قال الراوي: كان يا ما كان في قديم العهد والزمان، ملك اسمه سليمان حكم الإنس والجان، كلَم الطير وفهم لغة النمل والحيوان، كان يجلس على كرسيه الملكي ومن خلفه الحاجب والسياف والأعوان، كان يأمر حاجبه فيعلن للناس أن الملك سليمان أذن لرعيته بالدخول إليه والمثول بين يديه ليحكم بينهم بالعدل والإحسان.
وفي يوم من الأيام دخل إلى باحة القصر طفل صغير وامرأتان، وحين مثلا بين يديه سألهما فيم تختصمان، قالت الأولى يا ملك هذا الزمان، أنا أم هذا الطفل وهذه المرأة تدَّعي أمومته بالكذب والبهتان وقالت الثانية يا ملك هذا الزمان، أنا أم هذا الطفل وما قالتهُ هذه المرأة هو كذب وبهتان. قال الملك سليمان: لقد ادَّعت كل منكما أمومة هذا الطفل ولم تقدم أي منكما دليلا على صحة ما تقــول ولا برهانا. لذا قرَّرنا نحن الملك سليمان أن نقسم هذا الطفل إلى قسمين متساويين وسوف تأخذ كل واحدة منكما نصف هذا الطفل وتغادر هذا المكان بسلام وأمان. قالت إحداهما هذا هو العدل يا ملك الزمان. قالت الأخرى يا ملك هذا الزمان لا تقسم الطفل إلى نصفين إني أتنازل عن حقي في هذا الطفل لهذه المرأة والله المستعان.
أدرك الراوي الصباح فرفض السكوت ورفض الكلام المباح، وقال مخاطباً من يحملون رايات عشائرهم السياسية، يا سادة يا كرام يا من بحضرتهم يمنع الكلام، هذا ما كان في قديم العهد والزمان، أما في هذه الأيام فقد قسمتم الطفل الفلسطيني إلى عدة أقسام وغرستم رايات عشائركم السياسية في قلب جراحه النازفة، ومن حين لآخر تتحدثون عن الجهود الجبارة والتضحيات العظيمة والتنازلات غير المسبوقة التِّي قدَّمتها عشائركم السياسية لتضميد الجراح وإنهاء الانقسام.
ونقلت وكالات الأنباء عن مصادر موثوقة رفضت الكشف عن اسمها أن بعض الدُّول الكبرى وبعض الدُّول الصغرى وبعض القوى الإقليمية وبعض الدول المانحة وبعض الدول المانعة تمارس الضغوط على أركان الانقسام الفلسطيني لإنهاء الانقسام أو تعميقه.
وعلى الرغم من تناقض مصالح الدول التِّي تتدخل في الشأن الفلسطيني سياسياً واقتصادياً وعقائدياً فإنها تتفق جميعاً على إبقاء الوضع الفلســـطيني الحالي على ما هو عليه. ولتحقيق ذلك فإنها مستمرة في تقديم الدعم المالي وأحياناً السياسي والمعنوي لأركان الاخـــتلاف الفلســـطيني وعشائره السياسية الذين يعملون جاهدين بقصد أو غير قصد على إبقاء حالة الشلل السياسي الفلسطيني على ما هي عليه، ووضع الشعب الفلسطيني بأكمله على حافة الهاوية.
إنّ الدول التي تتدخل في الشأن الفلسطيني، وعلى رأسها اسرائيل، تدرك جيداً أن استمرار وجود العشائر السياسية واستمرار سياساتها الحالية وإمكانيات الضغط عليها يعتمد على الدعم الذي تقدمه لها هذه الدول. وهذه الدول تدرك أيضاً أن العشائر السياسية تعتمد في وجودها على منظومة متماسكة من المؤلفة قلوبهم، التي قد ينفرط عقدها إذا ما توقف الدعم المالي عن العشائر السياسية، ما قد يؤدي إلى قلب المعادلة السياسية رأساً على عقب.
وعلى الرغم من تواصل مفاوضات المصالحة لسنين عديدة لم يتم تحقيق أي نتائج تذكر. ويتساءل الإنسان الفلسطيني في كل بقاع الارض:
لماذا لم يتم التوصل إلى نتائج إيجابية طوال هذه السنين؟
لماذا نحتاج إلى وسطاء لحلِّ خلافاتنا؟
لماذا نجتمع في مصر وقطر والسعودية وليس في رام الله أو غزة؟
لماذا لم يشكل آلاف الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا في فلسطين وكل بقاع الأرض حافزاً يدفع المتفاوضين للاتفاق؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة وأي أسئلة أخرى قد يطرحها العقل الإنساني يكمن في إعادة صياغة الأسئلة جميعها ودمجها في سؤال واحد وهو: على ماذا يتفاوض أطراف الانقسام؟
قد يظن البعض، وبعض الظن إثم، أنهم يتفاوضون على شيءٍ له علاقة بالوطن والاحتلال. لا يا سادة إنهم يتفاوضون على تقسيم الغنائم.
ولكي لا نسيئ فهم مصطلح الغنائم فإنني أودُّ أن أوَّضح أن مصطلح الغنائم في هذه المقالة هو خاص بالواقع الفلسطيني وليس له علاقة بالغنائم التي تجمع بعد الانتصارات العسكرية أو الغزوات القبلية. إنَّ مُصطلح الغنائم هنا يتضمن ما هو عينيّ ونقديّ وسياسيّ أو بشكل مختصر رتب ورواتب وما بينهما من كراسي ومقاعد. لذا كان الله في عون المتفاوضين لأن المهمة صعبة جداً وربما مستحيلة كما أثبتت سنين التفاوض الطويلة. أقول كان الله في عون المتفاوضين لأن التوفيق بين المصالح المتناقضة للدُّول التي تتدخل في الشأن الفلسطيني صعبة جداً، والأصعب من ذلك هو التوفيق بين مصالح أبناء العشائر السياسية والمؤلفة قلوبهم، والجدير بالذكر أنَّ المسلمين هزموا في معركة أُحُد وكاد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقتل حين نزل الرماة عن الجبل لجمع الغنائم وما أشبه اليوم بالأمس.
ولأن الشيء بالشيء يذكر نقول إن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية لم تحقق أيّ تقدم لأنها تشبه مفاوضات الانقسام الفلسطيني ليس لها علاقة بالاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني فإسرائيل ترفض رفضاً قاطعاً الاعتراف بالحقوق السياسية الشرعية للشعب الفلسطيني وتريد أن تبقي سلطة الحكم الذاتي (كما ورد في جواز السفر الفلسطيني) اسماً على مسمى.
إن مفهوم الحكم الذاتي هو أن يحكم الناس أنفسهم بدون أي سيادة على الأرض، ولهذا السبب رفضت منظمة التحرير قرار الأمم المتحدة (242)، ورفضت الانضمام إلى اتفاقيات كامب ديفيد للسبب نفسه وهو عدم الاعتراف بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني.
وفي الحالة الفلسطينية فإن سلطة الحكم الذاتي مطالبة بالحفاظ على الأمن في مناطق الحكم الذاتي والحفاظ على أمن المستوطنين الذين يسكنون في مناطق الحكم الذاتي، بدون أن يكونوا خاضعين لسلطة الحكم الذاتي لأن سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية ليس لها أي سيادة على شبر من الأرض الفلسطينية.
إن بناء المستوطنات والحواجز والطرق الالتفافية وجدار الفصل العنصري وكل ما يحدث على أرض فلسطين هو تجسيد لرفض الكيان الصهيوني الاعتراف بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني.
إن ما يحدث في فلسطين اليوم هو تطبيق استراتيجية الفصل العنصري التي تتبناها إسرائيل بأيدٍ فلسطينية. والأخطر من ذلك أن السلطة تطبق سياسة الفصل العنصري الإسرائيلي ظانين أنهم يعملون لحماية الشعب الفلسطيني وهذا يعني أن الكيان الصهيوني قد احتل الأرض والعقل الفلسطيني وإن استمرار هذا الوضع هو الطامة الكبرى.
إن رفض إسرائيل الاعتراف بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني تجلى في انسحاب اسرائيل من قطاع غزة . لقد كان بإمكان اسرائيل تحقيق مكاسب سياسية كبيرة في حالة انسحابها من خلال مفاوضات مع الفلسطينيين، ولكنها فضَّلت الانسحاب بدون أي تفاوض كي لا يكون هناك أي سابقة تشير إلى أن اسرائيل قد تنازلت عن أرض فلسطينية لسيادة فلسطينية. وقبل الانسحاب هيأت اسرائيل المناخ الملائم لحماس للاستيلاء على قطاع غزة وتحقيق الحلم الإسرائيلي، سواء بقصد أو غباء مدقع.
إن إسرائيل ترفض الاعتراف بالحقوق السياسية الشرعية للشعب الفلسطيني لأنها تدرك أن هذا الاعتراف يعني:
– سيادة الشعب على أرضه وهذا بدوره يعني أن بناء المستوطنات في أي مكان وزمان هو تعد على حقوق الشعب صاحب السيادة.
-إن من يضبط الخروج والدخول والتنقل هو الشعب صاحب السيادة، وهذا يعني أن الحواجز والطرق الالتفافية هو تعد على الشعب صاحب السيادة. والسيادة على الأرض تضمن حق عودة الفلسطيني إلى أرضه أو مغادرتها متى شاء. كذلك فإن حق جمع الضرائب وحرية التبادل التجاري كلها مرتبطة بحق السيادة على الأرض التي هي متضمنة في الحقوق السياسية للشعوب .
فأين نحنُ من كلِّ هذا وغيره؟
إننا لا نتهم أحداً بشيء وندرك تماماً أن القائمين على الأمر يعتقدون أن رؤاهم لكيفية التعامل مع الاحتلال هي الرؤية الصحيحة تماماً، كما يعتقد بشار الأسد أنه يدافع عن سوريا، وكما يعتقد الإرهابيون في سوريا أنهم يدافعون عن الإسلام والأمثلة لا تعد ولا تحصى.
إن القاسم المشترك بين كل هؤلاء هو تعطيل المؤسسات وإحلال الأجهزة الأمنية محلها ورفض الآخر حتى أقرب المقربين إليه وانتشار الفساد والمفسدين والمؤلفة قلوبهم والمرتزقة وإرهاب العباد وتدمير البلاد.
الشعب الفلسطيني اليوم يقف على حافة الهاوية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فالاستيطان يتضاعف والإنسان الفلسطيني مهدد بالقتل إذا فتح باب بيته أو حمل حقيبة كتبه أو طالب بحقه. واقتصادنا ليس ملحقا بالاقتصاد الإسرائيلي كما يدعي البعض، الاقتصاد الفلسطيني إن وجد يقف على هامش الاقتصاد الإسرائيلي.
القضية الفلسطينية ليست الخلاف بين حماس وفتح وليست قضية حماس وفتح، إنها قضية الإنسان الفلسطيني أينما وجد. لقد آن الأوان للشعب الفلسطيني في كل مكان أن يقول لكل هؤلاء كفى, وأن يرفع صوته عالياً مطالباً بحقوقه السياسيه الشرعية وأن يكون له شعار واحد في كل بقاع الأرض.
لا للعشائر السياسية والدينية
لا للحكم الذاتي ووهم السلطة
نعم للحقوق السياســـية الشرعية للشعب الفلسطيني….
٭ كاتب فلسطيني معروف باسم (أبو علي البوريني)
عدنان عبدالله