القاهرة ـ «القدس العربي»: في ظل التدهور الذي يواجهه الجنيه المصري تضاربت الأنباء حول قرار محتمل من البنك المركزي بتخفيض قيمته أمام العملات الأجنبية في الفترة الحالية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء ليصل لـ11.50 جنيه، وسط توقعات باستمرار ارتفاعه ليصل لـ14 جنيها، في الوقت الذي امتنع العديد من المضاربين وبعض شركات الصرافة في التفريط بالسيولة الدولارية المتاحة لديها أملا في قيام البنك المركزي خلال العطاءات المقبلة بتخفيض قيمة الجنيه مقابل الدولار الأمريكي في السوق الرسمي.
وعلى الرغم من تلميحات محافظ البنك المركزي بخفض سعر صرف الجنيه في مقابل الدولار الفترة السابقة، جاء قرار البنك مغايرا لكثير من التوقعات، حيث قام بتثبيت سعر صرف الجنيه في عطاء البنوك، ليستقر عند 878 قرشًا للدولار، فيما ترفع البنوك سعر البيع 10 قروش رسميا إلى 888 قرشًا للدولار مع ترجيحات بتأجيل مسألة الخفض لفترة مقبلة بسبب ارتفاع معدل التضخم .
وتسود حالة من الارتباك في الدوائر الاقتصادية نتيجة ما يتردد عن خفض قيمة الجنيه أمام الدولار، ما دفع حائزي العملات العربية والأجنبية إلى العمل على اكتناز ما بحوزتهم ترقبا لما سوف تسفر عنه تحركات البنك المركزي خلال الفترة المقبلة.
ورأى عدد من الخبراء الاقتصاديين أن ارتفاع سعر الدولار يأتي في إطار تدهور الأحوال الاقتصادية وسوء الأوضاع المالية وزيادة نسبة اقتراض الدولة، وانخفاض نسب الإنتاج المحلي والاعتماد على الاستيراد ما أدى إلى اختفاء الدولار في السوق المحلية وارتفاعه.
وقال الدكتور صلاح الدين فهمي، الخبير الاقتصادي، لـ«القدس العربي» أن «ارتفاع الدولار سيظل هكذا، فكل سياسات البنك المركزي غير معالجة للأزمة الحالية بين الدولار والجنيه، فالأزمة هنا تتمثل في نقص المعروض من الدولار في مصر والوسيلة الوحيدة للحصول عليه تكمن في تصدير السلع والمنتجات المصرية صناعية كانت أو زراعية إلى الخارج وتنشيط السياحة أو تصدير العمالة والبترول وانعاش التجارة في الممرات التجارية مثل قناة السويس. والمشكلة في أن الحكومة تعمل على جانب واحد وهو ترشيد الاستيراد ولم تنجح في تنشيط السياحة وهذا الوضع خارج عن سيطرتها لوجود المشاكل الأمنية وعدم استقرار الوضع داخل البلاد، وكل هذا يٌصَــعــب جــلب الاستثمار الأجنبي. وهناك عامل آخر هو تباطؤ الاقتصاد العالمي الذي يؤثر تلقائيا على اقتصاد مصر داخليا».
وأوضح «أن ارتفاع سعر الدولار سيؤثر بشكل ملحوظ على أسعار السلع الغذائية، لأن المكون الأجنبي يحصل على نسبة كبيرة لدى المنتجات المحلية، وبالتالي الأسعار ستزيد كلما ارتفع سعر الدولار».
وأشار إلى «أن ارتفاع سعر الدولار دليل على أن ليس هناك أي أسس اقتصادية تحكم الاقتصاد المصري، خاصة أن كل من كان لديه دولار بات يحفظه، منتظرا ارتفاع سعره مما تسبب في اختفاء الدولار من السوق وارتفاع قيمته».
وقال مينا جرجس، أحد أصحاب شركات الصرافة وتجار العملة، «أن الجميع ينتظر قرار البنك المركزي بخفض قيمة الجنيه مقابل الدولار، نحن في حالة قلق مستمر لتوقعنا خفضه في عطاء استثنائي وليس في العطاء الدوري للبنك المركزي، مما يعطي فرصة أكبر للمضاربين لرفع سعر الدولار في السوق السوداء الأمر الذي دفع الدولار إلى أن يصل اليوم إلى 11.40-11.50 جنيه، وهو ما يشكل خطراً كبيراً على سوق الصرف».
ومن جانبه، استنكر الدكتور رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري الاقتصادي، ما يتردد عن خفض قيمة الجنيه، واصفًا إياه بالتهريج، وقال: «كيف لدولة تعتمد على 70٪ من أكلها وشربها وملبسها ومعداتها على الخارج أن تقوم بخفض قيمة عملتها، لزيادة أسعار السلع المستوردة، والتي يتحملها المستهلك الذي يكوى بنار الغلاء في النهاية وليس التجار؟».
وأوضح «أن البنك المركزي فيه شح في الدولار، وخفض قيمة العملة المحلية لن يساهم في التصدي للسوق السوداء، وإنما يساهم في زيادة الفجوة في الدولار بين السوق الرسمي والسوداء بنحو 4 جنيهات»، لافتًا إلى أن تخفيض قيمة العملة المحلية يساهم في تنشيط السياحة، لكن السبب في أزمة السياحة خلال الفترة الماضية ليست إرتفاع قيمة الجنيه، وإنما بسبب حظر السفر لمصر من عدة دول عقب سقوط الطائرة الروسية.
وتابع «أن خفض قيمة الجنيه سيساهم في زيادة نسبة التضخم من 18٪-20٪»، مشيرًا إلى أن تخفيض قيمة العملية المحلية دائمًا ما يتم بشكل فجائي، ولا يوجد رئيس بنك مركزي على مستوى العالم يقوم بعمل مؤتمر صحافي للحديث عن أنه يدرس خفض قيمة العملة المحلية. فأسلوب محافظ البنك المركزي في التعامل غير رصين، ودائما ما يقوم بدراسة قراراته عقب إتخاذها وليس العكس».
وقال حسن السيد، عضو لجنة الشؤون الاقتصادية في مجلس النواب «إن تخفيض البنك المركزي قيمة الجنيه مرة أخرى أمام العملات الأجنبية خطير جدا وسيؤثر كثيرا على الأوضاع الاقتصادية».
وأضاف «أن التقارير حول إمكانية تخفيض البنك المركزي لقيمة الجنيه مرة أخرى لو صحت سيؤدي إلى خلل كبير في القوة الشرائية للمواطن فضلا عن زيادة الأسعار ومعدلات التضخم بشكل كبير.»
وأشار إلى «ان الحكومة لم تنجح في تحقيق احتياط نقدي يسمح لها بإجراء الخطوة، خاصة وأن سعر الدولار في السوق الآن أصبح فوق 11 جنيها مصريا، الأمر الذي لا يتحمل أي زيادة إضافية أخرى».
وعن إمكانية أن تحقق هذه الخطوة طفرة استثمارية بزيادة الاستثمارات لانخفاض قيمة العملة أمام الدولار، أوضح «أن جذب الاستثمارات لا يتم بخفض العملة ولكن بتقديم خدمات وتسهيلات حقيقية تشجع قدوم الاستثمارات».
بينما رأى النائب فوزي الشرباصي،عضو مجلس النواب، «إن قرار خفض سعر الجنيه مقابل الدولار له ايجابيات علي مستوى الاستثمار ويعمل على تشجيع المستثمرين الأجانب للعودة لمصر»، مضيفاً أن سعر الدولار وصل إلى مستويات عالية في السوق السوداء ليسجل 11.50 جنيه، ما أدى إلى الضغط على أرصدة الدولار في البنك المركزي».
وأوضح «يجب على الحكومة حال تخفيض قيمة الجنيه مقابل الدولار العمل على عودة الاستثمارات المباشرة، لضخ المزيد من العملة الصعبة في الاقتصاد المصري وتوفير فرص العمل وزيادة الإنتاج، لزيادة قوة الجنية أمام العملات الأجنبية».
وأضاف، «أن قرار تخفيض العملة سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني» لافتاً إلى «أن الحكومة يجب أن تتخذ مجموعة من الإجراءات المضادة لمواجهة شبح الغلاء وجشع التجار للحفاظ على المواطنين ومحدودي الدخل والسيطرة على الأسواق».
وأشار إلى أنه «بالرغم من أن المركزي ليست لديه حلول أخرى لمواجهة الأزمة الاقتصادية وانخفاض أرصدته من العملات الأجنبية إلا أن توقيت القرار غير مناسب بالتزامن مع محاولات الحكومة إقرار قانون ضريبة القيمة المضافة»، قائلاً «اتخاذ القرارين مع بعضهما سيؤديان إلى حدوث كارثة على مستوى الأسعار».
محمد علي عفيفي