ميشال روكار والعالم العربي

حجم الخط
0

في غمرة الأحداث المتزاحمة، بين جرائم إرهاب غزير متشابه أو متمايز وبين حالات انقلاب طريف كلاسيكي أو مستحدث (على سيادة الشعب في الحالة التركية، وعلى رهن هذه السيادة في حالة الاستفتاء البريطاني)، مر نبأ وفاة السياسي الفرنسي ميشال روكار أوائل هذا الشهر دون أن ينال، في الإعلام العربي، من الاهتمام ولو قدرا قليلا يعادل ما ناله نبأ وفاة “قديس” العصر الصهيوني إيلي فيزيل. ومن جميل الموافقات أننا تطرقنا قبل بضعة أسابيع إلى توضيحات ميشال روكار الصريحة حول ما ينطوي عليه الموقف البريطاني من مشروع الاندماج الأوروبي من التباسات وحيل وألاعيب، حيث وضع الإصبع على ما سميناه بـ»سوء التفاهم التأسيسي» القائم بين أوروبا وبريطانيا منذ ستينيات القرن العشرين، ودعا البريطانيين الذين يريدون أن تبقى أوروبا مجرد منطقة للتبادل التجاري الحر أن «يغادروا قبل أن يهشموا كل شيء».
والواقع أنه إذا كان الزعيم جان جوريس، الذي اغتيل عشية الحرب العالمية الأولى، وليون بلوم، الذي قاد حكومة الجبهة الشعبية عام 1936، أهم شخصيات اليسار في فرنسا في النصف الأول من القرن العشرين، فإن بيار منداس فرانس، الذي نال كل من المغرب وتونس الاستقلال في عهده رغم أن رئاسته للحكومة لم تتجاوز تسعة أشهر، وميشال روكار، الذي ترأس الحكومة من عام 1988 حتى1991، هما أهم شخصيات اليسار الفرنسي في النصف الثاني.
الذي يميز ميشال روكار عن معظم ساسة بلاده أنه كان يحظى باحترام عموم الفرنسيين، على اختلاف مشاربهم، لما عرف عنه من نزاهة واستقامة وجد. وقد ظلت شعبيته في استطلاعات الرأي العام أثناء رئاسته للحكومة تسجل نسبا عالية أزعجت الرئيس فرانسوا ميتران وكانت من أسباب التعجيل بإقالته وتعويضه بأول رئيسة وزراء في تاريخ فرنسا، ايديت كرسون. ومعروف أن روكار وميتران كانا خصمين سياسيين، وأن أحد دواعي تعيين روكار في رئاسة الوزراء هو رغبة ميتران في توريطه في لعبة الحكم بما ينال من شعبيته ومن حسن سمعته لدى المواطنين. بل إن ميتران كان يتندّر حول استقامة روكار الأخلاقية! أما محور الخلاف بين الرجلين فهو أن روكار كان يتزعم تيار ما سمي «اليسار الثاني»، أي تيار الديمقراطية الاشتراكية القائم على واقعية الإدارة الاقتصادية ومبدأ إعادة توزيع الثروة.
هذا فضلا عن أن روكار، الذي يمتاز بمتانة التكوين الفكري وسعة الاطلاع، قد كان من المدافعين عن حق الجزائر في الاستقلال بينما كان ميتران مؤيدا لسياسة «الجزائر الفرنسية». وقد منح ميتران، عندما كان وزيرا للعدل في منتصف الخمسينيات، جيش الاحتلال السلطات المطلقة التي سهلت ارتكاب جرائم التعذيب ضد المناضلين الجزائريين. وكان روكار قد نشر عام 1959 تقريرا مدويا ندد فيه بسياسة تجميع الفلاحين وسكان الأرياف الجزائريين في معسكرات. ولهذا فإن صوت النشاز الوحيد الذي عارض الإشادة الإجماعية بروكار بعد وفاته هو صوت زعيم «الجبهة الوطنية» العنصرية السابق جان ماري لوبان الذي قاتل، متطوعا، في صفوف القوات الاستعمارية والذي لا يزال يراوده الحنين إلى «الجزائر الفرنسية».
كان للقضية الوطنية الجزائرية دور فعال في توجيه المسار السياسي لروكار. وقد قام عام 1973 بزيارة استغرقت ثلاثة أسابيع إلى مصر، والعراق، وسوريا ولبنان حيث التقى بقادة الأحزاب اليسارية العربية. وأذكر أنه نشر أول الثمانينيات مقالا في مجلة «جون أفريك» يدعو فيه دول العالم الثالث إلى انتهاج الديمقراطية باعتبارها أنجع نظام حكم عرفه البشر. وكانت الفكرة الجوهرية في المقال أن المصلحة الملموسة تقضي بالأخذ بالديمقراطية لأنها أفضل الطرق لتحقيق التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة المواطن.
وقد عاد عام 2013 فكتب في الصحافة أن معظم الشعوب الإسلامية «لم تكن في الموعد مع التنمية»، وأن الثورات الشعبية العربية أكدت ما صار يعرفه الجميع: أن التنمية تقتضي الديمقراطية وتحتاجها. صحيح أن له قولة شهيرة عن أن فرنسا «لا تستطيع إيواء جميع بؤساء العالم». ولكن التتمة هي أن «فرنسا لا بد أن تظل بلد لجوء سياسي».

٭ كاتب تونسي

ميشال روكار والعالم العربي

مالك التريكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية