حرب سورية … هل تفيض على جوارها؟

حجم الخط
0

الحرب في سورية وعليها اقليمية وكونية، لكن من دون ان تفيض عسكرياً على جوارها… بعد. هي اقليمية وكونية في اطرفها وغاياتها ووسائلها، لكنها ما زالت سورية في ميادينها ومعاركها الحربية.
اطراف الحرب سوريون وعرب وامريكيون واوروبيون وروس. ليس أدل على ذلك من صراعاتهم السياسية والديبلوماسية في جامعة الدول العربية، ومجلس الامن الدولي، و’مؤتمرات اصدقاء سورية’، و’مؤتمرات دعم سورية ووحدتها الوطنية’، ومؤتمر ‘جنيف 1’ ومؤتمر ‘جنيف 2’، و’قمة الدول الثماني’ وغيرها، ناهيك عن المناورات العسكرية الناشطة بين مختلف الاطراف في البحار واراضي الدول المجاورة لبلاد الشام .
غايات الحرب اقليمية وكونية، كما تتبدى في سياسات الأطراف الاكثر نشاطاً وفعالية. ثمة دول عربية تجاهر بمطلب تقويض النظام السوري وتنحية رئيسه. وثمة دول عربية اخرى تفضل ان تبقى بمنأى عن الحرب في سورية وتحبذ ايجاد حل سياسي لها. الى ذلك، ثمة دول حلف ‘الناتو’ التي تدعو الى تنحية الرئيس السوري والى اقامة حكومة انتقالية تتولى جميع السلطات، بغية الانتقال بالبلد الى نظام سياسي متعاون مع الدول العربية المحافظة خصوصاً، وموالٍ للغرب عموماً. وثمة دول تناصر النظام السوري سياسياً وديبلوماسياً كروسيا والصين، ودول تدعمه عسكرياً كروسيا وايران، وهمها الرئيس عدم تحويل سورية الى منطقة نفوذٍ لامريكا واوروبا او مناوئة لإيران او خاضعة لـ’اسرائيل’.
وسائل الحرب ثقيلة ومميتة مصدرها دول كبرى كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وروسيا واخرى متوسطة كإيران وكوريا الشمالية.
الآثار الاجتماعية لحرب سورية اخذت تفيض على جوارها. ثمة مليون ونصف مليون لاجئ سوري في لبنان، ونحو نصف مليون في الاردن، ونحو ربع مليون في تركيا، وعشرات الآلاف في دول عربية وغير عربية عدة. بعضٌ من هؤلاء، في لبنان تحديداً، موالٍ للمعارضة السورية المسلحة، ويقوم بدعمها عبر الحدود كما داخل لبنان بتعاونه مع قوى لبنانية مؤازرة لها. في المقابل، ثمة لبنانيون مؤيدون للنظام السوري ورئيسه ويقومون بدعمه بأشكال شتى، ناهيك عن حزب الله الذي شارك مقاتلوه في معركة القصير داخل الاراضي السورية ‘دفاعاً عن مشروع المقاومة’، كما قال نائب امينه العام الشيخ نعيم قاسم.
الى ذلك، تحدث في جوار سورية، بحرياً وبرياً، تطورات لا يمكن فصلها عما يجري في داخلها. فروسيا تعلن بلا مواربة عن تعزيز اسطولها في البحر المتوسط بحشد بوارج ومدمرات جاءت بها من البحر الاسود وبحر البلطيق وحتى من المحيط الهادئ. كما لا يتوانى الرئيس الروسي عن تأكيد عزم بلاده على تزويد سورية بصواريخ دفاع جوي متقدمة من طراز S300
من جهتها قادت الولايات المتحدة اضخم مناورات عسكرية شهدها الاردن وشاركت فيها قوات اردنية وامريكية ووحدات من دول غربية وعربية، فيما استمر الجدل المتصاعد في شأن العلاقة بينها وبين الحرب الطاحنة في سورية، لاسيما بعدما قررت امريكا ابقاء بعض قواتها في الاردن الى اجل غير مسمى، بينها منظومات صواريخ ‘باتريوت’ ومقاتلات ‘اف 16’ الى جانب خبراء عسكريين في مجال الاسلحة الكيماوية. ورغم تجديد مسؤولين عسكريين اردنيين نفيهم اي علاقة لمناورات ‘الاسد المتأهب’ بما تشهده المنطقة او سورية، ذكرت مصادر خليجية لصحيفة ‘الحياة’ كانت شاركت في المناورات ‘ان التدريبات لا تخلو من توجيه رسائل تحذيرية الى نظام دمشق’، من دون إعطاء تفاصيل.
فوق ذلك، كشفت صحيفة ‘بلومبرغ’ الامريكية عن خلاف وقع مؤخراً خلال مناقشة في البيت الابيض بين رئيس هيئة الاركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي ووزير الخارجية جون كيري، الذي كان دعا الى شن غارات جوية على قواعد ومواقع للنظام السوري. ديمبسي حذّر بشدة من اعتماد اقتراح كيري ‘لأن الغارات الجوية تنطوي على مخاطر كبيرة، وان شلّ الدفاعات الجوية السورية تتطلب غارات على نطاق واسع، وان وزارة الخارجية لا تدرك فعلاً حجم ومدى تعقيد مثل هذه العملية’.
في ‘اسرائيل’، اعلنت القيادة العسكرية ان الجيش انهى مناورة كبيرة في الشمال تحاكي حرباً بين ‘اسرائيل’ ومحور ايران وسورية وحزب الله في لبنان. ضابط كبير كشف لموقع صحيفة ‘هآرتس’: ‘اننا نستعد لمتطلبات حدث حربي متعدد الجبهة’.
في لبنان، كشف مصدر في حزب الله لصحيفة ‘السفير’ عن وجود ‘فلتان مبرمج لمحاصرة المقاومة بالفتنة’، وان حزب الله ‘وضع جهازه المقاوم في الساعات الاخيرة في حالة جهوزية كاملة على طول الحدود مع فلسطين المحتلة، وانه لو وجدنا انفسنا في مواجهة مثلثة الأضلاع، فلن نتردد في خوض معركة وجودية، ولكن على طريقتنا وبتوقيتنا واسلوبنا وليس على طريقة الآخرين وتوقيتهم واسلوبهم’. كل ذلك بالتزامن مع اضطرابات امنية متنقلة في طرابلس، وقرى حدودية في البقاع الشمالي وصيدا وبعض احياء بيروت .
في حمأة هذه التطورات وخشيةً من تداعياتها، اعلن وزير خارجية العراق هوشيار زيباري لوكالة رويترز، ‘ان بغداد تتعرض لضغوط من طرفي الصراع في سورية، وان سياسة العراق الرسمية المتسمة بالحياد اصبحت مهددة مع تحوّل الصراع الى حرب بالوكالة في المنطقة بأسرها (…) فالصراع في سورية اصبح صراعاً اقليمياً بكل المعايير’.
إزاء هذه التطورات والتداعيات، هل تفيض حرب سورية عسكرياً على جوارها؟
ظاهر الحال، محلياً واقليمياً ودولياً، يؤشر بقوة الى ذلك، لكن لعالِم الاجتماع الفرنسي برتران بادي رأيا طريفا ومغايرا، فقد سألته صحيفة ‘لوموند’ هل الحرب في سورية إيذان بعودة السياسة الدولية المتعددة القطب، أجاب : ‘الامر ليس بسيطاً. صحيح اننا نرى شبح الحرب الباردة إلاّ ان الصراع السوري اليوم اكثر تعقيداً من ذلك، لأن القوات التي تحارب الاسد متنوعة وغير قابلة للاختزال’.
أليست القوى العربية والإقليمية والدولية التي تتصارع في سورية وعليها، كما في غيرها، تبدو غير قابلة للاختزال ايضاً؟

‘ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية