في أول تقرير للمرصد العربي: حضور العلوم الاجتماعية في الصحافة العربية ما زال فقيرا

انســجاما مــع جوهــر رســالته الأكاديمية، وركونا إلى مهامه القائمة على تدعيم البحث وإنتاج المعرفة في العالم العربي، أصدر المجلس العربي للعلوم الاجتماعية التقرير الأول للمرصد العربي للعلوم الاجتماعية، الذي يعد باكورة في سلسلة تقارير يعتزم المجلس إصدارها كل سنتين.
ويهدف التقرير الأول الذي أشرف على إعداده وكتابته وتحريره عدد من أساتذة علم الاجتماع والإنثروبولوجيا في العالم العربي أمثال ثريا التركي وساري حنفي والمختار الهراس وعلي حجاج وأحمد موسى بدوي وحسن رشيق وستناي شامي وغيرهم، إلى تقديم مسح عام لحضور العلوم الاجتماعية وتقييم قدراتها وخصائصها في العالم العربي، ركونا إلى التحولات الجوهرية التي شهدتها المجتمعات العربية في الفترة الأخيرة.
ووفقا للقائمين على التقرير، فإن جودة العلوم في أي مكان ترتبط بتواصلها مع العلوم الاجتماعية العالمية، سواء على مستوى مكان الدراسة أو امتلاك القدرات اللغوية، أو حضور المؤتمرات العلمية، أو غيرها من إمكانيات ووسائل التواصل.
ورغم أن هذه النظرة تترافق مع الاعتقاد بأن جودة العلم تنخفض بقدر انعزاله عن العلوم العالمية، فإنه من الواضح أن للظروف المحلية في أي موقع أهمية بالغة في تحديد سياقات البحث، مواضيعه ومنهجياته، لاسيما في العلوم الاجتماعية. ومن المعلوم أن تعميق النظرة في واقع محلي يؤدي بعض الأحيان إلى اكتشافات نظرية بالغة الأهمية للعلوم الاجتماعية العالمية، والمثال على ذلك هو العمل الميداني لبيير بورديو في الجزائر، أو عبر الجمع بين دقة الملاحظات لديناميات التغيير مع التفسير المرن للنظريات، كما في دراسات حنا بطاطو حول سوريا والعراق، التي أصبحت مرجعا لا غنى عنه لكل المهتمين بالتاريخ الاجتماعي العربي الحديث.
ومما يسجله معدو التقرير من ملاحظات في بدايته، أن هناك تذمرا داخل الوسط العلمي مما يسمى «الجو العام» في المجتمع، الذي يؤدي إلى جر المدرس أو الباحث في منحاه، وهو ما أخذ يعني أن وجود نوع من الاعتقادات المنتشرة بشكل واسع في المجتمع كالفكر الطائفي أو الفكر المهتم بمسألة الهوية بشكل محدود الأفق، أخذ يصيب في نهاية المطاف الباحث أو المدرس بعدواه، بحيث بات التدريس أو البحث مجرد وسائل أخرى لإعادة إنتاج الفكر الاجتماعي الموجود، وليس كمنهج لتجاوز هذا الفكر أو نقده.

العلوم الاجتماعية في الصحف العربية:

بناء على المقدمة السابقة، يسعى التقرير إلى رصد حضور العلوم الاجتماعية في مختلف الميادين العامة والعلمية مثل الجامعات ومراكز البحث، كما أنه يولي اهتماما خاصا بحضور العلوم الاجتماعية في الصحافة العربية بعينة مؤلفة من خمس صحف عربية تتميز بشكل عام بجذورها التاريخية وبدرجة مقبولة من القراءة في أكثر من بلد عربي واحد. وقد شملت هذه العينة كلا من صحيفة «الشرق الأوسط» و»القدس العربي» «والحياة اللندنية والنهار»، بالإضافة إلى صحيفة «الأهرام» المصرية. كما اقتصرت فترة الرصد على السنوات الخمس الممتدة من (أوائل 2010 إلى أواخر 2014)، بحيث شملت ـ وفق معدي التقرير- المرحلة التي سبقت الربيع العربي، وهو الأمر الذي يمكنهم لاحقا من ملاحظة مدى تأثير ظاهرة الربيع العربي في نسبة الحضور العلمية وطبيعته داخل الصحف. ووفقا لأحد الرسومات (التي ترصد نسبة حضور العلوم الاجتماعية في الصحف الخمس السابقة) فإن 77 في المئة هو المعدل العام عبر كل السنوات لنسبة الأعداد التي تحتضن مواد ذات طبيعة علمية، ولكن تتفاوت هذه النسبة عندما ننظر إلى كل صحيفة على حدة. على سبيل المثال تبدو صحيفة «الحياة» في الصدارة، حيث تربو نسبة الأعداد المنطوية على نسبة اجتماعية على 90 في المئة من مجمل الأعداد في معظم السنوات، ثم تليها «القدس العربي» التي تحمل معدلاتها السنوية دلالة على استمرارية الاهتمام بالعلوم الاجتماعية. وتقارن استمرارية الاهتمام هذه باستمرارية (قلة الاهتمام) النسبي بالعلوم الاجتماعية التي تغلب على صحيفة «الشرق الأوسط». من جانب آخر، يظهر رسم ثان أن صحيفة مثل «الأهرام» المصرية شهدت وجودا كبيرا للعلوم الاجتماعية وصل إلى أعلى مستوياته داخل الصحيفة عام 2012، تلاه انهيار إلى المستويات السابقة عام 2013، وهو الأمر الذي يعزوه معدو التقرير إلى إعفاء عدد من كبار الكتاب من الخدمة خلال تلك الفترة وليس بسبب أي قرارات إستراتيجية بالضرورة . لكن بشكل عام، يسجل التقرير حضورا للتحليل العلمي وصل إلى ذورته في الصحف كافة في العامين 2011 و2012، وهما سنتا الربيع العربي الأوليتان، ثم يعود إلى التراجع في ما بعد.
الأمر الذي يمكننا – بحسب التقرير- من أن نفترض أن حضور العلم في المجال العام مرتبط بظواهر اجتماعية أخرى، منها وجود حالة ديناميكية كحراك شعبي شامل، قد تكون له علاقة سببية أو ارتباطية بحالة فكرية آخذة في التكون في أرجاء المجتمع بما فيها حقوله العلمية.
أما حالة تصنيف العلوم الاجتماعية وفق بعض تخصصاتها المعتادة، يظهر التقرير، أنه رغم وجود عدد كبير من المفاهيم المتعلقة بالعلوم التي تتناولها الصحف، فإن هذه الصحف غالبا ما تبذل جهدا ضئيلا لاستعراض مضمون المفاهيم ومعانيها. وإن كانت هناك استثناءات مهمة كما في «القدس العربي» التي بدت من خلال العينة رائدة على مستوى معالجة مختلف أساليب العلوم، وعلى شاكلتها صحيفة «الحياة». ومما يلاحظ أيضا حضور لبعض التخصصات وشبه غياب كامل لتخصصات أخرى. فمثلا نجد ضعف حضور الاقتصاد كعلم (رغم حضوره كخبر)، باستثناء «الأهرام». كما تحضر العلوم السياسية بشكل واضح في الصحف كافة لأسباب قد تبدو بديهية وتتعلق بالمواضيع العامة للصحافة، باستثناء جريدة «النهار» التي لا تحتوي داخل صفحاتها على وجود قوي للعلوم السياسية، بل وجود أقوى لعلم الاجتماع والإنثروبولوجيا، وكذلك حضور مميز لعلم النفس شبه الغائب في الصحف الأخرى. ويفترض أحمد موسى بدوي (أحد معدي التقرير) أن هذه الظاهرة (المتعلقة بجريدة «النهار») قد تكون مرتبطة بخصوصية التوازن السياسي الهش في لبنان، حيث الجمهور الأكبر للصحيفة، أي وجود حالة تشجع الابتعاد عن المواضيع السياسية الحساسة وإبراز مواضيع بحثية أخرى «تحتاج إلى إثبات وليست حقائق قاطعة» تكون أكثر قابلية لأن تخدم كقاسم مشترك في مجتمع منقسم. ومما يلاحظه التقرير كذلك، أن الاهتمام بالتاريخ الديني يأتي في المرتبات الدنيا داخل الصحف وهو الأمر الذي يبدو غريبا في مرحلة تميزت بحضور قوي لحركات إسلامية واسعة، ما يعني أن هذه الحركات قد تم فهمها، أو هي أظهرت نفسها، كحركات ذات طابع سياسي بشكل أساسي، رغم بنيتها القائمة على خطاب ديني. ولكن من الممكن أن تكون هذه الظاهرة دليلا على عامل آخر هو أن الدين لا يعامل كمسألة تاريخية، بل كأمر راهن حيث يتخذ التاريخ الديني وظيفة وعظية لا شكلا علميا.
على صعيد آخر يشير التقرير إلى أن معظم المفاهيم الخاضعة لتحليل علمي في الصحف هي أيضا مواضيع حاضرة في الأخبار اليومية، ولكن وجودها العلمي أو عدمه على صفحات الجرائد يمنحنا فكرة عن العلاقة بين الحدث اليومي والفكر العلمي. مثلا يظهر أحد الجداول (حول القضايا المطروحة في الصحف السابقة) بدءا بأكثر القضايا حضورا وصولا إلى أقلها حضورا، أن أحداث «الربيع العربي» تأتي في الصدارة، تليها مسألة ارتبطت بشكل أو بآخر بهذا الحراك وان كانت أقدم منه عمرا، أي مسألة الإسلام السياسي. كما تقترب مواضيع أخرى في الترتيب من هذين الموضوعين وهي مواضيع ذات صلة وثيقة بهما، كالديمقراطية التي تمثل المرتبة الثالثة والمشاركة المجتمعية التي تأتي في المرتبة الخامسة. وتتميز كل هذه المواضيع ذات الترتيب المتقدم بأنها ترمز إلى معضلة التغيير. في الموازاة يلاحظ استمرارية مسألة الهوية القومية، حيث يظهر مفهوم الأمة في عداد المفاهيم العشرة الأولى، ولكن يبرز الضعف النسبي لحضور مفهوم آخر كان مرتبطا بها تاريخيا، وهو القضية الفلسطينية التي تحتل اليوم مرتبة متأخرة ( 19، وتأتي أكثر تأخرا اذا استثنينا «القدس العربي») ومن الممكن إرجاع هذه النتيجة ـ بحسب التقرير ـ إلى سببين: الأول خصوصية مرحلة الرصد ( 2010-2014) التي شهدت ظواهر خطفت أولوية المعالجة وبالتحديد الربيع العربي. والثاني، قد يكون السبب الأكثر جوهرية، هو ما يتعلق بوضوح قضية فلسطين. فالتحليل العلمي عادة ما يتناول قضايا تحتاج إلى شرح المعالم أو إيضاحها، ويبتعد عما يبدو واضحا.

حضور عروض الكتب في الصحف:

وما يرصده التقرير كذلك، مسألة عروض الكتب داخل الصحف السابقة، حيث يرى معدو التقرير أن الاستعراض الصحافي لكتب العلوم الاجتماعية غالبا ما يكون أقرب وسائل التواصل بين قارئ الصحافة ونتاج هذه العلوم.
لكن ما يلاحظ في الصحف السابقة هو أن حضور كتب العلوم الاجتماعية ليس كثيفا داخل صفحاتها الثقافية، بل أن هناك تدهورا واضحا في حضورها خلال فترة الرصد، رغم أنه من الواضح أن الصحف ذات المؤشرات العالية من ناحية الاهتمام بالعلوم الاجتماعية وأهمها «القدس العربي» تليها «الحياة»، هي أيضا أكثر اهتماما بعرض الكتب.
وفي عينة من 4 صحف (تم استثناء «النهار») رصد التقرير عرضا لـ110 كتب خـــلال 5 سنوات، أي بمعــدل 5 ـ 6 كتب للصحيفة كل عام وهو حضور متواضع حجما. وبحسب التقرير ليس هناك سبب واضح لتراجع هذا النوع من حضور الفكر العلمي في الصحف خلال فترة الرصد، وربما يبدو كتراجع بسبب طفرة استثنائية لعرض الكتب في أولى سنوات الرصد.
إلا أن الانحدار يستمر في ما بعد وبوتيرة أقل حدة. ومما يلاحظ أن الانحدار الأكبر كان في عرض الكتب العربية التي بدت أقل أهمية من الكتب الأجنبية في العامين 2011 و2012، ثم تتعافى قليلا في ما بعد.
ومن خلال تفحص عناوين الكتب يتضح أن الصحف الأكثر اهتماما بالكتب كـ»القدس العربي» تستعرض أيضا كتبا حول النطاق الأوسع من المواضيع المتعلقة بالعلوم الاجتماعية.
بيد أن معظم الصحف تركز على عرض الكتب التي لها صلة بالمفاهيم الأوسع حضورا ضمن قائمة المفاهيم المذكورة أعلاه. ولكن بشكل يتيح للصحيفة الابتعاد قليلا عن المخاض اليومي للأحداث بغية استطلاع خلفياتها العلمية وامتداداتها التاريخية والثقافية.

٭ باحث سوري

في أول تقرير للمرصد العربي: حضور العلوم الاجتماعية في الصحافة العربية ما زال فقيرا

محمد تركي الربيعو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية