محمد بنيس… معلم جيل

حجم الخط
0

أصيلة ـ من محمد جليد: محمد بنيس «حالة ثقافية فريدة».. هكذا يصف الشاعر الفلسطيني مراد السوداني زميله المغربي. وبهذا الوصف تمثلت مداخلات شهادات شعراء ونقاد ومترجمين وفنانين عرب التجربة الشعرية لصاحب «كتاب الحب»، خلال فعالية «خيمة الإبداع»، التي تعتبر ثاني ندوات جامعة المعتمد بن عباد الصيفية في موسم أصيلة الثقافي. إذ احتفى هؤلاء، وهم من أصدقاء ومتتبعي تجربة بنيس، الذين جاءوا من جميع أنحاء المعمورة، بشخصه وعطاءاته وإسهاماته الأدبية عموما.
في هذا السياق، يصفه صديقه الشاعر المهدي أخريف، في تقديم أرضية هذه «الخيمة»، بأنه «شاعر قبل كل شيء؛ شاعر مجدد بارز بأعماله الشعرية الخمسة عشر المنشورة، التي ترجم العديد منها إلى أهم اللغات الحية في العالم، والتي جعلت منه شاعرا مرموقا على المستوى العالمي».
وفي شهادة عن المحتفى به، يتحدث الشاعر التركي محمد حقي سوتشين عن ترجمته لــ«كتاب الحب» إلى اللغة التركية، موضحا في البداية أنه أعاد ترجمة العديد من أعمال محمد بنيس، بعد أن اكتشف ضعف ترجماتها السابقة. كما يستعرض، في هذه الشهادة التي تلتها الناقدة المغربية حورية الخمليشي، الخطوط العريضة للخصائص التي تميز شعر المحتفى به، خاصة القصائد الواردة في «كتاب الحب». إذ يعتبر أن أولى هذه الخصائص هو تداخل الكتابة وإعادة الكتابة، والإبداع وإعادة الإبداع، مشيرا إلى أن هذا الكتاب يعيد كتابة معظم الكتب التراثية التي عالجت الحب (ابن حزم، الشيخ السراج، النفزاوي، ابن أبي حجلة، الأصفهاني، الخ). كما يرى أن بنيس يوظف، في هذا العمل، السخرية والتهكم في هذه القصائد، ويضفي عليها كذلك مسحة من الألم، كما هو الحال في قصيدة «الحب لا ينبئ». ويشير أيضا إلى أن بنيس يستخدم لغة الجسد والإيروتيزم بكثرة.
ويذكر الأديب المغربي أحمد المديني، في شهادة عن صداقته بالمحتفى به، أن لمحمد بنيس فضائل كبيرة في تعليم جيل كامل فن الشعر والنقد الشعري، مشيرا إلى أن رغبته كانت تكمن في تأسيس مشروع يحمل اسم مجلته المعروفة: «الثقافة الجديدة». إذ يؤكد المديني أن هذا «العنوان الجامع» كان يحمل بين طياته الاعتراض والتحدي الواضح للثقافة التقليدية، واصفا التاريخ الذي سيبنيه بنيس على هذه الدعوة بالتاريخ المركب الذي «يتجاور ويتفاعل فيه الذاتي، المتوتر، المشدود إلى قوس فاس، بين دروب المدينة القديمة…». كما ينبه المديني إلى السبيل الذي شقه بنيس، ليرسم لنفسه مكانا جنب كبار «النبوغ الشعري المغربي»، أمثال محمد الحلوي، محمد السرغيني، محمد الخمار الكنوني، أحمد المجاطي، وكذا فطاحل الشعر العربي الحديث، أمثال أحمد شوقي وصلاح عبد الصبور وأنسي الحاج وأدونيس.
أما الناقد المغربي عز الدين الشنتوف، فيقدم مقاربة نقدية في أعمال بنيس الشعرية، حيث يرى أن الكتابة «لا تنظر، في شعرية محمد بنيس، إلى تاريخها من حيث هو معطى، بل تسعى إلى المعرفة التأصيلية، وتترك المعرفة التحصيلية»، مشيرا إلى أن بنيس يسعى من خلال الكتابة إلى نفي أي سلطة كيفما كانت. كما يعتبر أن هذه الكتابة «تغدو موردا لإنتاج السؤال في الممارسة والتنظير معا». لتوضيح هاتين المقدمتين، يعتبر الشنتوف أن بنيس عمل على دمج الكتابة ضمن مجال معرفي لا يفصل فيه بين الذات والمجتمع والتاريخ، موضحا أن بيانه الشهير «بيان الكتابة» يمثل الإطار التوجيهي لهذا الاختيار النظري. وانطلاقا من هذا البيان، يلامس الناقد ثلاث حركات في شعرية محمد بنيس، وهي «تفضية الكتابة، وإعادة الكتابة، وأخيرا مادية الكتابة، حيث يوضح أن هذه الحركات الثلاث لا تنفصل عن بعضها بعضا. ويخلص الشنتوف إلى أن الكتابة عند بنيس تراهن على اعتبار سؤال الشعر سؤالا كونيا، ولغة الكتابة نمطَ حياة. كما يرى أنها فعل وليس رد فعل، وتتبنى سؤالها خارج التجريب، ولا تنجذب في الممارسة النصية إلى المقولات، بل تخلق وتبني باستمرار صيغا لما يمكن أن يكتب.
ويعتبر الروائي التونسي أن محمد بنيس انبثق من الخراب.. من خرائب الثقافة التقليدية والمحافظة التي تجتر الماضي، وخرائب مدينة فاس العتيقة بجامعتها القرويين ودروسها العتيقة. لكنه يرى أن الانغمار في المعرفة والأدب، خاصة الشعر، كان بمثابة الخلاص من هذه الخرائب، موضحا أن بنيس نذر حياته للشعر بمعناه الواسع، وكذا بناء مشروعه الأدبي الرامي إلى تأسيس ثقافة جديدة تسعى إلى القطع مع الماضي والتخلص من مخلفات ثقافة الاستعمار. كما يرى أن تجربته الأدبية تفجر ثورة لغوية وشعرية، هي بمثابة بديل للتجارب السابقة، مشيرا إلى أثر المفكر المغربي الراحل عبد الكبير الخطيبي، وكذا المنظر الفرنسي رولان بارث، واضح في تأسيس المتون النظرية والنقدية في تجربة بنيس. في حين، تذكر حورية الخمليشي أن بنيس كان أول من علمها الشعر وفتح عينيها على أبجديات النقد الشعري. كما ترى أنه حمل مشعل الحداثة في الشعر المغربي، قبل أن يطرق المغرب باب الحداثة، موضحة أن الشعر عنده مستودع للغة وأسرارها، وهو منفتح على التجربة الشعرية الكونية.
من جانب آخر، يرى الشاعر البحريني قاسم حداد أن أهم ما يميز حياة بنيس الأدبية هو تجربته في السؤال الشعري العربي، حيث يشير إلى أنه اعتنى، في مشروعه الأدبي والثقافي، بمفهوم الصداقة عناية خاصة. إذ يعتبر أن هذا المفهوم يكتسي أهمية خاصة في فهم تجربته الشعرية، ملمحا إلى أن الصداقة هي التي ساعدت على أن تمتد تجربته، لتشمل العالم كله. لكنه يقول إن المشروع الشعري عند بنيس اغتنى كذلك من إدراكات الصداقة، على اعتبار أنه ترجم كذلك لأصدقائه إلى اللغة العربية. كما يرى أن الصداقة تقاوم المحو الذي تتعرض له أدوار المثقفين وممارساتهم والتزاماتهم وشروط الكتابة في مشاريعهم، الخ. وهنا يتساءل قاسم حداد قائلا: إلى أي حد تمكن تجربة بنيس من جعل الصداقة جزءا من النقاش في أفقه العالمي؟ ويجيب موضحا أن مشروعه، خاصة تجربته الشعرية، اشتغل على الوعي الحضاري من خلال التأسيس للثقافة الجديدة، وعلى المعرفة بمتطلبات وقضايا وشروط العيش في العصر الحديث والفكاك من سطوة الثقافة التقليدية.
وفي ختام الندوة، اعتبر المحتفى به محمد بنيس أن أشغال الندوة جعلته يرى ويسمع جوانب كانت مخفية عنه. كما قال إن «عالمنا هو عالم المال مضاد للشعر، والشعر مناف للاقتصاد والاستغلال». كما أضاف أن الشعراء واعون بضرورة مقاومة كل من يعارض الشعر والثقافة، لكنه أكد أن الإبداع في حاجة إلى الحماية. جدير بالذكر أن «خيمة الإبداع» شهدت كذلك مشاركة الشاعر اللبناني عبده وازن، وكـــذا الناقد المغربي الشاب المحجوب الشوني والفنان التشكيلي الفرنسي فيليب عمروش، والناقدة الإيطالية فرانشيسكا ماريا كورا بوبيو، والشاعر والمترجم الأمريكي بيير جوريس، والناقد المغربي عبد الجليل ناظم، والشاعر الياباني بانيا ناتسويشي، والشاعر الفرنسي برنار نويل والشاعر الألماني خواكيم سارتوريوس.

محمد بنيس… معلم جيل
شهادات حول تجربته الشعرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية