■ قال عنه بعض جيرانه إنه «رجل منعزل وصامت يرتدي في معظم الأوقات سروالا قصيرا». وأضاف البعض الآخر انه «لم يكن يرد التحية عليهم» وزادت صحيفة «ديلي ميل» فكشفت انه « ليس إسلاميا بل ربما ليس مسلما، فقد كان يشرب الكحول ويأكل لحم الخنزير ويتعاطى المخدرات ولم يدخل مسجدا في حياته».
أما فرانسوا مولانس نائب عام فرنسا فقد اعتبره شخصا «مجهولا تماما لدى أجهزة الاستخبارات وليس له اي ملف ولا وجود لأي مؤشر على اعتناقه التطرف». ولكن كل تلك المواقف والشهادات لم تغير شيئا من العنوان النهائي ومن خاتمة قد يكون اختارها محمد لحويج بوهلال الشاب التونسي الثلاثيني، الذي اشارت مصادر رسمية فرنسية إلى انه هو السائق الذي دهس مساء الخميس الماضي بشاحنته حشدا من الناس في مدينة نيس، خلال الاحتفال بالعيد الوطني الفرنسي، وهي أنه واحد من جنود «الدولة الإسلامية» المجهولين الذين خرجوا من مخابئهم ليسقطوا عشرات الأرواح «استجابة لنداءات استهداف رعايا دول التحالف الذي يقاتل الدولة الاسلامية»، بحسب ما ذكره بيان وكالة اعماق التابعة لتنظيم الدولة.
أما كيف حصل ذلك وما الذي قاد شابا عاديا، بحسب المواصفات الغربية ومنحرفا وبعيدا عن التدين وفقا للمقاييس الاسلامية، لأن يصبح بين ليلة وضحاها ذئبا منفردا، يفتك بكل من اعترض سبيله ويوغل في القتل والدم بالجملة، حتى تلصق به وببلده فورا صفة الارهابي والجهادي التونسي؟ فذلك هو اللغز الذي لايزال يشغل ويحير حتى الآن جزءا واسعا من الصحافة والرأي العام المحلي والدولي في تونس وفرنسا، على وجه الخصوص، بعد انقضاء اسبوع على المجزرة التي أودت بحياة أكثر من ثمانين شخصا، بينهم تونسيون وجزائريون ورعايا من دول مختلفة أخرى. وما يزيد الامر تعقيدا والتباسا هو ألا أحد يعلم بالتحديد إن كان محمد الذي قال أكثر من مصدر أنه كان يعاني من مشاكل وضغوطات عائلية وله سوابق اجرامية معروفة، قد بلغ درجة عالية واستثنائية من المهارة والذكاء جعلته ينجح طوال الاسابيع القليلة الماضية في التمويه على أجهزة المخابرات وخداعها بتصرفاته الرعناء والبعيدة عن كل مظاهر الالتزام والتدين، أم أنه عاش صحوة مغشوشة ومتأخرة جعلته بعد كل سنوات البلطجة والانحراف يقرر فجأة أن يعتنق «الفكر المتطرف بسرعة كبيرة على ما يبدو»، مثلما صرح بذلك وزير الداخلية الفرنسي، وهو ما جعل كشف خططه أو معرفة نواياه باكرا مهمة شاقة وشبه مستحيلة، أم هل كان الأمر في النهاية أشبه برواية بوليسية حبكت خيوطها بعض الاجهزة وزادتها غموضا وإبهاما حتى تختلط الادوار وتتشوش الصورة بالكامل ولا تعرف حقيقة الخيط الرابط بين الشاب وتنظيم الدولة؟
لقد كان اللافت في عملية نيس، أن طريقة تنفيذ الهجوم كانت فريدة وغير معهودة في السابق فلم يستخدم المهاجم لا قنابل ولا متفجرات ولا أحزمة ناسفة ولا رمانات يدوية، ولا أيا من تلك الوسائل والاساليب التي دأب التنظيم على استخدامها منذ انطلاقه. وهذا ما جعل «الصدمة الناجمة عن الطريقة التي استخدمت لارتكاب هذه الجريمة البالغة العنف قد تسببت بصدمة عميقة لدى الفرنسيين»، مثلما أشار إلى ذلك برنار كازنوف وزير الداخلية الفرنسي، في تصريحات أدلى بها السبت الماضي للاعلام. لكن ردة فعل سلطات باريس ومسارعتها للجزم بوجود «طابع إرهابي» لما جرى في نيس قبل ظهور النتائج الأولية للتحقيقات، ثم حديثها بعد ذلك عن أن «فرنسا باتت كلها تحت تهديد الإرهاب الإسلامي» بعد العملية المذكورة، حسبما جاء في تصريح الرئيس فرانسوا اولاند لم تكن سوى محاولة أخرى للهروب إلى الامام، والتغطية على أسباب المجزرة ودوافعها الاصلية وإخفاء السبب الاساسي وراء ظهور جيل من الأفراد المجهولين المستعدين للموت ما دام هو السبيل الاقرب الذي يسمح لهم بقتل اكبر عدد ممكن من الناس.
ومن الواضح أن الاسلام كمشروع حضاري وانساني قادر على الوجود والتعايش داخل قارة صارت تضج بالاحقاد العرقية والدينية الظاهرة والخفية، بات قبل قيم الجمهورية وانوار الديمقراطية هو المستهدف الاكبر من وراء كل تلك الجرائم. وما يفسر ذلك هو الطريقة التي صار يقدم بها أي عمل أو تصرف فردي منفلت ومجنون قد يقدم عليه عربي أو مسلم، على أنه حالة عامة تنطبق على جميع العرب والمسلمين ومشهد مصغر لمواجهة تاريخية مصيرية يتواجه فيها خير الغرب وحضارته وانواره مع همجية الشرق وظلامه وانحطاطه.
أما الاشد غرابة في الموضوع فهو أن التونسيين الذين هم أكثر الشعوب العربية تعلما وتأثرا وارتباطا وقربا من ذلك الغرب واختلاطا وتماهيا في ثقافته وفكره صاروا في السنوات الاخيرة في صدارة من بات يطلق عليهم «الذئاب المنفردة» أي الافراد الذين يقومون بهجمات فردية مباغتة وسريعة ضد أهداف مدنية في الغالب وهو الأسلوب الذي يعتمده تنظيم الدولة بشكل خاص وتصفه صحيفة «واشنطن بوست» بالكابوس الجديد. وفيما ظلت الصورة النمطية للمتعصبين والمتطرفين تظهرهم اشخاصا بسطاء التفكير معدمين لم يتلقوا لا تعليما جيدا ولا فرصا للعيش في امان ورفاهية، قدمت الذئاب التونسية التي ظهرت في العراق وسوريا وليبيا والان في نيس صورا مناقضة لذلك، بعد أن اتضح أن معظمها كانت درجاته العلمية متوسطة وعالية في بعض الحالات، ولم تكن تعاني ظروفا مادية بالغة القسوة والسوء. لقد ثبت أن المحدد الاول لذلك الاندفاع وراء الفكر المتعصب لم يكن الفقر أو نقص التعليم، بل وجود خلل سلوكي وهشاشة نفسية وروحية قادت اصحابها لان يصبحوا ادوات طيعة بايدي مجموعات اجرامية عرفت كيف تستغل تلك الثغرات حتى تزج بهم في عمليات القتل والرعب وتحقق من خلالهم بعضا من أهدافها وخططها.
وما فعلته السلطات طوال حكم بورقيبة ثم سلفه بن علي هي أنها ظلت تنكر باستمرار وجود أزمة اخلاقية وروحية في تونس، ولم تكن تعترف بأن هناك ثمنا باهظا قد تدفعه الاجيال المقبلة الشابة للحداثة المغشوشة التي انساق وراءها التونسيون بقرار سياسي قسري. كان التعليم هجينا يتأرجح بين عربية ضعيفة ويتيمة وفرنسية بسطت سلطانها ونفوذها على الجميع وتخرج الاف من الطلبة وهم لا يعرفون شيئا عن تاريخهم ولا حتى موضع بلدهم وحدوده ولم يكن لهم من هدف اخر غير الحصول على الشهادات بأي طريقة، ثم صارت غايتهم الاسمى والاعظم هي كسب الأموال في أقصر الأوقات وأقربها وباقل جهد ممكن. ولم تقدم الاخلاق والدين والقيم الا كتركة قديمة وثقيلة لم يعد لها حاجة او ضرورة في زمن الحضارة والتقدم. كما لم يجد الشباب امامه لا مساجد عامرة ومفتوحة ولا فقهاء وعلماء ولا حتى مفكرين ومثقفين يفتحون الابصار على اهداف وغايات سامية ونبيلة. وكان حرص النظام على محاربة كل مظاهر التدين أملا في القضاء على ما كان يعرف بالصحوة الاسلامية بابا للتشجيع الضمني والمباشر على شتى الانحرافات السلوكية والاجتماعية، ولم يكن هناك تقدير للخطورة التي يعنيها تواصل سياسات التجهيل المتعمد للدين في تونس لأكثر من خمسين عاما، والتي كان من نتائجها عدم معرفة الكثير من التونسيين بابسط قواعد دينهم أو فروضه. ما فعلته الديمقراطية الحديثة بعد ذلك فهي انها اطلقت عنان الحريات لكنها لم تكن قادرة على اصلاح العطب الحضاري الذي سببته سنوات التغريب الطويلة بفعل قوة التيارات المناوئة وشدة وعمق الرواسب التي تركتها في النفوس والعقول. وكان من الطبيعي في تلك الحالة أن يهرب الشباب بعد أن وجد مجالا رحبا للحركة الافتراضية في الانترنتات ثم العملية في اصقاع العالم إلى كل المهالك والمحارق الممكنة ويصبح جزءا من قطيع ذئاب شرسة مستعدة للفتك بكل من يعترض سبيلها، مادام لم يجد من يقوده ويصوب خطواته، ومادام يرى النافذين في بلده وخارجها لازالوا يملأون الارض جورا وفسادا وقد لا يختلفون في النهاية عن تلك الذئاب الفردية سوى في هيئتهم أو كلماتهم.
أما متى يتوقف كل ذلك ويعود التونسي إلى طباعه الادمية والانسانية؟ فربما سيستغرق الامر عقودا واجيالا اخرى حتى تنقشع الغشاوة وتتضح الصورة بشكل نهائي وكامل.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية