فرصة أردوغان

حجم الخط
5

إنها الحالة الأكثر تمثيلا لمقولة «الضربة التي لا تقتلك تقويك»، لم يكن أكثر المتفائلين بمستقبل مشروع حزب العدالة يتوقع مثل هذه الفرصة السانحة ليتمكن الحزب من إحكام قبضته تماما على مفاصل الدولة، وتشذيب مخالب المؤسسة العسكرية التي كانت على الدوام العائق الأول لتثبيت سلطة الإسلاميين في تركيا.
ولعل المشاهد المهينة التي ظهر بها جنود الجيش التركي، إن كان على يد المواطنين، أو على يد رجال الشرطة والاستخبارات، تلخص واقعا جديدا في تركيا، الجيش حامي العلمانية بحاجة لمن يحميه!
الذين خرجوا للشوارع لمواجهة الدبابات، لم يكن الأمر بالنسبة لهم مجرد رفض لتمرد عسكري ضد رئيس يحبونه، بل الأمر أعمق من ذلك، إنه يمتد لمعاناة عقود طويلة من جنرالات اتاتورك، وذاكرة مريرة عاشها آباؤهم وأجدادهم المتدينون كحال أغلب الشعب التركي، من نير الاضطهاد الثقافي لهم، اضطهاد تعرض كل من حاول تخفيفة لانقلاب، بل أعدم، كما حصل مع عدنان مندريس الرئيس التركي.
لذلك، فإن الاندفاع الكبير للناس بمواجهة العسكر، يخفي خوفا ورعبا اصيلا من عودة البسطار العسكري، وما سيرافقه من اضطهاد جديد، وإعادة كاملة لعقارب الساعة، كل هذا كان سينتج بلا شك حربا اهلية لا هوادة فيها، بين قوى المجتمع المحافظة التي تعتبر اغلبية، ومن يؤيد علمانية الجيش من قطاعات وتكتلات شعبية اخرى، حرب ستدمر تركيا تماما، وتحولها لسوريا اخرى، وربما اكثر. وهذا يظهر مدى استهتار صانعي الانقلاب وفشلهم ليس فقط عسكريا، كما ظهر في ضعف الانقلاب، بل فشلهم في قراءة تحولات المجتمع التركي، ومدى تقبله لخطوة الجيش الانقلابية، لعلهم ظنوا ان تركيا اليوم هي نفسها من تعايشت مع ثلاثة انقلابات سابقة.
بدت المؤسسة الامنية والشرطية، اكثر عقائدية، وبعنفوان جماهير حزب العدالة تمكنت من مواجهة جنود الجيش بالقوة المسلحة، بدون الكثير من اراقة الدماء، لأن جنود المؤسسة العسكرية بدوا غير مشحونين بالقدر الكافي من القناعة والايمان بما يفعلونه، وامام صيحات المعارضين لهم، والاجساد التي تواجه زناجيل دباباتهم، والتهديد برصاص القوى الامنية التي اختارت «المواجهة حتى الموت»، أصبحت هذه القوات العسكرية محاصرة نفسيا وعسكريا، لتظهر باكثر مشاهدها ذلا في تاريخ البلد الذي شكل تاريخه الحديث هذا الجيش.
معظم عناصر الشرطة والاستخبارات والأمن ينتمون لمناطق محافظة ذات ميول اسلامية، بينما ظل الجيش وقيادته مركزا لنفوذ العلمانيين او المتحالفين معهم، ضمن قاعدة عدو عدوي صديقي من الاسلاميين المعارضين لأردوغان من جماعة غولن، ولم يكن هناك افضل من انقلاب فاشل ليتمكن اردوغان من الاطاحة بخصميه الاثنين بضربة واحدة، العلمانيين المعارضين لاسلمة البلاد وجماعة غولن.
لا شك أن الصراع على هوية الدولة في تركيا اتخذ منعطفا حاسما هذه المرة، فمعسكر حزب العدالة ذو الجذور الإسلامية يبدو في أفضل حالاته، وبعد إكمال حملة التطهير في مفاصل الدولة، وتأمين مؤسسة الجيــش بالكامل، لن يكون امام حزب العدالة سوى خطوات قليلة عن تغيير حاسم للدستور سيكون بمثابة إعلان انتهاء الحقبة الاتاتوركية بعد اقل من مئة عام عليها.

٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

فرصة أردوغان

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية