في AEI، (أن تكتيكات أردوغان الاستبدادية باتت خارج السيطرة مثل سجن المعارضين، التضييق على الصحافة وحرية الرأي، وتنامي جنون بناء نموذج للسلطان أو الخليفة التركي)، وقد سيطر اردوغان بشكل كبير على قوى الأمن والمخابرات التي اثبتت نجاعتها في الصمود والقتال بوجه القطعات المتمردة في المحاولة الانقلابية الاخيرة، كما تجدر الإشارة أيضا إلى ما ذكره موقع (سبوتنك الدولي) الروسي المقرب من الكرملين في مقال افتتاحي في شهر مارس الماضي على صفحته الرسمية على الانترنت «إن النفوذ السياسي للجيش التركي في تزايد تدريجي، وهذا قد يؤدي إلى تنفيذ انقلاب عسكري قريبا»، ويتساءل جاي تايلور في مقاله موجها السؤال إلى مايكل روبين؛ وفي حالة حصول انقلاب عسكري، ماذا سيكون موقف الادارة الامريكية؟ هل ستساند الحكومة الشرعية؟
وكان رد روبين بأنه لا يعتقد ذلك، وذكر بموقف ادارة اوباما من ازمة يونيو 2012 في مصر عندما اطاح الجنرال السيسي بحكومة الاخوان المسلمين المنتخبة، حيث انها لم تفعل شيئا للحكومة الشرعية وتعاطت مع حكومة العسكر التي تحولت بعد ذلك إلى حكومة شرعية عبر اجراء الانتخابات.
اما ردود الفعل الدولية والاقليمية والعربية تجاه المحاولة الانقلابية، فقد شابها نوع من الترقب في الساعات الاولى، ولم تدل دول الاتحاد الاوروبي أو روسيا أو الولايات المتحدة بموقف واضح، حتى تبين تراجع مد المحاولة الانقلابية وبداية سيطرة الحكومة على الوضع، حينها ابتدأت المواقف تعبر عن نفسها بانها تدعم الشرعية القائمة على اسس ديمقراطية، وترفض العمليات الانقلابية وما قد تجره على تركيا والمنطقة من أزمات. أما بالنسبة لدول الاقليم، فقد كان الموقف الايراني واضحا منذ البداية بانه مع الحكومة الشرعية ويرفض سياسة الانقلابات، بينما غزا نوع من التشفي والفرح التصريحات الرسمية وشبه الرسمية لبعض الدول العربية مثل، سوريا والعراق ومصر نتيجة لتوتر العلاقات مع تركيا الاردوغانية، بينما كان موقف قطر الحليف الاستراتيجي لتركيا الاردوغانية منذ اللحظات الاولى للمحاولة الانقلابية داعما ومدافعا عن الحكومة الشرعية.
والمفارقة المهمة التي يجب أن نشير لها أن الرئيس اردوغان ومنذ خطابه الاول في مطار اتاتورك بعد ساعات من بدء المحاولة الانقلابية وجه الاتهام إلى ما يعرف بجماعة المعارض التركي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، معتبرا ما سماه (الكيان الموازي) هو المحرك للانقلاب، و(الكيان الموازي) مصطلح شبيه بمصطلح (الدولة العميقة) يشير إلى نفوذ الزعيم الروحي غولن وحركته الاجتماعية الدينية (خدمت) في الجيش والقضاء والتعليم والإعلام، رغم أن غولن اعلن منذ الساعات الاولى شجبه للانقلاب ودعمه للديمقراطية.
والملاحظة المهمة التي يجب أن نثبتها هي خروج كل الاحزاب، الموالاة والمعارضة إلى الشوارع والميادين العامة تلبية لطلب الرئيس اردوغان، للوقوف بوجه الانقلابيين وإفشال حضر التجوال والاحكام العرفية، وقد عبر العديد منهم بالقول انهم خرجوا حماية للديمقراطية وليس حماية للرئيس، ورغم معارضتهم لاردوغان وحزب التنمية والعدالة، الا انهم يؤمنون بان صناديق الاقتراع هي الفيصل في ذلك، وهم يرفضون تدخل العسكر في السياسة، وهذا ما اعتبر احد الاسباب المهمة في افشال الانقلاب، كما أن تداعيات ما حصل بعد ذلك من اعتقال حوالي 6000 شخص بعد اقل من 24 ساعة من بينهم حوالي 2750 قاضيا، اي حوالي ربع قضاة تركيا، يشير إلى أن عمليات تصفية وانتقام تتم عبر تطهير اجهزة القضاء والجيش والامن والجامعات، ليتم بسط نفوذ الرئيس اردوغان واتباعه من حزب العدالة والتنمية، وتصفية خصومه السياسيين في ضربة قدمها له الانقلابيون على طبق من ذهب، فهل سنشهد ردات فعل على هذه الاعمال قريبا؟

٭ كاتب عراقي

تركيا: فاصل انقلابي ونعود

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية