في تركيا انقلاب يليه انقلاب

حجم الخط
4

حين تنشر هذه السطور غداً، سيكون مجلس الأمن القومي قد اجتمع وأصدر «قرارات مهمة» على ما وعد رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان جمهوراً من مؤيديه قبل يومين. ومن المفترض أن يلي الاجتماع المذكور اجتماع آخر للحكومة تتبنى فيه قرارات الأول. في غضون ذلك كثرت التكهنات والتسريبات حول القرارات المنوي اتخاذها لمواجهة ذيول الانقلاب العسكري الفاشل ليلة الجمعة 15 تموز/يوليو الجاري.
أبرز القرارات المتوقعة، وفقاً للتوقعات، هي إعلان حال الطوارئ في عموم تركيا. يذكر أن حزب العدالة والتنمية هو صاحب إنجاز تاريخي في إنهاء حال الطوارئ التي ظلت مفروضة، طوال عشرات السنين، في الولايات ذات الكثافة السكانية الكردية، وذلك بعد صعوده إلى السلطة، في 2002، بفترة قصيرة. حتى بعدما انقلبت الحكومة على «مسار السلام» وأطلقت حملتها العسكرية المتواصلة، طوال العام الماضي، على المناطق الكردية، لم تعلن حال الطوارئ في تلك المناطق، وإن كانت قد فعلت ما هو أسوأ منه، بحظر التجول، طوال أسابيع، في كل مدينة وبلدة طوقتها قوات الجيش والجندرمة، وشنت فيها حرب استئصال ضد مناصري حزب العمال الكردستاني، مع ما يرافق عمليات من هذا النوع من «خسائر جانبية» باهظة في صفوف المدنيين.
والحال أن البلاد تعيش «حال طوارئ» مجازية منذ ليلة الانقلاب الفاشل، وبدأت الحكومة عملية صيد ساحرات ضخمة شملت الآلاف، إلى الآن، ولا أحد يعرف أين ومتى تنتهي. اعتقالات، رافقتها أعمال تنكيل، وتطهير مؤسسات الدولة من كل مشتبه بانتمائه إلى ما بات يسمى، في الأدبيات الرسمية والإعلام الموالي، بـ»منظمة فتح الله غولن الإرهابية» بعدما كانت تسمى «الدولة الموازية». وآخر التسريبات الاستخبارية تتحدث عن قائمة من أربعين ألف اسم، مشتبه بولائهم لغولن، على لائحة الاعتقالات والتصفيات.
هناك فارق بين أن تعاقب الحكومة المجموعة الانقلابية، وهذا واجبها أمام الشعب قبل أن يكون حقها، وبين مكافحة جماعة دينية ترتبط بعلاقة ولاء بالداعية الإسلامي فتح الله غولن، وخاصة حين لا تكون هذه الجماعة منتظمة في حزب سياسي أو منظمة واضحة الحدود والمعالم. ويصبح الوضع أكثر غموضاً وعرضة للجدل إذا عرفنا أن أبرز قادة الانقلاب العسكري الفاشل وصلوا إلى مناصبهم الحالية بقرارات موقعة من رئيسي الحكومة والجمهورية، وبعضهم في الفترة التي أعقبت بداية الحرب بين أردوغان وغولن منذ ثلاث سنوات.
تشير معظم تقديرات محللين أتراك مستقلين، ومنهم من تعرض لظلم أردوغان، إلى أن لموالين للداعية غولن دور لا يمكن إنكاره في العملية الانقلابية، لكن الانقلابيين لا يقتصرون على هذه الفئة، بل يشملون طيفاً واسعاً من الضباط المستائين من سطوة أردوغان والأردوغانية على الحياة العامة، مخلصين عموماً للعقيدة الأتاتوركية التقليدية. وقسم مهم منهم علموا مسبقاً بأنه ستتم تصفيتهم من المراتب القيادية في المؤسسة العسكرية في «مجلس الشورى العسكري» الذي ينعقد كل عام في مطلع شهر آب، وتتم فيه الترقيات والإحالات على التقاعد والتنقلات بين المناصب.
وتتحدث بعض التقارير عن أن العملية كان مقرراً لها أن تنفذ في شهر أيار الماضي، لكن معلومات عن انكشاف المخطط جعلت قادة الانقلاب يؤجلون العملية إلى 25 تموز. ومن المحتمل أن معلومات جديدة بانكشاف الخطة جعلتهم يقدِّمون الموعد، هذه المرة، إلى صباح السادس عشر من تموز، الثالثة فجراً. وفي الساعات الأخيرة عادوا وقدموا التوقيت بضع ساعات، فبدأت العملية فعلياً في التاسعة مساءً. وعلمت الاستخبارات القومية بالعملية، وفقاً للتقارير المذكورة، في الثالثة عصراً، أي قبل بدء التنفيذ بست ساعات، وهي فترة كافية لتطور الأجهزة الموالية للرئيس خطة مواجهة شاملة، نجحت في إخماد العملية بسرعة قياسية.
سهر الأتراك إذن ليلتهم الطويلة على «بث مباشر» لعملية انقلابية، بدا في الأول أنها في سبيلها إلى النجاح، وانتهت النهاية السعيدة بفشلها المدوي «على الهواء مباشرةً» ثم في الشوارع حيث احتفلت الجموع، في جميع أنحاء البلاد، بانتصار الديموقراطية. ومنذ تلك اللحظة بدأ الانقلاب الثاني إذا جاز التعبير. ليس مجرد ملاحقة للمتورطين في العمل الانقلابي، بل يبدو أنها حرب شاملة ضد من يوصفون بـ»الخونة والعملاء». نفس أولئك الضباط الذين كانوا أبطالاً قوميين، إلى ما قبل ساعات من المحاولة الانقلابية، حين كانوا يدمرون المدن، في جنوب شرق الأناضول، على رؤوس سكانها الكرد، تحولوا إلى خونة يجب إعدامهم! فيما يذكرنا، نحن السوريين، بانشقاق عبد الحليم خدام في العام 2004. فإلى لحظة ظهوره التلفزيوني الشهير على قناة «العربية» كان من أعمدة النظام والرجل الثاني في نظام حافظ الأسد، ثم اجتمع مجلس الشعب وأعلن خيانة الرجل، بالإجماع، في جلسة ردح مشينة لا سابقة لها في تاريخ المجلس المذكور. بخلاف ما تحاول الحكومة وإعلامها الموالي الترويج له، لم يكن الانقلابيون زمرة صغيرة داخل الجيش، بل يمكن القول إنها أوسع حركة انقلابية في تاريخ تركيا الحديث من حيث عدد المشاركين. من أبرز نقاط الضعف التي ساهمت في فشل العملية هو عدم تمكن الانقلابيين من إقناع رئيس الأركان وقادة القطاعات، أي صفوة الصفوة في النخبة العسكرية الذين من المحتمل أنهم آثروا السلامة الشخصية على مغامرة غير مضمونة العواقب.
القصد أن الاستياء من الحزب الحاكم، وأردوغان بالذات، هو حالة واسعة داخل الجيش، يعززه استياء مماثل في المجتمع والطبقة السياسية. من المحتمل أن المجموعة الانقلابية توقعت دعماً لها في المجتمع العلماني والكردي والعلوي، إضافة إلى المجتمع المتدين القريب إلى جماعة فتح الله غولن، وكذلك حزبي الشعب الجمهوري والشعوب الديمقراطي. أي كل البيئات الاجتماعية والسياسية المتضررة والمستاءة من حكم أردوغان المديد. أضف إلى ذلك أنهم ربما توقعوا غض نظر من المجتمع الدولي، وصولاً إلى القبول بالأمر الواقع، على ما يمكن أن يكون قد شجعهم مثال انقلاب عبد الفتاح السيسي في مصر.
لكن كل تلك التوقعات اتضح أنها في غير محلها. لقد نضجت المجتمعات التركية، في العقود الأخيرة، بما يكفي لرفض أي انقلاب عسكري، مهما كان من سوء إدارة الحكم المدني، كما يعبر عنه في المعادلة الشهيرة: إن أسوأ حكومة مدنية منتخبة، هي أفضل من أحسن انقلاب عسكري ممكن.
مع ذلك لا يمكن للمراقب إلا أن يشعر بقشعريرة خوف حين يتحدث أردوغان علناً عن تأييده لاستعادة حكم الإعدام، بعد سنوات على إلغائه في القانون التركي، أو حين يتحدث أحد مستشاريه عن «ضرورة تسليح الشعب» لمواجهة محاولات انقلابية قادمة!
مبروك للشعوب التركية انتصار الديمقراطية على المحاولة الانقلابية.

٭ كاتب سوري

في تركيا انقلاب يليه انقلاب

بكر صدقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية