استفحل في مصر خلال نصف القرن الأخير خطر تيار انعزالي قوي وخشن؛ ينكر الانتماءات الوطنية والقومية، ولا يقتصر على نفي التعريب والعروبة فحسب؛ بل يصل حد نفي التاريخ وإلغاء التراث، والتاريخ لديه يبدأ بالاحتلال اليوناني وينتهي به؛ تاريخ ما زال حاضرا للآن داخل كنائس وأديرة، وفي دروس اسبوعية مغلقة؛ امتد خارج مصر؛ في أوروبا وأمريكا وكندا واستراليا ونيوزيلندا، وأضحى ذا تأثير بالغ بين أروقة الكنيسة «القبطية» (لا تسمى نفسها كنيسة مصرية ولا شرقية، ولا نعلم هل هذا استعلاء أم هناك سبب آخر غير معلن)، وذلك أضعف علاقة الكنيسة في مصر بحواضنها الوطنية والشرقية الأصيلة.. وجعلها تحتل مكانة شبيهة بـ»المارونية السياسية» في بلاد الشام.
وفي دراسة للباحث والكاتب المصري عماد توماس؛ منشورة على “موقع كنيسة الاسكندرية للأقباط الكاثوليك” الألكتروني في 19 نيسان/ابريل 2013، وعنوانها: «حسما للجدل حول علاقة المسيحيين العرب باللغة العربية» ذكر فيها: «أن المسيحيين تعربوا شيئاً فشيئاً، في مصر والعراق والشام، وحلت اللغة العربية مكان اليونانية»، وربطت بين الروم والسريان وغيرهم من مسيحيي المشرق، ويعود انتشارها لجهود الرواد، وضرب مثلا بـ»بطرس البستاني» و»ناصيف اليازجي»، اللذين شاركا في ترجمة «الكتاب المقدس» إلى العربية، وساهما في صياغة التعاليم المسيحية في قوالب عربية خالصة.
وقبل الدخول في التفاصيل أشير إلى تعليق وصلني على مقال الاسبوع الماضي.. من شخصية عزيزة على النفس.. جاء فيه أنه بعد حياة وعمل طويل بالمملكة العربية السعودية عَرِف أن ورقة بن نوفل يهودي وليس نصرانيا.. وهذا على عكس ما تأكد بدراسات ووثائق تاريخية، ومنها ما نشره موقع «الحوار المتمدن» في 17/ 10/ 2008؛ بعنوان «القس ورقة بن نوفل وعلاقته بنبوة محمد» للكاتب صباح ابراهيم، وفيه أن ورقة بن نوفل قريشي وقِس نصراني من مكة؛ كان على ملة الخليل إبراهيم عليه السلام، وكان رفيقا لعبد المطلب جد النبي (ص) في اعتكافه بغار حراء. وزوَّج السيدة خديجة بنت خويلد للنبي محمد (ص)، وقال في خِطبتها: «الحمد لله الذي جعلنا كما ذكَّرت، وفضّلنا على ما عدَدْت. فنحن سادة العرب وقادتها، وانتم اهل ذلك كله؛ لا يُنكر العرب فضلكم. فاشهدوا عليّ يا معشر قريش؛ إني قد زوّجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله». ومعروف أن قريش لم تعتنق اليهودية ليكون ورقة يهوديا.. واسمه بالكامل القس ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قُصيّ، وهو ابن عم السيدة خديجة؛ زوجة الرسول محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي (وقصي هو الجد الثالث لورقة وخديجة، والجد الرابع للنبي محمد (ص). وترجم ورقة الإنجيل من العبرية للعربية.
وآمن بما آمن به «النصارى الابيونيون»، وكانت صفة «الأبيونية» للتحقير -حسب ما ذكر المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري- وتؤدي للطرد من الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، بسبب الاتهام بـ«الهرطقة»؛ أي عدم الإيمان بالطبيعة الإلهية للمسيح (عليه السلام) ولا بقيامته بعد الموت بثلاثة ايام، ولا انه روح الله وكلمته، ومات ورقة بن نوفل ولم يكن قد مر على ظهور الإسلام غير اربعة أعوام.
ومن المعروف تاريخيا أن النبي محمد (ص) كان يلتقي رهبان ونصارى مكة والشام؛ ومن أشهرهم الراهب عداس، وقس بن ساعدة، وعيصا، والراهب بُحَيرى، وكانت السيدة خديجة أول إمرأة تزوجها، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، كما جاء في سيرة ابن هشام.
واقترب بذلك من التعاليم المسيحية الأولى، على الرغم من تغلغل الثقافة اليونانية والفلسفة الأفلاطونية، وهو ما أضحى اساسا للثقافة الكنسية المصرية «السكندرية».. وشيوع فكرة «التثليث» التي كرسها “بولس الرسول”؛ صاحب الدور الأكبر في نشر المسيحية بين الوثنيين؛ بعيدا عن يهود فلسطين وسكان سوريا الكبرى وآسيا الصغرى وأثينا وروما. وباكتمال تعريب مسيحيي مصر والعراق والشام حلت اللغة العربية مكان اليونانية.
ومسيحيو العرب هم الأقدم استخداما للخط العربي، ويقول الاب سمير خليل اليسوعي، لا أحد من العلماء يشك في قِدم استخدام المسيحيين للخط العربي، وأقدم الكتابات العربية الشمالية نقشت على أبواب الكنائس، مثل «كتابة خرائب زبد»، وكانت بثلاث لغات؛ عربية ويونانية وسريانية سنة 51م، وكذلك كانت كتابة حران؛ المنقوشة بالعربية واليونانية سنة 568م، وأكد جواد علي بأن قلم مكة مأخوذ من «القلم العربي الشمالي»، وأخذ به نصارى العرب، ورجال دينهم لتعليم أبناء المسيحيين القراءة والكتابة وتعاليم الدين في مدارس مُلحقة بالكنائس.
ويقول إدوار حشوة في تأكيد الاحترام المتبادل والمودة بين المسيحية والإسلام؛ يقول قرأت في تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية للأب ألبير أبونا قصة عن فتح مكة (ص 45 ـ ج2)؛ تقول: «كان في الكعبة إضافة للأصنام صور الأنبياء والشجر والملائكة وصورة ابراهيم الخليل وعيسى بن مريم وأمه، فلما كان يوم فتح مكة دخل رسول الله للبيت، فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب، فجاء بماء زمزم، ثم أمر بثوب مبلل بهذا الماء، وأمر بطمس تلك الصور ووضع كفيه على صورة عيسى بن مريم وأمه، وقال امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدي.. ومنها بدأ تاريخ الاحترام المتبادل والمودة بين المسيحية والإسلام في الشرق».
وقد يكون هذا هو الذي أدهش «ويليام جيمس ديورانت» المعروف بوِيل ديورانت؛ كاتب قصة الحضارة هو وزوجته إيريل؛ قد أدهشه ما أسماه «الحادث الجلل» الذي تمخضت عنه جزيرة العرب وأعقبه استيلاؤها على نصف عالم المتوسط وانتشر في ربوعه؛ لهو أعجب الظواهر الاجتماعية في العصور الوسطى. ولم يكن ذلك لينفي عوامل أخرى أدت لنشر الإسلام؛ كتناحر القبائل، واستمرار الحروب والغزوات التي أنهكتها، ونزاعاتها الطاحنة، والاقتتال المستمر بين الغساسنة والمناذرة (اللخميين)، وأثر التحريض الفارسي والبيزنطي على أطراف النزاع والاقتتال. والخلافات والانشقاقات بين المذاهب والجماعات المسيحية حول طبيعة المسيح، وما ترتب عليها من مجازر وتهجير وحقد وابتعاد عن قيم المسيحية الأولى.
وانعكس ذلك على حياة المسيحيين العرب بعد الرسول (ص)، وأدى تطبيق مبدأ «لا يجتمع في الجزيرة دينان» في عهد عمر بن الخطاب إلى متاعب، وترحيل اليهود إلى أريحا في فلسطين، والمسيحيين إلى الشام. ومن رأي الكاتب السوري إدوار حشوة أنها لم تكن تعبيرا عن موقف إسلامي (ديني) بل عبرت عن موقف سياسي، فالإسلام في تعامله مع المسيحيين لم يلزمهم بغير الجزية، ولم يجبرهم على اعتناق الإسلام أو الرحيل، ويقول: «ربما كان هذا بسبب المشاكل التي أثارها اليهود في المدينة وغيرها».. وذكر لابن الخطاب مواقف أخرى تتسم بالود والتقدير للمسيحيين.
وأرجع إدوار حشوة نظام الجزية إلى ما قبل الإسلام، وكان نصارى اليمن يدفعونها للملك الحُمَيري، ونصارى الشام يقدمونها للروم، ونصارى ما بين النهرين يؤدونها للفرس.. وهي «ضريبة حماية» تُدفع للحاكم، وصارت تؤدى من اتباع الدين المغاير.. وكانت زهيدة القيمة في عهد عمر بن الخطاب، فالغني يدفع (48) درهما في العام.. و(24) درهما يدفعها متوسط الحال.. ويؤدي الفقير (12) درهما، وإعفاء الشيوخ والنساء والأطفال والمرضى والعميان والرهبان. ورأى أن الوجود المسيحي في المشرق مدين بالاستمرار لنظام الجزية. فلو طبق مبدأ «لا يجتمع في الجزيرة دينان» على بلاد الشام وما بين النهرين لم يكن قد بقي فيها مسيحي واحد!.
ويرى إن الحكمة الإلهية هي التي أملت هذا لتحقيق التعددية الدينية، وكي لا يشعر أحد بالقهر. والجزية كـ»ضريبة حماية» تسقط عن العرب المسيحيين الذين يخدمون جنبا إلى جنب مع اخوتهم المسلمين في جيش واحد، ويُرجِّح «في ظل أي حكم إسلامي قائم أو قادم ستكون (الجزية) من مخلفات التاريخ».
٭ كاتب من مصر
محمد عبد الحكم دياب