العلة «هنا» لا «هناك»

حجم الخط
0

في ليل العملية في نيس كنت في باريس. نمت. في الصباح التالي قالت لي زوجتي: «يوجد 80 قتيلا». قلبي هبط، لم اصدق بأن يسقط عندنا كل هذا العدد الكبير من الضحايا. «هذا في نيس»، اضافت زوجتي.
صورتان في سياق المذبحة اجتذبتا انتباهي: الاولى، ظهور فرانسوا اولند رئيس فرنسا، الذي أعلن: «نحن في حرب»، وأعلن بأن فرنسا ستشدد هجماتها الجوية في سوريا وفي العراق ضد داعش. اما الصورة الثانية التي لفتت انتباهي فهي صورة الشاحنة البيضاء الضخمة، التي دهست وقتلت عشرات المحتفلين. صورتان مثلتا في نظري انعدام الوسيلة وفقدان الطريق في فرنسا وقيادتها في مواجهة الواقع.
أفراد من الشرطة الفرنسية سألوا القاتل لماذا يوجد في المتنزه بسيارته. فأجابهم بأنه يبيع البوظة. سمع الشرطيون وتركوه. مثال كلاسيكي على أن بالفعل يتعلق كل شيء «بسبب الحارس الصغير». فقد اكتفى الشرطيون باقوال المواطن الفرنسي. لم يسألوه كيف تباع البوظة في مثل هذه الشاحنة، ولم يطلبوا ان يريهم البوظة. صدقوه.
لم يكن لديهم أي ذرة فكرة عن أنه يكذب وان الشاحنة ستقوم بدور الطائرة القاذفة. فأغلب الظن لم يرشدهم أحد بأنه في إسرائيل (تلك التي تحرص فرنسا جدا على أمنها) يستخدم الإرهاب الفلسطيني منذ سنين السيارات لأهداف القتل.
يجسد الشرطيون برأيي عاملين أساسيين يمنعان فرنسا ـ ومعها كل أوروبا الغربية ـ من ان تواجه الإرهاب كما ينبغي، وللدقة الإسلام المتطرف. العامل الاول هو النهج الاوروبي الاساس في أن حرية الانسان وحقوقه هي القيمة العليا. ففي المعضلة بين حياة الانسان وحريته، تتغلب قيمة الحرية. فأن يموت أناس، هنا وهناك، بين الحين والاخر، لا بأس إذا ما حُفظت في نفس الوقت حريات المواطن. وعليه، فإذا ما اعتقلت شرطة بلجيكيا مشبوها لديه معلومات عن «قنبلة موقوتة»، فإنها لن تستخدم ضده وسائل تحقيق خاصة، خشية من أن تمس لا سمح الله بحقوقه.
العامل الثاني الذي يمنع فرنسا من مواجهة التهديد هو الفصل المعلن والقاطع الذي يجرى بين المواطنين المسلمين وبين الإرهاب. ولكن لما كان الإرهاب لا يأتي إلا من أوساط السكان المسلمين، فلن يكون ممكنا الحصول على معلومات عنه ومكافحته إذا ما ابقي على هذا الفصل. في فرنسا الامر اخطر مما في باقي دول اوروبا. فثمة احياء إسلامية في مدن عديدة في فرنسا يحظر على الشرطة وقوات الامن الدخول اليها. حسنا، فكيف بالتالي سيجمعون المعلومات هناك؟
والآن إلى اقوال رئيس فرنسا. يخيل لي أن هذه هي المرة الثانية التي يعلن فيها عن أن فرنسا في حرب. تصريح عليل. ضد من الحرب، من العدو، ماذا ستجدي حالات قصف فرنسية اخرى في سوريا أو في العراق؟ ولكن في مجرد هذا القول فان اولند يوجه الاصبع نحو الخارج كمن يقول لشعبه: هذه ليست مشكلة داخلية، هذه ليست مشكلة مع السكان المسلمين المواطنين عندنا والقسم المتطرف المزدهر في داخلهم ـ هذه بشكل عام مشكلة خارجية بعيدة في الشرق الاوسط. بالفعل، نعامة فرنسية.
لا غرو أن فرنسا ستواصل المعاناة من الإرهاب الإسلامي. في 12 تموز سربت في وسائل الإعلام الفرنسية (ولم تنف) اقوال قالها رئيس جهاز الامن الفرنسي في استماع سري اجري في شهر ايار في لجنة برلمانية: «فرنسا على شفا حرب أهلية بين اليمين المتطرف والمسلمين».

معاريف 21/7/2016

العلة «هنا» لا «هناك»
فرنسا لا تزال تعيش في الوهم بأن مصدر الإرهاب من الخارج وليس من داخلها الإسلامي
عاموس جلبوع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية