القاهرة – إسلام أنور : يواجه المبدعون الشباب في مصر معضلة كبيرة في نشر أعمالهم، محاصرين بين مطرقة المؤسسات الرسمية، وسندان دور النشر الخاصة، فعلى الرغم من وجود عدد كبير من الإصدارات الحكومية، وعدد ضخم من الدور الخاصة، فإن سيطرة عجائز وأنصاف مبدعين على الأولى وتعاملهم بمنطق «الشللية»، فضلاً عن الإشكالية الدائمة، المتمثلة في الرقابة على النصوص، تغلق الباب أمام كل كاتب مستقل. وعلى الجانب الآخر تتعامل معظم دور النشر الخاصة بمنطق «النشر مدفوع الأجر»، وبإمكان من يملك المبلغ المالي المطلوب أن يصبح كاتبًا، بصرف النظر عن جودة المنتج المطبوع.
هذه الأجواء القاتمة دفعت العديد من المبدعين الشباب للسعي إلى نشر أعمالهم في دور نشر عربية، لا تطلب مقابلا ماليا، ولا تمارس رقابة، ولصعوبة التواصل مع تلك الدور، فضلا عما تعانيه هي الأخرى من «أمراض» مزمنة، تتعلق بالشللية وحسابات السوق، يجد المبدعون الشباب أنفسهم أمام خيارين، أما التوقف عن الكتابة أو نشر أعمالهم بالمدونات، والصفحات الخاصة في الفضاء الإلكتروني الرحب.
يقول الروائي الشاب حسين البدري، لـ»القدس العربي»، إن «فكرة الدفع مقابل النشر مهينة للكاتب والكتابة على حد سواء»، موضحا أنه تأخر كثيرًا في نشر روايته الأولى بسبب تلك الظاهرة، واصفا إياها بـ «المقيتة»، ولفت إلى أنه وجد، بعد بحث مضن، ناشرًا يقدر قيمة العمل الأدبي. ويضيف صاحب «رهانات خاسرة» أن الدولة، مثل ما تهين المواطن بالقمع والتعذيب والفقر، تهين الأديب أيضًا بمطاردة كل متميز مختلف عن توجهاتها في الاستبداد والتبيعة، مشدداً على أن «الوضع القائم حاليا محكوم عليه بالزوال، بسبب خيال جديد يطرق الأبواب الثقافية، ويتجلى في الافتراق عن المؤسسة الرسمية المدجنة منذ عصر حسني مبارك، الذي شهد دخول مثقفي جيل ما بعد الاستعمار حظيرة الدولة»، مشيراً إلى أن «مثقفي الجيل الحالي بالتأكيد لن يكونوا طيورًا داجنة تغرد للاستبداد والقمع».
من جانبها، تقول الشاعرة هدى عبد القادر، التي أعلنت عن توقفها عن نشر أعمالها ورقيًا، مكتفية بنشرها إلكترونيًا: «كنتُ أكتب وأنشر على صفحتي على موقع «فيسبوك»، وبناء على تشجيع العديد من الأصدقاء، قررت نشر أعمالي ورقيًا، في البداية، تواصلت مع دار نشر عرضت عليّ صاحبتها، دون طلب مني، إرسال بعض من كتاباتي، لأنها تحب أسلوبي في الكتابة، وبالفعل أرسلت ما طلبت، ومرت أسابيع ثم شهور والناشرة تتهرب من مكالماتي بلا رد واضح».
تضيف صاحبة «حكايات للتقشير والضحك»: «قررت اللجوء إلى ناشر آخر، ودفع مقابل مادي للنشر، لكني فوجئت بأن الدار لا يوجد بها محرر أدبي ولا مصحح لغوي، وعندما طلبت وجود مصحح يراجع النص، أخبرني الناشر أن هذه ليست مهمته، وبعد طبع الديوان وعدني بالتواصل مع ثلاثة نقاد ودعوتهم لمناقشة الديوان في حفل التوقيع، لكنه تنصل من هذه المهمة، وطلب مني أن أفعل ذلك بنفسي، لكني رفضت، ويوم حفل التوقيع وجدتني وحدي مع أصدقائي، الذين لولاهم لأصبحت ليلة حزينة للغاية، دون مناقشة أو احتفال حقيقي»، وتكمل: «بعد هذه المعاناة قررت عدم تكرار التجربة أبداً، وأن اكتفي بتجميع القصائد في ديوان والنشر (بي دي إف) على أي موقع محترم معني بالكتابة، فالكتابة هدف في حد ذاتها، وليس نسبة التوزيع، ومدى إقبال القراء».
الحصار المفروض على المبدعين الشباب الرافضين للتدجين ودخول «حظيرة» الثقافة الحكومية، وركاكة النموذج المقدم من دور النشر الخاصة، لم يقتصر فقط على صعوبة النشر، لكنه امتد ليشمل التهميش، والحرمان من الجوائز الأدبية المصرية. وفي هذا السياق يقول الشاعر محمد رياض، الحائز على جائزة غسان كنفاني للكتابة الإبداعية، عن ديوانه الثاني «يارا»: أن «معظم الأعمال الإبداعية التى ترفع أهدافا مضادة للسلطة، يجري التعامل معها إما بالإهمال، أو بالملاحقة، وبالتأكيد لن تحظى بجوائز من الدولة، وكالعادة يجري الاعتراف بها وبكتّابها لاحقا، عندما يتغير المناخ السياسي، أو تصبح القضايا التى تعبر عنها جزءاً من الماضي، حدث ذلك مع «الكعكة الحجرية»، قصيدة الشاعر الراحل أمل دنقل، فبينما كانت مقاطع القصيدة تملأ حناجر الطلبة فى مظاهرات يناير/كانون الثاني 1972، إبان حكم الرئيس الراحل، أنور السادات، صودر عدد مجلة «سنابل»، التى كان يصدرها الشاعر محمد عفيفي مطر، والذي نشرت فيه القصيدة لأول مرة».
ويضيف محمد رياض أن «دنقل نشر معظم أعماله أثناء حياته فى لبنان، لأنه كان ممنوعا من الاستهلاك المحلي، لكن هذه الأعمال نفسها أجبرت المؤسسة الرسمية الآن على تقديرها». ويتابع: «لو ذهبت بديواني إلى دار نشر حكومية، هل كانوا سيوفقون على نشر قصائد مثل (عربة الترحيلات)؟ هل كانت قصيدة «ألتراس»، ستمر تحت أنف المسؤولين عن النشر؟ هؤلاء أكثر من 90 شابا لقوا حتفهم، فى استادي بورسعيد والدفاع الجوي، فيما تشير أصابع الاتهام لا تزال إلى المجلس العسكري والشرطة المدنية».