البروفيسور شلومو أفينري، الصديق والزميل منذ اكثر من 50 سنة، محق بقوله ان «التاريخ ليس فقط حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام». كما أنه محق بادعائه بأن تاريخ الأفكار وحده لا يوفر المفتاح السحري لفهم التاريخ بمجمله. ولكن التاريخ ايضا ليس مجموعة من الظواهر المصادفة والأحداث هزيلة العلاقة فيما بينها. فيه ميول وتيارات بعيدة المدى، وهذه بالفعل تنكشف في أحيان قريبة بالطريقة الأوضح من خلال بحث الأفكار.
خطأ في تفسير الظاهرة
فمثلا لا يمكن تفسير الثورة الفرنسية فقط من خلال تناول الأزمة في الزراعة والنقص في الغذاء أو افلاس المملكة، عقب النفقات الهائلة التي تطلبت دعما للأمريكيين في اثناء حربهم ضد انجلترا. كما أنه لا يمكن شرح احداث القرن العشرين فقط على أساس الحرب العالمية الأولى ونتائجها. فمن مثل أفينري، الذي اكتسب لنفسه اسما عالميا بفضل عمله عن ماركس وهيغل، يعرف بأن الطرق المؤدية من النظرية إلى الممارسة عديدة، بل واحيانا غريبة بقدر لا يقل عن طرق العناية العليا في التاريخ.
ليس بيننا أي جدال في أن «من يؤيد حق الفلسطينيين في دولة قومية ويتنكر لحق اليهود في ذلك، لن يحظى بالتأييد في اوساط الشرائح التي تنجر اليوم خلف الديماغوجية القومية والدينية لليمين». ولحسن فهمي، ليس في اوساط اليسار الصهيوني اناس هذا هو موقفهم. فهذه هي خلاصة الصراع الايديولوجي بين اليسار من جهة وبين اليمين والوسط (الذي ينجر وراء اليمين) من جهة أخرى. كل الجدالات بينهم تدور حول المبدأ الذي يقول ان من يطالب بحق تقرير مصير لنفسه لا يحق له أن يحرم الاخرين منه.
ان الحق في الاستقلال وبحكم الذات هو حق انساني أساس وكوني، وبالتالي فإنه ينطبق على الفلسطينيين بذات القدر الذي ينطبق على اليهود: دولة قومية واحدة ليست مقدسة أكثر أو اقل من دولة قومية اخرى. في نظر اليمين، من يفكر هكذا هو عدو الشعب. نعم، من اجل الحقيقة التاريخية، يجب التشديد على أنه في اوساط حركة العمل بكل اطيافها ايضا ـ حين كانت هذه لا تزال موجودة ولم تخرج باسمها ـ رفضت الأغلبية مساواة الحقوق الوطنية للفلسطينيين ولم تعترف بمفعول وشرعية حقوقهم الكونية. ان عدم القدرة على وضع بديل لفكرة تفوق الحقوق التاريخية على الحقوق الكونية هو السبب الأساس للشلل الفكري والاخلاقي الذي حل باليسار عشية حرب الايام الستة. ففي غضون وقت قصير وجد اليمين نفسه في موقع قوة إذ في قيادة العمل أيضا ـ من غولدا مائير وحتى يعقوب حزان من هشومير هتسعير، ناهيك عن يغئال الون ورفاقه من الكيبوتس الموحد والكتاب من اللجنة من أجل بلاد اسرائيل الكاملة ـ لم يكن يوجد شعب فلسطيني. بل ان حزان أطلق اللؤلؤة المميزة: كيف يمكن المقارنة بين شعب ابن 3 الاف سنة وشعب ابن 30 سنة؟
ان هذا الاعتراف بتفوق التاريخ على الحقوق الطبيعية ـ حقوق الإنسان ـ أدى، بالتدريج، بداية إلى التصفية الفكرية لليسار ولاحقا ايضا إلى تصفيته السياسية. هنا ايضا سبقت التطورات الفكرية التطورات السياسية.
والان سأتطرق إلى الحرب العالمية الاولى بسبب الاهمية المبدئية لها لفهم الواقع الاسرائيلي. ثمة من مِن شأنهم ان يفهموا تحليل أفينري كدليل على أنه طالما لم تقع مصيبة وطنية مثل حرب هدامة أو انهيار اقتصادي واجتماعي، أو كلاهما معا، فليس في اسرائيل خطر حقيقي على تصفية الديمقراطية الليبرالية. وأنا اختلف مع هذا: برأيي الاحتمال قائم. واليمين في الحكم يحققه بالتدريج كل يوم بيومه، والثورة المحافظة تتدحرج منذ الان، المحكمة العليا تقف على شفا الشلل والاسوأ من كل ذلك يكمن في حقيقة انه انطلاقا من العجز والجبن يعتاد المجتمع ويسلم بالواقع. مسيرة طويلة من التطرف القومي ـ الديني وانتصار القيم البطرياركية على القيم الكونية آخذ في النضج عندنا بسرعة.
فضلا عن ذلك، فقد تعلم اليمين، حتى وان كان بتأخير ما، بأن ليس له معارضة، بأن النخب الثقافية ضعيفة، جبانة وتطلع إلى الاصطفاف في ظل «الاجماع». هذا ما كان أيضا في أوروبا وهذا ما صفى هناك الديمقراطية الليبرالية. اما عندنا فالمشكلة اكثر خطورة بكثير: فللقومية المتطرفة القبلية، الساحقة والسامة، التي تنغمر بالمعتقدات التافهة وبالكراهيات الظلماء، توجد قاعدة قوة سياسية، تعليمية واقليمية بما يشبه الحكم الذاتي ليس اليسار وحده لا يتجرأ على مواجهتها ـ بل وحتى الرسمية اليهودية تتراجع أمامها. هذا هو المخزون البشري الذي يمكن أن يخرج منه ذات يوم زعران يحملون السلاح ليؤدوا الدور الذي أدته العصابات التي سيطرت في أوروبا.
جوهر موضوعنا هو ان الذخيرة والمواد التفجيرية الفكرية التي اعدت قبل الحرب العالمية الاولى انفجرت بكل شدتها في السنوات ما بعدها. ووفرت الحرب الظروف وكذا جزء من الجيوش التي سمحت بتحقق الايديولوجيا وتحولها إلى قوة سياسية. ولكن ليس في ذلك ما يوفر تفسيرا كاملا.
ان الضعف البنيوي للديمقراطية في المانيا وفي ايطاليا في السنوات التي سبقت الحرب، والبنية التحتية الايديولوجية ـ التي كان يروج لها بعض من الاسماء البارزة للقرن العشرين، في كل مجالات الثقافة، في الفلسفة، في العلوم الاجتماعية، في الادب وفي الفن ـ ادت إلى تفكك الديمقراطية في السنوات ما بعد الحرب: لم تكن اي حتمية تجعل الحرب تخلق فاشية ونازية. فافينري يعرف جيدا بأن النفور من الليبرالية الفلسفية ونظرية العرق لم يكن نتيجة البطالة والتضخم المالي وان النازية مدينة اكثر «للثورة المحافظة» في الفترة الانتقالية بين القرنين مما هي مدينة للأزمة الاقتصادية.
وهذا هو الحكم بالنسبة لفرنسا، التي لم تشارك على الاطلاق في الحرب ولم تتضرر منها. فليس صدفة أنه عند اقامة الكتائب الفاشية في تشرين الاول 1933، كانت أول كلمات زعيم الحركة خوسيه انطونيو بريمو دي ريفرا، في خطابه التأسيسي، موجهة ضد جان جاك روسو و «العقد الاجتماعي»، بمعنى، ضد التنور والفكر الذي يقول ان الفرد يسبق من ناحية قيمية المجتمع والدولة، وهاذان لا يوجدان إلا من أجله.
المشوق هو انه في فرنسا ايضا بعد الهزيمة في 1940، كانت المهمة الاولى التي تصدى لها النظام الجديد «للثورة الوطنية» هي شطب الثورة الفرنسية. تلك، على أساس اعلان حقوق الإنسان والمواطن فيها، حررت السود واليهود: في المرة الاولى في التاريخ الحديث كان كل السكان الرجال الذين يعيشون في ذات الدولة مواطنين متساوي الحقوق. القوانين العرقية المناهضة لليهود في تشرين الاول 1940 جاءت لتكون المسمار الاخير في تابوت التنور. ولم تكن الامة بعد ذلك مجموع مواطنيها، بل قبيلة تصطف حول كنائسها وقبورها.
وبالنسبة للولايات المتحدة وانجلترا، لا اعتقد أن التفسير الامبريالي يحل المشكلة: فالديمقراطية في أمريكا صمدت ضمن امور اخرى لأنه لم يكن فيها نواة قبلية كان يمكن ان تتطور حولها النزعة القومية التنظيمية والعدوانية التي هي اساس الفاشية. فرغم العنصرية وكراهية الأجانب المغروستين في الثقافة الأمريكية، لم يكن في الولايات المتحدة سوى مجتمع مدني والمهاجر الذي أقسم للدستور كان مواطنا متساويا لأنسال البيوريتانيين.
انجلترا هي الاخرى في نهاية القرن التاسع عشر باتت «بريطانيا»، والتي ضمت حدودها الاسكتلنديين، اللويلزيين والايرلنديين. ووحد الجميع الولاء للتاج، اي للدولة، وليس للقبيلة. ضعفت انجلترا في الحرب وكانت الأزمة فيها خطيرة بقدر لا يقل عما في قارة أوروبا. فحتى في مدنها الصناعية وفي قراها تجول جنود مسرحون، والخسائر في اوساط الطلاب في اكسفورد وكامبردج كانت شديدة بقدر لا يقل عما في اوساط نظرائهم في السوربون وفي عموم القارة.
موسوليني والزخم الشعبي
وبالنسبة لموسوليني، رغم الدعم الشعبي الذي حظي به، فإنه لم يصعد إلى السلطة فقط بفضل جنود الجبهة، العاطلين عن العمل والفقراء، والمسيرة إلى روما لم تكن إلا زينة مسرحية عديمة الاساس. لم تكن ابدا ثورة في ايطاليا. فلو كان للنخبة السياسية ارادة للدفاع عن النظام، لكان الجيش والشرطة، اللذين وقفا جاهزين ومستعدين في مواجهة التجمع الفاشي، فرقا المشاركين فيه إلى كل صوب. لقد كان الحكم الفاشي نتيجة الأزمة المستمرة للديمقراطية الليبرالية في السنوات التي سبقت الحرب؛ وفي ساعة أزمة النخبة السياسية، الليبرالية والمحافظة على حد سواء، رؤساء الصناعة والبنوك، رؤساء الكنيسة والاسرة المالكة اعترفوا بعدم قدرتهم على استقرار القارب.
لقد تفككت الديمقراطية من الداخل، ورئيسا الحكومة السابقان جوباني جوليتي وانطونيو سلندا أيدا موسوليني، وقد دعاه الملك في تشرين الاول 1922 إلى تشكيل الحكومة، الذي كان بين 13 من وزرائها 3 فاشيين بالاجمال.
لقد كانت هذه حكومة ائتلافية عادية من الليبراليين والمحافظين والقوميين. ولم تبدأ مسيرة التحور الفاشي المتسارع إلا بعد ثلاث سنوات وانتهت في 1929. يمكن لموت الديمقراطية أن يكون بطيئا، والعذابات التي تأتي بالتدريج يعتاد الناس عليها. في المانيا وفي فرنسا فيشي ايضا اعتاد الناس بسرعة على واقع لم يتصور أحد قبل وقت قصير من ذلك ان يكون ممكنا. والآن إلى يوهن غوتفريد هاردر، إلى ادموند بارك والمعنى العميق الذي للأفكار التي غرساها في عالمنا.
اولا وقبل كل شيء يقال ان التعددية الثقافية المتساوية المزعومة لهاردر كانت تعددية محدودة الضمان وذلك لأن المغرم بالثقافات المتعددة هذا، حبيب ما بعد الحداثة، طور نسبية حادة ومراتبية واضحة للشعوب والثقافات. وحسب فكره، ففي رأس السلم يقف الألمان في فترة الغزوات الكبرى، مجددو العالم، محتلو الامبراطورية الرومانية، التي تجرأت على أن تفرض القانون الروماني على كل سكانها وهكذا ارتكبت جريمة لا تغتفر ضد التميز الثقافي للشعوب المختلفة. وتمكنت القبائل الألمانية المفعمة بالحيوية من تحويل الامبراطورية إلى فسيفساء من الثقافات، كل ثقافة فيها تضع حدودا وأسيجة في وجه تأثيرات الثقافات الأخرى.
من ناحية هاردر، فإن كل تأثير خارجي هو تأثير هدام والمضامين القومية السيئة افضل دوما من مضامين المصادر الاجنبية. لقد كان هاردر قبل كل شيء قوميا وفقط بعد ذلك مسيحيا. والمسيحية بقيمها الكونية تراجعت دوما لديه امام القيم القومية. لقد رأى في الالمان في عهده شعبا شابا يصعد إلى المسرح الذي ينزل منه الفرنسيون المتعفنون واعتقد بأن الثقافة الالمانية أصيلة، بينما الثقافة الفرنسية مصطنعة. وهذا يتناقض بالفعل مع المبدأ حول القيمة المتساوية لكل الثقافات والذي ينسب إلى هاردر بالخطأ.
ولكن إلى الذروة تصل الاسطورة الهاردرية عندما نعنى باليهود. فالفيلسوف الالماني معروف بمحبته للقصائد التوراتية ولعالم العبريين القدماء. ولكن إلى جانب اعجابه الكبير بالشرق العتيق، البطرياركي، كانت فيه لاسامية كبيرة. لقد طور هاردر كل الاراء المسبقة المعروفة للسامية الاوروبية. وكانت لاساميته اخطر من لاسامية فولتير، الذي قاتل ضد الدين بصفته هذه وكانت المسيحية والكنيسة الكاثوليكية الموضوع الاساس لعدائه الشديد.
في نظر هاردر كان اليهود على مدى الاف السنين «نبتة طفيلية» على جسد الشعوب الاخرى. فقد سيطروا على التجارة والاموال وهكذا جعلوا شعوب أوروبا عبيدا طوعيين للعضة اليهودية. سيأتي يوم، كما قال، وسيعيش اليهود حسب قوانين أوروبا، ولكن حتى ذلك الحين فإننا ملزمون بأن نحرر المسيحية من تأثير اليهودية. هذه الفكرة لا تنسجم هي الاخرى مع مبدأ القيمة المتساوية لكل الثقافات. وبالفعل، فان هاردر لم يخفِ رأيه حول دونية الثقافات الاخرى، وبالاساس الثقافات غير الاوروبية: فبينما السلافيون اثاروا شفقته فقط لانعدام القدرة القتالية الالمانية لديهم، اعتقد بأنه حبذا لو لم تخلق الطبيعة افريقيا على الاطلاق. اما اليابانيون واكثر منهم الصينيون، الذين اثنى فولتير على مساهمتهم في العلوم، فلم يثيروا انفعاله بسبب النواقص الجسدية المختلفة التي أولاها لهم. وكذا الهنود، الخراف الخانعة، لم يتحدثوا إلى قلبه بسبب السلبية الشهيرة بهم. لا توجد لديه كلمة واحدة من التقدير لثقافتهم.
وأخيرا، بضع كلمات عن بارك. حوله ايضا نشأت اسطورة متجذرة، ترى فيه مقاتل حرية مناهض للإمبريالية. صحيح أن بارك دافع عن الايرلنديين الكاثوليك وعن الهنود في وجه الحكم الكولونيالي الفاسد، ولكنه لم يفعل ذلك باسم حقوق الإنسان بل باسم التاريخ، التقاليد والعادات المحلية، بما فيها الاكثر اثارة ووحشية.
بالنسبة لأمريكا، كانت المبادىء التي وجهته مشابهة. فهذا السياسي الانجليزي الذي كان يعرف جيدا مصالح المستعمرات سعى إلى انقاذ الامبراطورية ومنع انفصال المستعمرات عن انجلترا. وقد فهم بأن سياسة الصدام مع المستعمرات وفرض ارادة التاج على سكانها ستؤدي في النهاية إلى انقطاعها عن انجلترا.
ولكن بارك خاف اكثر من أي شيء آخر امكانية أن تتبنى المستعمرات في ظل الصراع مبادىء التنور التي بدأ هو نفسه يصارعها قبل ثلاثين سنة من الثورة الفرنسية. لم ينفر أحد اكثر منه من مبدأ الحقوق الطبيعية، من فكرة حق بني البشر في ان يخلقوا لأنفسهم مجتمعا ويعطوا لأنفسهم حكما كما يرونه؛ لم يكن في نظره شيء أسوأ من التوجه إلى المبادىء المبسطة للحرية. وعليه فمنذ يوم قيام الولايات المتحدة، اختفت من خطابات وكتابات بارك وكأنها ابتلعها المحيط.
لا شك أن في أفكار القوميين والمحافظين اساسات ايجابية ايضا، ولكن في الحساب العام فإن الضرر الذي الحقوه في الـ 300 سنة الاخيرة، حتى يومنا هذا، يفوق بكثير مساهمتهم في تقدم الحرية والليبرالية. والاعتراف بتأثير هذه الأفكار يؤكد فقط الحاجة إلى وضعها أمام الحكم الأخلاقي.
زئيف شتيرنهل
هآرتس 22/7/2016
صحف عبرية