تحدي اللغة: القصة القصيرة والصورة

تؤدي صفة (القصيرة) التي توصف بها القصة عادة إلى الوقوع في شعور وهمي بأنها نسخة مصغرة من نوع أدبي أطول، وينصرف الذهن – في هذه الحالة- إلى الرواية، فليس هناك نوع أدبي يسمى (القصة الطويلة)، بل إن كلمة (القصة) إذا استعملت مطلقة هكذا من غير وصف فإنها ستدل على القصة القصيرة أيضا. ويؤدي هذا الشعور الموهم إلى ربط كمي غير واقعي بين القصة والرواية، مع علم الجميع بأنهما نوعان أدبيان مختلفان.
وإذا أردنا مقاربة هذين النوعين بالفنون البصرية فلن نتردد في جعل الرواية المقابل النوعي للفيلم السينمائي (الروائي)، ولكننا سنتردد كثيرا قبل أن نقرن القصة بالفيلم القصير، فهناك الرواية القصيرة (النوفيلا) التي تقابله، أما القصة فلن تستطيع أن تنتج فيلما يتعدى طوله مدة إعلان تلفزيوني.
فإذا كانت الرواية تسجيلا لشريط حياة طويل فإن القصة اقتناص للحظة من تلك الحياة ووضعها تحت مجهر السرد وتكبيرها لفهم شعور الشخصية في تلك اللحظة. إنها كما سمتها سوزان لوهافر طية الواقع، فكأن القارئ سيتوقف في نقطة من الحياة، يدور حولها دورة كاملة متأملا إياها، فإذا غادرها انتهت القصة.
بهذا الفهم سيتضح أن القصة تقابل، في الفنون البصرية، الصورة الفوتغرافية، التي تجمد لحظة من الحياة لتبرز كل تفاصيلها. وقد تنبه كثير من كتاب القصة إلى هذه العلاقة، فكتبوا كما كبيرا من القصص التي يكتشف القارئ في آخرها أنها ليست سوى تأمل في صورة معلقة على جدار. ولعل من المفيد أن نذكر هنا، مثلا، قصة محمد خضير «الصرخة» وهي إحدى قصص مجموعته «في درجة 45 مئوي»، فالقصة تسرد أحداثا في سيرك فتصور حركات الحيونات والمروضين والقرود التي تتقافز في الأقفاص، ثم نكتشف أن ذلك كله ليس سوى لوحات ثلاث مرسومة على جوانب سيارة سيرك تمر في الشارع.
وكما لا تمثل الصورة الفوتوغرافية شيئا يذكر بمقياس الزمن لأنها ليست سوى لحظة عابرة، فكذلك القصة ليست سوى لحظة عابرة على شريط الحياة، كلاهما يتوقف عند اللحظة لإبراز تفاصيلها مع اختلاف الأدوات. فالصورة تقدم في نظرة عابرة كما كبيرا من المعلومات، مثل الوجوه والملابس والأشياء الماثلة في خلفية المكان والألوان وتفاصيل أخرى كثيرة، وهذا ما لا تستطيع القصة فعله، فتعوضه بما تعجز الصورة عنه وتستطيعه اللغة وهو تحريك مفردات الصورة عبر استعمال (الأفعال).
ومع أن الصورة الذهنية النهائية تكاد تكون واحدة بعد تأمل صورة فوتوغرافية وقراءة قصة، فإن طريقة تلقيهما متضادة. فعند رؤية صورة يتلقاها المشاهد أولا بأسلوب (الجشطلت) فيراها كلها ويرصد العناصر الكبيرة فيها، ثم يبدأ بتأمل الصغائر. أما القصة فبسبب الطبيعة الخطية للغة فإن القارئ يجمع الجزئيات الصغيرة تباعا حتى يرى الصورة كاملة عند الانتهاء من القراءة فقط.
من المستحيل، طبعا، أن يسرد القاص كل تفاصيل الصورة، فذلك قد يستلزم عشرات الصفحات من غير أن يصل إلى الاستقصاء التام، فهو إذن يختار بعض الجزئيات التي سيضعها تحت مجهره. وعملية الاختيار ذاتها لها معنى، فكل عنصر يتم اختياره للقصة سيؤدي وظيفة محددة ومقصودة. إن أي صورة يمكن أن تكتب من وحيها عشرات القصص التي لا تتشابه، ومن التجارب الطريفة ما فعله موسى كريدي وميسلون هادي عام 1984، حيث نشرا قصتين عن موقف واحد في صفحتين متقابلتين في مجلة «ألف باء»، قصتان تحكيان موقف فتاة تتعرض لتحرش شاب في سيارة الأجرة، ثم تكتشف أنه ميت، ومع أن الموقف واحد إلا أنهما كتبا قصتين مختلفتين تماما في كل شيء، وبالتدقيق نكتشف أن سبب الاختلاف ليس سوى اختيار الجزئيات التي بنيت منها القصة.
تجد اللغة، في القصة، نفسها في تحد واضح للصورة، فتلك الاختيارات القليلة من التفاصيل يجب أن تصاغ بشكل لغوي يوهم بأنها أقدر من الصورة على وصف التفاصيل. وثمة خدعتان توظفهما القصة لفعل ذلك؛ أما الأولى فهي أن القصة تسمي الأشياء أكثر مما تصفها، فجملة مثل (كانا يجلسان على مصطبة عند الشاطئ) قدمت بالاعتماد على التسميات العناصر الأساسية الكافية لرسم المشهد. أما الثانية فهي توظيف الجمل الفعلية التي تعجز الصورة عن القيام بها، فمثلا (كان يجلس وراء مكتبه على كرسيه الوثير) تحد يعجز الصورة سببه الفعل وملحقاته، ثمة حركة وصفها الفعل (يجلس) وثمة كرسي خلف المكتب لا تستطيع الصورة إظهاره، وثمة شعور بالراحة سببته كلمة (الوثير) ما لا تستطيع الصورة فعله.
هاتان الخدعتان تجعلان قارئ القصة أكثر إيجابية من قارئ الرواية، ففي المثال السابق يكون على القارئ أن يتخيل نهرا وشاطئا ومصطبة خاصة به، فليست هناك صفات تعينه في رسم الصورة، بينما سيغرقه الروائي بالتفاصيل الوصفية التي تقيد خياله وتجعله يتصور صورة شديدة القرب من الصورة التي كانت في ذهن الروائي.
عند التقاط صورة لمشهد ما فإن لاختيار الزاوية التي يتم منها الالتقاط أهمية بالغة. فالزوايا المختلفة تولد انطباعات مختلفة، يمكن مثلا أن تلتقط صورة لشخصين يمران بلحظة خلاف شديد، من زاوية ما بحيث يبدوان كأنهما يقبلان بعضهما. وفي القصة أيضا هناك زوايا تكاد تكون لا متناهية لتصوير اللحظة القصصية. فقرار القاص بالإجابة على أسئلة مثل: من الراوي؟ ومن أي زاوية سينظر؟ يمثل موقفا فنيا وفلسفيا من المهم أن يفكر به القارئ ليكتشف جمال القصة ورسالتها.

٭ كاتب عراقي

 

تحدي اللغة: القصة القصيرة والصورة

ثائر العذاري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية